ليسَ ملفُّ المفاوضاتِ بينَ لُبنانَ وإسرائيلَ ملفًّا تقنيًّا محصورًا بترسيمِ الحدودِ، أو تثبيتِ وقفِ إطلاقِ النّارِ، أو معالجةِ نقاطٍ أمنيّةٍ عالقةٍ فحسب، بل هو ملفٌّ سياديٌّ ـ جيو-استراتيجيٌّ يتّصلُ مباشرةً بمستقبلِ لُبنانَ الكيانيِّ والدَّستوريِّ، وبموقعِهِ في الإقليمِ، وبكيفيةِ إعادةِ بناءِ مفهومِ الدَّولةِ فيهِ. لذلكَ، فإنَّ أيَّ مقاربةٍ لبنانيّةٍ جادّةٍ لهذا الملفِّ لا يُمكنُ أن تُختزلَ بردودِ الفعلِ، أو بالمقارباتِ الظرفيّةِ، أو بالشُّعبويّاتِ السّياسيّةِ والإيديولوجيّةِ، بل تقتضي بناءَ رؤيةٍ وطنيّةٍ شاملةٍ تنطلقُ من مفهومِ الأمنِ القوميِّ اللُّبنانيِّ ومن أولويّةِ حمايةِ الدَّولةِ والمجتمعِ معًا. في هذا السِّياقِ، تبرزُ الولاياتُ المتّحدةُ الأميركيّةُ بوصفِها الرّاعيَ الأساسيَّ لهذا المسار التفاوضيٍّ، ليسَ فقط بسببِ علاقتهاِ الاستراتيجيّةِ بإسرائيلَ، بل أيضًا لأنَّها الجهةُ الدُّوليّةُ الأكثرُ قدرةً على توفيرِ الضّماناتِ السّياسيّةِ والأمنيّةِ والاقتصاديّةِ المرتبطةِ بأيِّ تفاهماتٍ محتملةٍ. غيرَ أنَّ نجاحَ أيِّ رعايةٍ أميركيّةٍ، يبقى مرتبطًا أوّلًا بقدرةِ لُبنانَ على إنتاجِ رؤيةٍ سياديّةٍ داخليّةٍ موحّدةٍ، وثانيًا بامتلاكِهِ مشروعًا وطنيًّا يُعيدُ تعريفَ موقعِهِ الجيو-سياسيِّ، بعيدًا عن منطقِ ساحاتِ النُّفوذِ ومحاورِ الاشتباكِ الإقليميِّ.
إنَّ الخطأَ البنيويَّ الذي وقعَ فيهِ لُبنانُ تاريخيًّا، تمثّلَ في تعاطيهِ مع ملفاتِ الحربِ والسِّلمِ بوصفِها ملفاتٍ ظرفيّةً أو أمنيّةً معزولةً عن مشروعِ بناءِ الدَّولةِ. بينما الحقيقةُ أنَّ أيَّ تفاوضٍ مع إسرائيلَ، سواءٌ كانَ مباشرًا أو غيرَ مباشرٍ، لا يُمكنُ أن يُدارَ بمعزلٍ عن إعادةِ تأسيسِ مفهومِ السّيادةِ، وعن استعادةِ الدَّولةِ لقرارِها الاستراتيجيِّ الكاملِ. فالدُّولُ لا تُفاوضُ انطلاقًا من هشاشتِها، بل من قدرتِها على إنتاجِ توازناتِ قوّةٍ سياسيّةٍ ودبلوماسيّةٍ وقانونيّةٍ ومؤسّساتيّةٍ. من هنا، تقتضي المقاربةُ اللُّبنانيّةُ للمفاوضاتٍ اعتمادَ منهجيّةٍ مرحليّةٍ واضحةٍ، قائمةٍ على التّدرّجِ وعلى تقييمِ النتائجِ وفقَ معاييرَ دقيقةٍ قابلةٍ للقياسِ.
المرحلةُ الأولى يجبُ أن تكونَ مرحلةَ تثبيتِ السّيادةِ الدّاخليّةِ. وهذهِ المرحلةُ لا تبدأُ عندَ الحدودِ، بل داخلَ البنيةِ الوطنيّةِ نفسها. أيُّ تفاوضٍ فعليٍّ يحتاجُ إلى قرارٍ وطنيٍّ واحدٍ حولَ مفهومِ الحربِ والسِّلمِ، وإلى حصرِ قرارِ استخدامِ القوّةِ بالدَّولةِ اللُّبنانيّةِ وحدَها وفقًا للدُّستورِ والقوانينِ المرعيّةِ الإجراءِ، والقراراتِ الدُّوليّةِ ذاتِ الصّلةِ، ولا سيّما القرارات 1559 و 1680 و1701. كما تقتضي هذهِ المرحلةُ إعادةَ بناءِ الثّقةِ بينَ الدَّولةِ والمجتمعِ وبينَ لُبنانَ ومحيطِهِ العربيِّ والمجتمعِ الدُّوليِّ.أمّا معاييرُ تقييمِ هذهِ المرحلةِ فتشملُ قدرةَ المؤسّساتِ الدُّستوريّةِ على إنتاجِ قرارٍ سياديٍّ موحّدٍ، ومستوىَ ضبطِ الحدودِ، وحجمَ استعادةِ الثّقةِ الدُّوليّةِ بلبنانَ سياديّاً وسياسيًّا وماليًّا وأمنيًّا.
المرحلةُ الثّانيةُ هي مرحلةُ التّفاوضِ الأمنيِّ ـ التّقنيِّ. هنا ينبغي الفصلُ بينَ المساراتِ، فترسيمُ الحدودِ أو تثبيتُ آليّاتِ وقفِ إطلاقِ النّارِ أو معالجةُ النِّقاطِ المتنازعِ عليها يجبُ ألّا يتحوّلَ إلى مسارِ تطبيعٍ سياسيٍّ شاملٍ قبلَ نضوجِ الظُّروفِ الوطنيّةِ والإقليميّةِ والدُّوليّةِ. المطلوبُ مقاربةٌ براغماتيّةٌ تحمي المصالحَ اللُّبنانيّةَ، وتمنعُ انزلاقَ البلادِ إلى حروبٍ مفتوحةٍ، من دونِ السُّقوطِ في خطابِ الإنكارِ أو في خطاباتِ المزايداتِ العقيمةِ.في هذهِ المرحلةِ أيضًا، ينبغي أن يمتلكَ لُبنانُ فريقًا تفاوضيًّا متعدِّدَ الاختصاصاتِ، يضمُّ خبراتٍ في القانونِ الدُّوليِّ والأمنِ القوميِّ والدّبلوماسيّةِ والطّاقةِ والاقتصادِ والتّواصلِ الاستراتيجيِّ، لأنَّ المفاوضاتِ الحديثةَ لم تعدْ محصورةً بالعسكرِ أو بالسّياسيّينَ وحدَهم، بل أصبحتْ عمليّةَ إدارةِ مصالحَ ومواردَ وصورٍ ذهنيّةٍ أيضًا.أمّا معاييرُ تقييمِ هذهِ المرحلةِ فتشملُ تثبيتَ الاستقرارِ الحدوديِّ، ومنعَ الانزلاقِ إلى المواجهةِ،و حمايةَ الحقوقِ اللُّبنانيّةِ في البرِّ والبحرِ والجوّ، وتأمينَ بيئةٍ تسمحُ بإعادةِ تحريكِ الاقتصادِ والاستثمارِ.
المرحلةُ الثّالثةُ هي الأخطرُ والأعمقُ، لأنَّها تتعلّقُ بإعادةِ تعريفِ موقعِ لُبنانَ في الإقليمِ. وهنا تحديدًا يبرزُ مفهومُ الحيادِ الإيجابيِّ بوصفِهِ ضرورةً بنيويّةً لا ترفًا فكريًّا أو شعارًا سياسيًّا. فالحيادُ الإيجابيُّ ليسَ انسحابًا من القضايا العربيّةِ أو تجاهلًا للصِّراعاتِ الإقليميّةِ، بل هو إعادةُ تموضعٍ استراتيجيٍّ تجعلُ من لُبنانَ دولةَ استقرارٍ، وحوارٍ، ودبلوماسيّةٍ، ومصالحَ متوازنةٍ، بدلاً من أن يكونَ منصّةَ اشتباكٍ دائمٍ. إنَّ الحيادَ الإيجابيَّ في الحالةِ اللُّبنانيّةِ يرتبطُ بثلاثةِ شروطٍ تأسيسيّةٍ. أوّلُها تثبيتُ احتكارِ الدَّولةِ لاستخدامِ القوّةِ. ثانيها بناءُ سياسةٍ خارجيّةٍ قائمةٍ على المصلحةِ الوطنيّةِ العليا لا على الاصطفافاتِ العقائديّةِ. وثالثُها تطويرُ مفهومِ الأمنِ القوميِّ من مفهومٍ عسكريٍّ صرفٍ إلى مفهومٍ شاملٍ يدمجُ الاقتصادَ، والطّاقةَ، والدّبلوماسيّةَ، والثّقافةَ، والاغترابَ، والأمانَ الإنسانيَّ.
في هذا الإطارِ تحديدًا، تُطرحُ فكرةَ توقيعِ معاهدةِ دفاعٍ مع الولاياتِ المتّحدةِ الأميركيّةِ بوصفِها مدخلًا لحمايةِ الأمنِ القوميِّ اللُّبنانيِّ. غيرَ أنَّ هذا الملفَّ يحتاجُ إلى مقاربةٍ شديدةِ الدِّقّةِ، لأنَّ أيَّ معاهدةِ دفاعٍ لا يُمكنُ أن تُقاسَ فقط بمنطقِ الحمايةِ العسكريّةِ المباشرةِ، بل أيضًا بتداعياتِها الجيو-سياسيّةِ على موقعِ لُبنانَ وعلاقاتِهِ الإقليميّةِ والدُّوليّةِ. نظريًّا تُوفّرُ معاهدةُ دفاعٍ مع واشنطنَ مظلّةَ ردعٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ مهمّةً، وقد تُساهمُ في تعزيزِ قدراتِ الجيشِ اللُّبنانيِّ وفي حمايةِ الحدودِ وفي استعادةِ ثقةِ المجتمعِ الدُّوليِّ بالدَّولةِ اللُّبنانيّةِ. كما قد تُشكّلُ عنصرَ استقرارٍ في مرحلةِ الانتقالِ نحوَ تثبيتِ الحيادِ الإيجابيِّ.لكنَّ المخاطرَ المقابلةَ تبقى قائمةً أيضًا. فلبنانُ ليسَ دولةً منفصلةً عن محيطِها الجيو-سياسيِّ، وأيُّ تموضعٍ يجب أن يكون مدروساً بعناية. لذلكَ، فإنَّ أيَّ نقاشٍ حولَ معاهدةِ دفاعٍ يجبُ أن يكونَ جزءًا من استراتيجيّةِ أمنٍ قوميٍّ متكاملةٍ، لا ردَّ فعلٍ ظرفيًّا أو استجابةً آنيةً لتوازناتِ القوى.
الأساسُ ليسَ في توقيعِ معاهدةٍ بحدِّ ذاتِها على أهميّتها الهائلة، بل في قدرةِ لُبنانَ على بناءِ دولةٍ قادرةٍ على تحويلِ أيِّ شراكةٍ دوليّةٍ إلى عنصرِ دعمٍ لسيادتِها لا إلى بابٍ جديدٍ للارتهانِ أو الاصطفافِ.لذلكَ، يبدوُ أنَّ التحدّيَ الحقيقيَّ أمامَ لُبنانَ اليومَ ليسَ فقط كيفَ يُفاوضُ، بل كيفَ يُعيدُ تعريفَ نفسِهِ كدولةٍ طبيعيّةٍ في الإقليمِ والعالمِ. دولةٍ تمتلكُ قرارَها، تُديرُ مصالحَها، تحمي تعدّديّتَها، وتُنتجُ حيادَها الإيجابيَّ بوصفِهِ عقدًا وطنيًّا جديدًا بينَ الدَّولةِ والمجتمعِ.حينَها فقط، تتحوّلُ المفاوضاتُ من ملفٍّ أمنيٍّ هشٍّ إلى مسارِ تأسيسٍ استراتيجيٍّ لدولةِ المواطنةِ والسّيادةِ والاستقرارِ.




