عاد الوفد العسكري اللبناني من واشنطن بخفيّ حنين. قال الإسرائيلي بوضوح، على مسمع الوفد ومن خلفه: لا للانسحاب من جنوب لبنان، لا لوقف العمليات العسكرية، ولا لوقف القصف. على ما قيل، وضع الإسرائيليون تفكيك حزب الله كشرط للإنسحاب، وطرحوا فكرة التنسيق ما فوق "الميكانيزم" مع الجيش. يعلم الجميع، بمن فيهم اليرزة، أن الشرط الأول مجرد ذريعة. لا تنوي إسرائيل وقف الحرب. الثاني عبارة عن "مشروع مشكل" داخلي مرفوض.
عملياً، لم تكن نتيجة التفاوض مفاجئة. لماذا ذهب لبنان إلى التفاوض؟ يسأل كثيرون. جواب السلطة أن الذهاب أفضل من عدمه، وأن هذا مسار التزم به لبنان ولا بديل عنه حالياً، وأن الهدف منه التخفيف قدر الإمكان من كلفة المواجهة. جنون ما بعده جنون!
في الجنوب، يستمر الجنون بأشكاله كافة. دموع كثيرة ذُرفت خلال الساعات الماضية على قلعة الشقيف. تستحق القلعة الحزن على المصير الذي آلت إليه بما تمثل من قيمة في عمق جبل عامل. ما لا يصح أن تتحول الخسارة المفترضة إلى "مأتم". القلعة قيمة. لكن في عصر الأقمار الصناعية و "الدرون" والذكاء الاصطناعي، لم تعد القلاع أساساً يبنى عليه لما بعده. قيمة الشقيف بالنسبة إلى الإسرائيليين تكمن في إظهار القدرة على الوصول إلى العمق اللبناني والسيطرة على المرتفعات والدلالة إلى الإستعداد للذهاب بعيداً.
على أي حال، يكاد المفاوض اللبناني يصل إلى قناعة بأن إسرائيل لا تريد وقف الحرب، حتى لو أعلن حزب الله التزامه بوقف إطلاق النار من طرف واحد وربما قبول فكرة تجميد أو تسليم سلاحه! لخّص مرجع سياسي كبير المسألة بقوله إن المشكلة لم تعد مع حزب الله بحد ذاته، بل مع فكرة التوسع الإسرائيلية نفسها. من هنا، يبدو أن رئيس الحكومة نواف سلام بدأ يقترب من قناعة مفادها أن التفاوض مع طرف يسعى إلى توسيع نفوذه هو مضيعة للوقت. ومع ذلك، يستمر في المسار، لأن السلطة اللبنانية تعتبر أن كلفة الانسحاب من المفاوضات أكبر من كلفة البقاء فيها.
من هنا تكتسب مواقف سلام الأخيرة أهميتها. فقيمتها لا تكمن في توقيتها أو مضمونها، بل في الظروف التي سبقتها. فهي جاءت بعد اجتماعات ومداولات مع رئيس الجمهورية جوزاف عون مرتبطة بمتابعة نتائج الجولة التفاوضية الأخيرة في واشنطن، وبعدما بات واضحاً أن إسرائيل لا تتعامل بجدية مع المطالب اللبنانية، وأن الولايات المتحدة ما تزال توفر لها الغطاء السياسي والعسكري اللازمين. وقد يكون سلام أطلق مواقفه بالتنسيق مع رئيس الجمهورية، أو بعلمه، أو ربما أراد استخدامها كورقة ضغط ناعمة تجاه الراعي الأميركي للمفاوضات . وربما أيضاً عبّر ببساطة عن قناعة سياسية بدأت تتشكل لديه. في جميع الأحوال، فتح بكلامه نافذة نقاش. قد يكون من المبكر الإعتقاد برسوخ قناعة رسمية بعدم جدوى المفاوضات. مع ذلك، بدا سلام كمن يرسم لنفسه مسافة معينة داخل المعسكر المؤيد للتفاوض، دون أن يغادره.
في الواقع، ثمة محاولات داخلية آخذة بالتبلور تحت عنوان التشاور مع رئاسة الجمهورية انطلاقاً من كلام سلام وقبله مواقف بري، حول ما يجب على الدولة فعله، بعد أربع جولات تفاوض لم تؤد إلى شيء، وإنطلاقاً من قناعة مفادها عدم جدوى الاستمرار في مسار تفاوضي، كانت نتيجته أن وسعت إسرائيل عملياتها العسكرية ورفعت كلفة القتل والدمار.
في هذا السياق، لاقى كلام سلام، وقبله مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، اهتماماً داخل حزب الله. يدفع البعض أن يشكل هذا الكلام مدخلاً لتقارب ما بين الجانبين، بصرف النظر عن خلفياته أو دوافعه. وإذا كان سلام قد تحدث عن "توحيد الجهود"، فإن ذلك يستدعي، منطقياً، خطوات متبادلة من الطرفين. ولهذا السبب تنظر أوساط قريبة من عين التينة إلى هذه المواقف بوصفها فرصة للبناء عليها، خصوصاً أن البلاد بحاجة إلى حد أدنى من التوافق الداخلي في مواجهة التوسع الإسرائيلي المتواصل.
حتى الآن، يتعامل حزب الله مع كلام سلام بحذر. فهو لم يندفع إلى التعليق على موقفه الأخير، لا سلباً أو إجاباً. اكتفى بالصمت. ويبدو أن الحزب ما يزال يراقب ويدرس بهدوء، خصوصاً إن سلام لم يترافق موقفه مع تبدل جذري في السياسات الحكومية أو في الرهانات الأساسية للدولة اللبنانية.
تفند معطيات سياسية بأن الحزب يفضل الإبقاء على خطوط التواصل مفتوحة مع السراي الحكومي. ويبدو الحزب أقل إنتقاداً لسلام منه لعون. ويحكى إن الحزب في صدد إطلاق "مسيرة استطلاعية" تحت قيادة النائب حسن فضل الله الى السراي قريباً. غير أن الحزب ما يزال ينتظر مواقف أكثر تقدماً، تتعلق خصوصاً بمستقبل مشاركة لبنان في المفاوضات المباشرة، أو بإعادة النظر في هذا المسار ككل.
في المقابل، يرى البعض أن كلام سلام جاء أيضاً في سياق التلاقي مع موقف الرئيس بري، الذي سارع إلى احتواء تداعيات السجال الذي خلّفه خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في ذكرى التحرير ودعوته إلى إسقاط الحكومة، خاصة أن بري لم يعفِه من الإنتقاد المباشر. يمكن أن تصنف حركة بري بالفعل المتفق عليه، لكنها أيضاً تظهر دلالات إلى وجود ما يستدعي القلق لديه، من استثمار اي كلام فى فتح جبهة انقسام داخلي وإعادة تأجيج التوتر السني – الشيعي، خصوصاً في ظل وجود النازحين في مناطق متداخلة مذهبياً.
كلام بري لاقاه الحزب، بدوره، بكثير من الإيجابية والجرأة. فذهب الى اجتماع ثنائي أول وثانٍ مع مسؤولين من الحركة، وصدر في أعقابه بيان يتجاوز ويلغي كلياً مفاعيل مواقف الشيخ قاسم الأخير، مع حرص الحزب على التأكيد أن بعض مواقف قاسم جرى تفسيرها بصورة لا تعكس المقصود منها.
هذه الإشارات لم تمر من دون انتباه في السراي الحكومي. واذ تبين للسراي عدم وجود رغبة شيعية في اسقاط الحكومة واستمرار سياسة "ربط النزاع" مع حزب الله، تقرأ مصادره بأن سلام "تخطى ما قيل في كلام قاسم". وبرسالة ذات دلالات، أكدت أن وزراء الحزب هم اكثر المتعاونين مع رئيس الحكومة رغم التباينات.
لا يمكن فصل كل ما يحدث عن المشهد الإقليمي الأوسع. فثمة دول عربية بدأت تنظر بقلق متزايد إلى التمدد الإسرائيلي في لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية، معتبرة أن الأمر لا يهدد هذه الساحات فقط، بل يهدد استقرار المنطقة ككل، وحيث تخرج خطط قديمة لاستيلاد كيانات ممزقة من رحم أخرى مفتتة. من هنا بدأت تظهر مقاربات عربية أكثر شمولية تدعم الذهاب إلى تفاهمات لبنانية داخلية. وثمة حديث يدور في الكواليس السياسية، سبق كلام سلام، أن بعض العواصم العربية باتت تشجع رئيس الحكومة على بناء مساحات مشتركة لاسيما مع الحزب، وتفكر في جدوى استمرار الدعم المطلق لخيار التفاوض.




