يكاد الجدل في إسرائيل ينحسر حول الجهة التي تمسك بالقرار الأعلى في الحرب الجارية على لبنان، إسرائيل أم الولايات المتحدة. فقد تحول انتظار الموقف الأميركي إلى خبر عادي في الإعلام الإسرائيلي، بعدما بات واضحًا أن إسرائيل رسمت خطط توسيع عدوانها على لبنان، واستعدت لتنفيذها، وكانت تنتظر موافقة واشنطن التي يبدو أنها حصلت عليها اليوم. من هنا ينتقل السؤال المركزي من هوية صاحب القرار إلى طريقة توظيف الولايات المتحدة سلطتها في رسم ملامح المشهد اللبناني المقبل؟ فهي تريد إبقاء مسار المفاوضات قائمًا، وتمنح إسرائيل في الوقت نفسه حرية واسعة للعمل العسكري في جنوب لبنان.
يمكن القول إن الولايات المتحدة تتعامل مع لبنان وفق مستويين مختلفين؛ مستوى تقيّد فيه إسرائيل وتمنعها من استهدافه من دون موافقة مسبقة من واشنطن، ويتمثل تحديدًا في بيروت. ومستوى آخر تمنح فيه إسرائيل هامشًا واسعًا للعمل العسكري ويتمثل في جنوب لبنان.
وقد أكدت القناة 13 هذا التقدير بصورة غير مباشرة، إذ نقلت قبل يومين عن مسؤول أمني إسرائيلي احتمالية تصعيد العدوان على لبنان وتوسيع العملية، وسط مطالب إسرائيلية لإقناع الرئيس الأميركي بشمول الضربات الضاحية وبيروت. وفي السياق نفسه، قالت القناة 12 أمس إن نتنياهو أجرى اتصالًا هاتفيًا مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لإقناعه بالموافقة على توسيع العملية في لبنان. وكانت القناة نفسها قد ذكرت في وقت سابق أن واشنطن وجّهت رسالة مباشرة إلى إسرائيل مفادها "لا تهاجموا بيروت، لا نريد أن نرى مباني تسقط".
وتنسجم هذه الصورة مع قراءة عيران ليرمان - الباحث في معهد القدس للاستراتيجيا والأمن - الذي يرى أن واشنطن تضبط سقف الحرب أكثر مما تسعى إلى وقفها. فالإدارة الأميركية - وفق قراءته - تقبل استمرار استهداف حزب الله وبناه العسكرية واستنزاف قدراته، وتتيح لإسرائيل الاحتفاظ بمنطقة أمنية في الجنوب، مع إبقاء قرار توسيع النار نحو الضاحية أو البنى التحتية اللبنانية في يدها.
ويستند ليرمان في ذلك إلى أن رفض حزب الله مطلب الحكومة اللبنانية بنزع سلاحه، واستمراره في استهداف الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وإطلاق الصواريخ والمسيّرات، يمنح إسرائيل - من وجهة نظره - مبررًا لمواصلة العمل العسكري في الجنوب والبقاع تحت عنوان إحباط التهديدات أو الرد على حزب الله. إلا أن هذا المنطق يقف عند حدود بيروت والبنى الوطنية اللبنانية؛ حيث تخشى واشنطن أن يؤدي استهداف العاصمة إلى تعطيل المسار السياسي الذي تحاول إدارته بين إسرائيل ولبنان وإلى تعقيد مفاوضاتها مع إيران.
ومن الناحية التحليلية للمشهد، لا يعني ذلك أن واشنطن تغلق الباب كليًا أمام استهداف بيروت، فهامش الاغتيالات الدقيقة يبقى قائمًا عند توفر فرصة عملياتية محددة، لأنه يحقق مصلحة إسرائيل في تصفية قيادات أو كوادر مؤثرة، ويمنح الولايات المتحدة أداة ضغط إضافية على الحكومة اللبنانية في المفاوضات.
ضمن هذا الجدل، يبرز اتجاه إسرائيلي يطالب بتحرير القرار العسكري من القيود الأميركية. يمثّل مئير بن شبات - رئيس معهد مسغاف ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي سابقًا - هذا الاتجاه بوضوح، إذ ينظر إلى الساحة اللبنانية من زاوية ارتباطها المباشر بالملف الإيراني؛ فالاتفاق الضعيف مع طهران سيمنح إيران وحزب الله قدرة أكبر على ترميم قوتهما، خصوصًا إذا ترافق مع تفاهمات تحد من قدرة إسرائيل على ضرب الضاحية.
لهذا يدعو بن شبات إلى رفع القيود عن استهداف الضاحية، ويرى في ذلك مدخلًا ضروريًا لكسر معادلة المسيّرات التي يحاول حزب الله فرضها على إسرائيل. ومن هنا تظهر الفجوة بين الحسابين الأميركي والإسرائيلي، حيث تريد واشنطن إبقاء التصعيد تحت سقف يخدم التفاوض ولا يفتح حربًا واسعة، بينما تضغط إسرائيل لانتزاع هامش أوسع يسمح لها بإعادة بناء الردع الإقليمي.
الجنوب ومسار ترسيخ السيطرة
بات واضحًا أن إسرائيل تتجه إلى تثبيت سيطرة واسعة في جنوب لبنان، بوصفه منطقة عازلة يجري تفريغها تدريجيًا من سكانها. لذلك، تستمر عمليات القصف والتدمير في القرى والأحياء السكنية بما يشير إلى أن الانسحاب الإسرائيلي لا يظهر في الأفق حتى مع احتمال التوصل إلى اتفاق مع الحكومة اللبنانية. بهذا المعنى، يعيد المشهد اللبناني إنتاج جانب من تجربة غزة.
ويذهب الباحثان غابي سيبوني وإيرز وينر - من معهد القدس للاستراتيجيا والأمن – إلى ابعد من ذلك بقولهما أن الخط الأصفر لا يوفر حماية كافية لشمال إسرائيل، فقد أضعفت إسرائيل - في تقديرهما - جزءًا من قدرات حزب الله بعيدة المدى وقلّصت خطر الهجوم البري وتبقى مصادر التهديد الأقرب إلى مستوطنات الشمال قائمة وفي مقدمتها الصواريخ القصيرة وقذائف الهاون والعبوات والمسيّرات الموجّهة بالألياف البصرية. وتحتل هذه المسيّرات موقعًا مركزيًا في تحليلهما، نظرًا إلى كلفتها المنخفضة ودقتها وصعوبة كشفها وقدرتها على الحاق الخسائر في صفوف الجيش.
وبناءً على هذا التقدير، فإن الخط الحالي - في قراءتهما - طويل ولا يستند إلى تضاريس طبيعية ويترك الجيش الإسرائيلي مكشوفًا أمام الكمائن والعبوات والمسيّرات، كما لا يبعد مصادر النيران القصيرة مسافة كافية عن مستوطنات الشمال. لذلك، يمنح نهر الليطاني - وفق طرحهما - حاجزًا طبيعيًا وعمقًا أكبر وخط دفاع أقصر وزمن إنذار أطول ويدفع مصادر التهديد شمالًا.
كما لا تقف الحسابات الإسرائيلية عند إدارة الوقائع الجارية في جنوب لبنان، إذ تمتد إلى شكل الترتيبات المستقبلية التي ستنظم هذه الساحة بعد تراجع دور اليونيفيل أو انتهاء تفويضها. وفي هذا الإطار، يرى أساف أوريون - الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي - أن انتهاء تفويض القوة الدولية لا يشكل مصدر قلق لإسرائيل، لأن اليونيفيل، في تقديره، أخفقت طوال عقود في تنفيذ مهمتها الأساسية، أي مساعدة الجيش اللبناني على فرض احتكار الدولة للسلاح جنوب الليطاني ونزع سلاح حزب الله. وينتهي التفويض، بعد تمديده للمرة الأخيرة بموجب القرار 2790 لعام 2025 في 31 كانون الأول 2026، لتبدأ بعده مرحلة تقليص وجود القوة ومغادرتها خلال عام.
عدم الهزيمة انتصار
يرى المحلل العسكري في "يديعوت أحرنوت" رون بن يشاي أن إسرائيل لا تستطيع إنهاء تهديد حزب الله عبر تكرار النمط العسكري نفسه، من خلال اغتيال مزيد من عناصر الحزب وتدمير مبانٍ في الضاحية وهدم قرى جنوبية وضرب منشآت تحت الأرض؛ إذ أن هذه الضربات تحقق إنجازات تكتيكية وتلحق أذى بالحزب، لكنها لا تعالج المشكلة الاستراتيجية، لأن حزب الله يبني معادلته على "الانتصار عبر عدم الهزيمة"، أي البقاء قادرًا على إطلاق النار واستنزاف شمال إسرائيل.
ويفسر بن يشاي استمرار الحزب بثلاثة عوامل رئيسية: أولها العامل الأيديولوجي المرتبط بالدعم الإيراني والتعبئة الدينية والسياسية. وثانيها، العامل الاجتماعي المتصل بمكانة الحزب داخل الطائفة الشيعية. وثالثها، العامل الاقتصادي إذ بنت مؤسسات الحزب شبكة خدمات ورواتب ومساعدات جعلته جزءًا من البنية المعيشية للبيئة الشيعية خاصة في ظل الانهيار اللبناني.
ومن بين الخيارات التي يقترحها بن يشاي هو احتلال لبنان بما في ذلك البقاع وفرض حصار على بيروت؛ ويرى أن هذا المسار قد يسمح بتفكيك القدرات العسكرية الاستراتيجية لحزب الله ويفتح المجال أمام الدولة اللبنانية والجيش اللبناني لاستكمال المهمة. غير كلفته على إسرائيل ستكون كبيرة، حيث أن الجيش الإسرائيلي مرهق بعد أكثر من عامين من القتال، كما يعاني من نقص في القوى البشرية، وثمة حاجة إلى بقاء عسكري طويل في لبنان، ناهيك عن الضغوط الأميركية والأوروبية والعربية قبل تحقيق الأهداف.
وبدلًا من خيار الاحتلال الواسع، يقترح بن يشاي مسارًا آخر متعدد القنوات، يقوم على عمليات عسكرية مفاجئة وسريعة ومحدودة تدفع حزب الله بعيدًا عن الحدود والخط الأصفر، بالتزامن مع مفاوضات مباشرة مع الرئيس اللبناني جوزيف عون لنزع شرعية الحزب كـحامي لبنان.
لكن في المحصلة، لا تسعى واشنطن إلى إنهاء الحرب الإسرائيلية حاليًا في لبنان بقدر ما تعمل على ضبط مساراتها وتحديد ساحاتها. فهي تضع بيروت والبنى الوطنية اللبنانية ضمن حيز يحتاج أي استهداف له إلى موافقة أميركية، سواء ظهرت هذه الموافقة علنًا أو بقيت ضمن قنوات التنسيق المغلقة مع إسرائيل. ومع ذلك، تترك هامشًا محدودًا للاغتيالات الدقيق والاستهدافات؛ لأنها تمنح إسرائيل إنجازًا أمنيًا وتوفر للولايات المتحدة أداة ضغط في مسارها مع الحكومة اللبنانية. أما في الجنوب تختلف المعادلة؛ إذ تمنح واشنطن إسرائيل مساحة أوسع لمواصلة عملياتها العسكرية وترسيخ احتلالها ودفع السيطرة الميدانية تدريجيًا نحو واقع أكثر ثباتًا.




