أطلق أفيخاي أدرعي إنذاره المنتظر بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت، تحت عنوان الاستعداد لضرب أهداف تابعة لحزب الله، إذا استمر بإرسال المسيّرات والصواريخ إلى شمال إسرائيل. ومع إدراج الضاحية مجددًا ضمن معادلات الحرب، دخلت المواجهة العسكرية بين إسرائيل والحزب منعطفًا آخر شديد الخطورة. فمع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس اليوم إصدار الأوامر الفورية للجيش لإعادة استهداف الضاحية، يكتمل الطوق الأمني حول العاصمة، ليعود هاجس الدمار الشامل يتصدر المشهد في عمق بيروت وبناها التحتية.
وتأتي هذه الاندفاعة بالتزامن مع استمرار العمليات البرية والجوية القاسية في بقعة نهر الليطاني وشماله وجنوبه، والإنذارات المتلاحقة لإخلاء المناطق السكنية حتى نهر الزهراني، لتكشف عن استراتيجية إسرائيلية مبرمجة يمكن تفكيك أبعادها في ثلاثة محاور:
-
أولًا، ضرب الضاحية ككابح وحيد للمسيّرات. فالقيادة الإسرائيلية خلصت إلى اقتناع على الأرجح مفاده أن سبل الدفاع التكنولوجي لوقف الطائرات المسيّرة والصواريخ الانتحارية تجاه مستوطنات الشمال بقيت محدودة الفعالية حتى الآن. وبناءً عليه، انتقل "كابينت" الحرب إلى تطبيق خيار "رد الصاع صاعين" عبر هندسة أمنية تقوم على استخدام ورقة قصف الضاحية الجنوبية وإخلائها المنظم من السكان كوسيلة ضغط القصوى والأنجع لإجبار الحزب على كف يده الصاروخية عن مدن الشمال. وكذلك، إن إسقاط الحصانة الجوية عن العاصمة يعني عودة إسرائيل إلى التدمير البنيوي الشامل لبيئة الحزب الحاضنة.
-
ثانيًا، لا يمكن فصل قرار إعادة استهداف الضاحية اليوم عن أجندة المفاوضات في واشنطن، حيث تنطلق المفاوضات السياسية المصيرية في وزارة الخارجية الأميركية بعد جولة العسكريين في البنتاغون. ويمثل هذا التصعيد ترجمة حرفية لنهج نتنياهو القائم على "التفاوض تحت النار الشاملة". فإسرائيل تريد الذهاب إلى الطاولة السياسية وهي تمتلك الورقة الأكثر رعبًا وإيلامًا للداخل اللبناني، مستبقةً أي محاولة أميركية لفرض سقف زمني لوقف النار.
-
ثالثًا، يُحقّق رفع السلاح الجوي بوجه الضاحية هدفين مزدوجين لتل أبيب. فهو يشكّل السيف المصلت فوق عنق حزب الله والدولة اللبنانية معًا، لكونه يضع الحكومة أمام خيارين: إما تقديم تنازلات بنيوية واقتصادية وسياسية تفوق السقوف التي يرفضها الأطراف اللبنانيون اليوم، أو تحمل مسؤولية تحويل أجزاء من بيروت إلى ركام. كما يسمح التهويل والتدمير في الضاحية بإشاحة الأنظار الدولية والإعلامية عن الدينامية الهادئة والخطيرة للتوغل البري المستمر، وقضم القرى والمواقع الاستراتيجية الحاكمة في البقعة الممتدة بين الليطاني والزهراني وتثبيتها كأمر واقع نهائي.
لذلك، تخوض إسرائيل في الساعات الأخيرة جولة "عض أصابع" هي الأقسى عبر رمي الورقة الأثقل على طاولة المفاوضات اللبنانية. والغطاء الأميركي الممنوح لتل أبيب تحت لافتة "الدفاع الاستباقي" سيترك لبنان الرسمي في وضعية المحاصر إلى حد الاختناق.
واشنطن ترسم سلّم التهدئة
في خلفيّة المشهد الميدانيّ المتفجّر، يتحرّك المسار الأميركيّ على قاعدة واضحة: وقف هجمات حزب الله أوّلًا، مقابل امتناع إسرائيل عن توسيع الضربات في بيروت. هذا ما كشفه مسؤول أميركيّ تحدّث عن اتصالات أجراها وزير الخارجيّة ماركو روبيو مع رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، في محاولة لإنتاج خفض تدريجيّ للتصعيد يمهّد لوقف فعّال للأعمال العدائيّة.
لكنّ المقترح الأميركيّ اصطدم سريعًا بعقدة الترتيب الزمنيّ. فواشنطن تريد التزامًا مسبقًا من حزب الله بوقف الهجمات، فيما يتمسّك رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، وفق الرواية الأميركيّة، بوقف إسرائيليّ أوّل للعمليّات البرّيّة والبحريّة والجويّة، قبل أن يضمن التزام الحزب. هنا تتكشّف جوهر الأزمة: كلّ طرف يريد من الآخر أن يقدّم التنازل الأوّل، فيما تستخدم إسرائيل الضاحية ورقة ضغط قصوى لكسر هذا التوازن.
تفاوض تحت النار
بات شبه محسوم أنّ إسرائيل تتعمّد رفع منسوب التصعيد قبيل كلّ جلسة مفاوضات، لا بوصفه ردًّا عسكريًّا فقط، بل كأداة تفاوضيّة قائمة بذاتها. فالانتقال من تهديد الجنوب إلى وضع الضاحية الجنوبيّة في دائرة النار المباشرة يعني أنّ تل أبيب لا تفاوض على وقف إطلاق النار فقط، بل على شكل المرحلة المقبلة في لبنان: حدود الحركة العسكريّة، مصير السلاح، وترتيبات المنطقة الواقعة بين الليطاني والزهراني.
الجولة الرابعة من المفاوضات، برئاسة السفير سيمون كرم، تدخل إذًا تحت سقف مختلف. فلبنان يريد التزامًا إسرائيليًّا واضحًا بوقف النار، فيما تبدو إسرائيل كأنّها تسعى إلى فرض وقف نار بشروط المنتصر: لا حصانة للضاحية، لا عودة إلى قواعد الاشتباك القديمة، ولا انسحاب بلا أثمان سياسيّة وأمنيّة.
ضوء أخضر أم ضغط مضبوط؟
البيان المشترك الصادر عن نتنياهو وكاتس كان بمثابة إصدار أوامر للجيش بضرب أهداف في الضاحية، على خلفيّة ما وصفاه بـ"انتهاكات حزب الله لوقف إطلاق النار". ونقلت وسائل إعلام إسرائيليّة أنّ الخطوة جرت بالتنسيق مع واشنطن، أو على الأقل ضمن هامش أميركيّ أوسع ممّا كان قائمًا سابقًا.
في المقابل، لا يبدو الضوء الأميركيّ مفتوحًا بلا سقف. فواشنطن تريد استخدام التهديد لضبط حزب الله ودفع الدولة اللبنانيّة إلى مزيد من الضغط الداخليّ، لكنّها تدرك أنّ ضربًا واسعًا لبيروت قد ينسف طاولة التفاوض ويعيد فتح الحرب على احتمالات إقليميّة أكبر. لذلك، تتحرّك الإدارة الأميركيّة بين حدّين: تفهّم الهواجس الإسرائيليّة، ومنع الانفجار الذي قد يصعب احتواؤه.
الأكثر وضوحًا في الخطاب الإسرائيليّ جاء على لسان كاتس، حين قال: "إذا لم يكن ثمّة هدوء في شمال إسرائيل، فلن يكون هدوء في بيروت". بهذه العبارة، حاولت تل أبيب تكريس معادلة جديدة، تجعل أمن العاصمة اللبنانيّة مرتبطًا مباشرة بأمن مستوطنات الشمال، وتحوّل الضاحية من عنوان سياسيّ وأمنيّ داخليّ إلى رهينة مفتوحة على الجبهة الحدوديّة.
هذا الربط لا يستهدف حزب الله وحده، بل الدولة اللبنانيّة أيضًا. فالحكومة تُدفع إلى زاوية حرجة: إمّا الضغط على الحزب للقبول بتسلسل أميركيّ يبدأ بوقف هجماته، وإمّا تحمّل كلفة عسكريّة وإنسانيّة قد تطال قلب بيروت ومحيطها.
بنك أهداف يتجاوز الرمزيّة
وفق التسريبات الإسرائيليّة، لا يجري الحديث عن ضربة رمزيّة بالضرورة، بل عن بنك أهداف موزّع على ثلاثة مراكز ثقل: قيادات، وبنى قيادة وسيطرة، ومستودعات أسلحة وتكنولوجيا. وتشير الرواية الإسرائيليّة إلى أنّ قادة في حزب الله يديرون العمليّات من الضاحية والبقاع، وينقلون التعليمات إلى مقارّ في صور وصيدا، حيث تُنفّذ هجمات صاروخيّة ومسيّرة.
الأخطر في هذه الرواية أنّها تفتح الباب أمام استهداف واسع داخل بيئة مدنيّة كثيفة، تحت عنوان ضرب "مراكز القيادة". وهنا تكمن المعضلة: كلّما رفعت إسرائيل توصيف الأهداف إلى مستوى استراتيجيّ، ارتفع احتمال أن تتحوّل الضربة من عملية محدودة إلى حملة تدميريّة ذات آثار سياسيّة واجتماعيّة عميقة.
إيران ومعادلة الضمانات
خلف التهديد الإسرائيليّ، تقف أسئلة أكبر حول مصير التفاهمات المرتبطة بإيران وواشنطن. فإذا كانت بيروت والضاحية قد حُيّدتا ضمن تفاهمات غير معلنة، فإنّ إدراجهما مجدّدًا في دائرة النار يعني أنّ تلك الضمانات تتآكل أو تُعاد صياغتها تحت ضغط الميدان.
التصريحات الإيرانيّة ذهبت إلى اعتبار وقف إطلاق النار شاملًا لكلّ الجبهات، بما فيها لبنان، وأنّ انتهاكه في أيّ ساحة هو انتهاك للمعادلة كلّها. غير أنّ السؤال السياسيّ الأهم لا يتعلّق باللغة، بل بالفعل: هل تريد طهران توسيع المواجهة إذا ضُربت الضاحية؟ أم أنّها ستكتفي بإدارة التصعيد عبر حزب الله، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة؟ حتى الآن، يبدو أنّ الجميع يرفع السقف، لكن لا أحد يريد إعلان الحرب الشاملة باسمه.
العرب يحاولون إطفاء الشرارة
في المقابل، دخلت العواصم العربيّة على خطّ الاحتواء. السعودية دانت العدوان الإسرائيليّ ورفضت التوغّل في الأراضي اللبنانيّة، معيدة التشديد على اتفاق الطائف وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسّساتها الشرعيّة. وهذا الموقف يحمل رسالتين متوازيتين: رفض توسيع الحرب الإسرائيليّة، ورفض بقاء القرار العسكريّ خارج إطار الدولة اللبنانيّة.
أما مصر فتتحرّك على مسارين، مع واشنطن وتل أبيب، لمنع استهداف الضاحية. وتقرأ القاهرة أنّ أيّ ضربة واسعة ستعيد لبنان إلى قلب النار، وتطيح فرص التهدئة، وتفتح جنوب لبنان والعاصمة على تصعيد يصعب ضبطه. كذلك جاءت الإدانة التركيّة لتضع التصعيد الإسرائيليّ ضمن سياق أوسع من سياسات توسّعيّة تهدّد الاستقرار الإقليميّ.
لا تنفصل تهديدات الضاحية عن التقدّم البرّي في الجنوب. فإعلان إسرائيل السيطرة على قلعة الشقيف ومحيطها، والحديث عن منطقة آمنة، أعادا إلى الذاكرة اللبنانيّة تجربة الشريط الأمنيّ. الفرق أنّ إسرائيل اليوم لا تطرح احتلالًا تقليديًّا طويلًا بالضرورة، بل واقعًا ميدانيًّا ضاغطًا، قابلًا للتحويل إلى ورقة تفاوضيّة: مواقع حاكمة، قرى مقضومة، وخطوط عسكريّة تُثبّت قبل الجلوس إلى الطاولة.
بهذا المعنى، لا تستخدم إسرائيل الجوّ وحده، بل تجمع بين التوغّل البرّي والتهديد الجويّ، لتقول للبنان إنّ وقف النار لن يكون عودة إلى ما قبل التصعيد، بل اعترافًا بمعادلة ميدانيّة جديدة.
لبنان أمام خيارين صعبين
تدخل الدولة اللبنانيّة لحظة شديدة الحساسيّة. فهي من جهة تريد تثبيت وقف إطلاق النار ومنع ضرب بيروت، ومن جهة أخرى لا تملك قدرة كاملة على ضبط قرار حزب الله العسكريّ. وبين الضغط الأميركيّ، والتهديد الإسرائيليّ، والحساب الإيرانيّ، يجد لبنان الرسميّ نفسه أمام امتحان سيادة مزدوج: سيادة منتهكة بفعل العدوان الإسرائيليّ، وسيادة منقوصة بفعل تعدّد مراكز القرار العسكريّ في الداخل.
لذلك، فإنّ الساعات المقبلة لن تكون مجرّد اختبار عسكريّ، بل اختبار سياسيّ لمجمل البنية اللبنانيّة. فإذا نجحت الوساطات في وقف الانزلاق، قد تُستعاد طاولة التفاوض ولو بشروط قاسية. أمّا إذا انتقلت إسرائيل من الإنذار إلى التنفيذ الواسع، فستكون الضاحية بوّابة مرحلة جديدة: حرب ضغط مفتوحة، تفاوض تحت الركام، ولبنان رسميّ يحاول النجاة بين نارين، نار الاحتلال ونار العجز.




