صور والنبطية مدينتان مفتوحتان للجيش وحده: قارب النجاة الوحيد

نغم ربيعالأحد 2026/05/31
Image-1780213083.Jpeg
"نرى أن هناك قدرة على تحييد بيروت ومن هذا المنطلق، يمكن تطبيق الأمر نفسه في الجنوب، في مدن مثل صور (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

خرجت من صور والنبطية، في خضم القصف الإسرائيلي المتواصل على الجنوب والتقدم العسكري في محيط عدد من بلداته ومدنه، مبادرتان غير مألوفتين في البيئة الجنوبية، تدعوان إلى إعلان المدينتين "مفتوحتين" وتحت إشراف الدولة اللبنانية والجيش، بهدف تحييدهما عن الحرب وحماية سكانهما. وتكتسب هاتان المبادرتان أهمية خاصة لكونهما من أوائل الدعوات العلنية التي خرجت من داخل مناطق تقع في قلب المواجهة، للمطالبة بدور مباشر للدولة اللبنانية في إدارة الأمن المحلي وبسط سلطتها. وبينما يقدّم أصحابها هذه الدعوات بوصفها محاولة لحماية المدنيين ومنع المزيد من الدمار، قرأها آخرون باعتبارها اعتراضاً ضمنياً على واقع السيطرة القائم في الجنوب وضد "حزب الله"، ما فتح باباً واسعاً من الجدل حولها.

 

صور: تحييد المدينة لا مواجهة أحد

يقول أحد مؤسسي مبادرة "نداء صور"، حاتم حلاوي، لـ"المدن"، إن الفكرة لم تنطلق من أي خلفية سياسية، بل من الخوف على المدينة والتمسك بها. ويشرح أن صور "مدينة مدنية بامتياز ولا صفة عسكرية لها. ومن هذا المنطلق رأينا أن من حق أهلها أن يطالبوا الدولة اللبنانية بالتدخل لحمايتها، خصوصاً أن الجميع اليوم معرضون للحرب، والدولة هي الجهة الطبيعية التي يفترض أن تتولى حماية مواطنيها".

ويؤكد حلاوي أن أصحاب المبادرة تعمدوا صياغة بيان متوازن وحذر، بعيداً عن أي لغة تصادمية أو استفزازية. فالهدف، بحسب قوله، تحييد المدينة قدر الإمكان عن دائرة الاستهداف. ويضيف: "كنا نتمنى وقفاً شاملاً لإطلاق النار في كل الجنوب، لكن إذا كان ذلك غير متاح حالياً، فليكن هناك على الأقل مسعى لتحييد المدينة وحمايتها".

لكن المبادرة لم تمرّ بهدوء، إذ واجهت حملة انتقادات وتخوين تمحورت حول الدعوة إلى إعلان صور مدينة خالية من السلاح. ويقول حلاوي إن هذا الجدل انطلق من قراءة خاطئة للبيان، موضحاً أن أصحاب المبادرة لم يتحدثوا عن وجود سلاح داخل المدينة أصلاً، بل طالبوا بحضور واضح للدولة اللبنانية والجيش. ويضيف: "طلبنا أن تكون صور مفتوحة أمام الجيش اللبناني، وأن يتولى زمام الأمور فيها، وأن تحصل الدولة على ضمانات ضمن أي مسار تفاوضي بأن تبقى المدينة محيّدة إلى حين وقف إطلاق النار". وبحسب حلاوي، فإن ما استفزّ بعض المعترضين لم يكن مضمون المبادرة نفسه، بل إعادة طرح دور الدولة والجيش في المدينة، باعتبارهما الجهة الشرعية المسؤولة عن حماية السكان والتأكيد أن المدينة لا تضم أهدافاً عسكرية.

ورغم الجدل الذي أثارته المبادرة، يشير حلاوي إلى أن الإقبال على التوقيع فاق توقعات المنظمين، إذ جرى جمع أكثر من مئة توقيع خلال ساعات قليلة فقط.

 

صدمة الاستهداف

بالنسبة إلى كثيرين من أبناء صور، جاءت المبادرة نتيجة شعور متراكم بالخطر بعد الغارات الأخيرة التي طاولت المدينة. يقول ناجي أبو خليل، أحد أبناء المدينة، إن صور شهدت خلال الأيام الماضية ما لم تشهده حتى خلال أكثر مراحل الصراع قسوة. ويقول لـ"المدن": "صور عاشت مشاهد لم تعرفها في تاريخها الحديث. لم نرَ مثل هذا الحجم من الاستهداف لا في اجتياح 1978 ولا في حرب 1982 ولا حتى خلال حرب تموز 2006. لذلك شعر كثيرون بضرورة إطلاق موقف واضح يطالب الدولة اللبنانية باتخاذ خطوات لحماية المدينة أو تحييدها عن دائرة الاستهداف من خلال إعلانها مدينة خالية من السلاح من قبل الحكومة بعد نشر الجيش والقوى الامنية فيها".

ويعتبر أبو خليل، أحد مطلقي هذه المبادرة، أن المبادرة تعبّر أيضاً عن مزاج آخر في الجنوب، يتمثل في الرغبة بإنهاء الحرب والعودة إلى الاستقرار. ويضيف: "الموقعون على النداء ليسوا من خلفية سياسية واحدة، ولا يجمعهم موقف سياسي موحد، لكنهم يجتمعون حول فكرة أساسية هي حماية مدينتهم. هناك رغبة حقيقية لدى كثيرين في إنهاء هذه الحرب والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار".

 

حماية العودة قبل الإعمار

لا ترتبط أهمية المبادرة، بالنسبة إلى أصحابها، بما يجري اليوم فقط، بل بما سيأتي بعد الحرب أيضاً. فصور ليست مجرد مدينة ساحلية كبيرة، بل تشكل مركزاً صحياً وتعليمياً وخدماتياً أساسياً لعشرات آلاف الجنوبيين. لذلك يخشى كثيرون أن يؤدي استمرار استهدافها إلى تعقيد أي عملية عودة أو إعادة إعمار في المستقبل.

ويقول أبو خليل إن الحفاظ على المدينة اليوم هو شرط أساسي لتسهيل عودة السكان لاحقاً. "إذا تعرضت صور لتدمير واسع، فإن إعادة الإعمار ستكون أكثر صعوبة، وستفقد مناطق واسعة من الجنوب نقطة الارتكاز التي تحتاجها للعودة إلى الحياة الطبيعية".

ورغم إدراك أصحاب المبادرة للوقائع العسكرية والسياسية القائمة، فإنهم يرون أن فكرة تحييد المدن ليست مستحيلة بالكامل، خصوصاً أن المفاوضات والحروب كثيراً ما تفضي إلى ترتيبات خاصة تحمي بعض المدن أو المرافق الحيوية من الاستهداف. ومن هذا المنطلق، يزيد أبو خليل "نحن نرى أن الدبلوماسية لها حدودها، وهناك سوابق يمكن الاستناد إليها في ما يتعلق بتحييد المدن. لكن ضمن حدود واقعية موجودة ومفروضة علينا. ونرى أن هناك قدرة، عندما يتم التوصل إلى تفاهمات معيّنة، على تحييد بيروت وبناها التحتية، مثل المطار. ومن هذا المنطلق، يمكن تطبيق الأمر نفسه في الجنوب، في مدن مثل صور لأن حماية ما تبقى ليست مصلحة محلية فحسب، بل مصلحة لكل الجنوبيين.

 

النبطية: صرخة في مواجهة التدمير

حظي نداء صور بانتشار واسع على المجموعات المدنية ومنصات التواصل، وتداولته أوساط مختلفة داخل لبنان، ما دفع عدداً من الناشطين في النبطية إلى إطلاق نداء مماثل. وجاء ذلك في ظروف أكثر حساسية، مع اقتراب العمليات العسكرية من محيط المدينة وتصاعد المخاوف من تكرار مشاهد الدمار التي شهدتها بلدات جنوبية عديدة خلال الأشهر الماضية.

يعتبر الدكتور علي إبراهيم، أحد الموقعين على البيان، إن المبادرة تعبّر عن شريحة من أبناء الجنوب، بغض النظر عن حجمها. ويقول لـ"المدن": "قد نكون جزءاً كبيراً أو صغيراً من أبناء الجنوب، لكن من حقنا أن نفكر كما نقتنع وأن نعبّر عن رأينا بحرية. نحن نرى أن الجنوب يقف اليوم أمام عملية تدمير واسعة ينفذها العدو الإسرائيلي، وأمام صراع لا تبدو له نهاية واضحة".

ويضيف أن المطلوب هو تحويل المنطقة إلى مساحة مفتوحة تحت إشراف الجيش اللبناني، تمهيداً لانسحاب إسرائيل وبسط الدولة سلطتها الشرعية الكاملة، "من دون أي شراكة أو ازدواجية في القرار الأمني والعسكري".

وعن ردود الفعل، يؤكد إبراهيم أن المبادرة لاقت تجاوباً رغم الضغوط. ويقول: "كانت هناك استجابة جيدة ومقبولة، رغم أجواء التحريض والتخويف. هناك من لا يحب سماع رأي مختلف، لكن هذا لا يمنعنا من التعبير عن قناعاتنا".

ويشدد على أن مطلب الدولة ليس جديداً بالنسبة إلى أصحاب المبادرة. "منذ البداية كان مشروعنا الدولة القوية القادرة على حماية جميع مواطنيها. وحزب الله جزء من هذه الدولة، كما أن أبناء الطائفة الشيعية موجودون بقوة في مؤسساتها الأمنية والعسكرية. لذلك فإن المطالبة بالدولة ليست موقفاً مستجداً أو ظرفياً".

ويرى إبراهيم أن هذه الدعوات يمكن أن تشكل عنصر دعم للموقف اللبناني في أي مفاوضات مقبلة، لأنها تعزز فكرة الدولة بوصفها المرجعية الشرعية الوحيدة القادرة على حماية المدن الجنوبية وتراثها وسكانها. ويشير: "ما يجري اليوم هو مقتلة حقيقية. لا تطاول الناس فقط، بل البيوت والمباني والحجر والشجر والحيوانات والبيئة وكل مقومات الحياة".

أما الدكتور جمال بدران، أحد الموقعين على بيان النبطية، فيصف المبادرة بأنها "صرخة لحماية المدينة قبل فوات الأوان". يزيد: "وهو ليس موجهاً ضد حزب الله، بل هو نداء يرفعه مواطنون لبنانيون إلى دولتهم وإلى الرؤساء الثلاثة".

ويضيف أن الأولوية تبقى لوقف إطلاق النار. "فلتكن المفاوضات بالشكل الذي يريدونه، المهم أن يتوقف القتل والدمار. كما أن تحييد النبطية وحمايتها من خلال حضور الجيش اللبناني هو مطلب يصب في مصلحة الناس والمدينة".

بين صور والنبطية، لا تقدّم هذه المبادرات حلولاً للحرب ولا تغير موازين القوى القائمة، لكنها تكشف عن صوت جنوبي بدأ يخرج إلى العلن، صوت يطالب بحماية المدن والسكان، ويعيد طرح سؤال الدولة ودورها في واحدة من أكثر لحظات الجنوب قسوة منذ عقود.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث