لم ينتهِ الاجتماع الأمني اللبناني - الإسرائيلي إلى التوصل لوقف إطلاق النار الذي كان لبنان يأمل تحقيقه، لا استنادًا إلى الموقف الإسرائيلي الذي يصر على توسيع عدوانه، بل إلى المساعي الأميركية التي وعدت بلجم إسرائيل ووقف اعتداءاتها.
تؤكد مصادر لبنانية أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وعد، خلال اتصاله برئيس الجمهورية جوزاف عون، بالعمل على حثّ إسرائيل على وقف التصعيد، إلا أن وعوده لم تلقَ صدى لدى الجانب الإسرائيلي. وفي اجتماع الأمس، بدا واضحًا التباين بين ما يسعى إليه لبنان وما تريده إسرائيل. فقد أصرّ الوفد العسكري اللبناني على أن يكون وقف إطلاق النار منطلقًا لأي بحث، وعلى تعهّد إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية، فيما أصرّ الوفد الإسرائيلي على استمرار الاحتلال ورفض وقف إطلاق النار، مطالبًا بإقامة منطقة أمنية وباحتفاظ إسرائيل بمنطقة عازلة على الحدود مع لبنان.
فشل المجتمعون في التوصل إلى اتفاق، فيما اكتفى بيان البنتاغون بتثمين التواصل بين الطرفين، وتم ترحيل الملفات الخلافية إلى جولة التفاوض الرابعة المقررة في الثاني والثالث من حزيران، والتي سيرأسها السفير سيمون كرم الموجود في واشنطن، فيما عاد الوفد العسكري اللبناني بعد انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات من دون تحقيق أي اختراق. وتحدثت معلومات بأن الوفد العسكري التقى اليوم في واشنطن، رئيسَ الوفد اللبناني سيمون كرم والسفيرةَ اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، لوضعهما في صورة الاجتماع العسكري، وذلك قبيل عودته إلى بيروت.
نتائج الاجتماع كانت مدار بحث في قصر بعبدا خلال اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية جوزاف عون برئيس الحكومة نواف سلام، حيث جرى التأكيد على مواصلة الاتصالات لوقف التوغل الإسرائيلي وعمليات التدمير الممنهج في المدن الجنوبية. وقالت مصادر بعبدا إن الاجتماع بين الرئيسين شكّل جلسة تقييم للاجتماع الأمني، إذ رفضت إسرائيل وقف إطلاق النار وأصرّت على مواصلة التوغل، ما أدى إلى رفع الملفات العالقة إلى اجتماع اللجنة السياسية المقرر عقده في 2 و3 حزيران. وتحدثت مصادر سياسية عن صورة قاتمة، معتبرة أن إسرائيل لا تبدو في وارد وقف عدوانها، بل تتجه نحو مزيد من التصعيد، وأن الملفات العالقة رُحّلت بانتظار إعلان اتفاق إسلام آباد.
وبحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية فإنّ الرئيسين اتفقا على تكثيف الاتصالات لوضع حد لهذه الممارسات الإسرائيلية المدانة، وأجريا تقييما للاجتماع الذي عقد في واشنطن بين الوفود العسكرية اللبنانية والأميركية والإسرائيلية والمداولات التي جرت فيه، والتي أكد فيها الجانب اللبناني تمسكه بأولوية وقف إطلاق النار. وتناول البحث أيضا بين الرئيسين التحضيرات الجارية للجولة المقبلة من المفاوضات في 2 و3 حزيران المقبل. وتم خلال الاجتماع عرض الأوضاع الأمنية في البلاد والمتابعة اليومية لأوضاع النازحين قسراً من منازلهم وممتلكاتهم.
إسرائيل تسعى لفرض معادلة جديدة
إذاً، لا تقدّم في واشنطن، ولا أيّ وقفٍ لإطلاق النار استطاع لبنان انتزاعه. وبينما بقي عنصر المماطلة قائماً على حساب دماء الجنوبيين وتهجيرهم وخسارة ممتلكاتهم، وهو ما ينسحب أيضاً على سكان الضاحية والبقاع، يستمرّ الانتظار سيد الموقف لاستكمال مسار المفاوضات مع بداية الشهر المقبل.
وفي موازاة ذلك، لم تُفضِ "المحادثات البنّاءة" التي أشار إليها البنتاغون عقب انتهاء الاجتماع إلى أي نتائج ملموسة، بل أعقبتها موجة جديدة من التصعيد الإسرائيلي تجاوزت الخطوط الحمراء. إذ تسعى إسرائيل إلى توسيع نشاطها العسكري في الجنوب، عبر محاولة نقل نموذج غزة إلى جنوب لبنان بعد ما تعرّض له من تدميرٍ ممنهج وتهجيرٍ للسكان. كما تعمل على فرض معادلات جديدة وتحقيق مكاسب إضافية من خلال التمسّك بالمنطقة الصفراء.
وبحسب معلومات "المدن"، فإنّ المسار الحالي يؤكّد أنّ إسرائيل ليست في وارد وقف عملياتها العسكرية في لبنان، وهي لا تزال تتمسّك بمطلب نزع سلاح حزب الله، وهو أمر غير ممكن في المرحلة الحالية. في المقابل، يرفض لبنان أي مطلب إسرائيلي قبل التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النار، كما أنّ الجيش اللبناني لن ينفّذ أي خطة قبل وقف الحرب على لبنان.
ميدانياً، لا تهدأ الغارات الإسرائيلية. فقد طالت مناطق في البقاع الغربي، ولا سيما بلدة مشغرة التي شهدت غارات متواصلة وعنيفة. أمّا في الجنوب، فقد أمطرت إسرائيل البلدات والقرى بالصواريخ، ووجّهت إنذارات إلى عدد كبير من البلدات، فيما أفادت معلومات عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى.
كما تعرّض محيط قلعة الشقيف لغارات جوية وقصف مكثّف، ما دفع الجيش اللبناني إلى اتخاذ تدابير وقائية واحترازية مؤقتة تمثّلت بإخلاء نقطة الحاجز على الخردلي لبضع ساعات. وكانت مصادر قد تحدّثت في وقت سابق من اليوم عن تقدّم إسرائيلي باتجاه بلدة الغندورية، فيما نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية تفخيخ وتفجير في بلدة دبين بقضاء مرجعيون. كذلك شنّت مسيّرة إسرائيلية غارة على بلدة عبا، وأُفيد بوقوع إصابتين في قضاء النبطية، في حين أغار الطيران الحربي على بلدة حاريص في قضاء بنت جبيل، وشنّ غارات أخرى على خربة سلم في القضاء نفسه.
حزب الله: المواجهات مستمرة في قرى يحمر الشقيف
تقرأ مصادر حزب الله الواقع الميداني بأسلوب مختلف ينسحب على ما يدور في الميدان وليس في تقارير الوسائل الإعلامية والتي غالبا ما تستند إلى السرديات الإسرائيلية. وتعتبر مصادر الحزب في حديث مع "المدن" أنه "في الوقت الذي يقدّم فيه العدو الصهيوني عبور قواته إلى نهر الليطاني على أنه إنجاز ميداني نوعي، تكشف المعطيات الميدانية أن ما يحاول تصويره كإنجاز ليس سوى تقدم محدود تحقق بعد أشهر من القتال العنيف وسياسة الأرض المحروقة، ومن خلال أقصر المحاور وأكثرها قربًا من الحدود اللبنانية الفلسطينية، في ظل عجزه عن فرض الاستقرار أو تأمين قواته في المناطق التي دخلها".
بالنسبة إلى المصادر فإنّ "العدو اختار المكان الأضيق والأقرب إلى الحدود اللبنانية الفلسطينية للوصول إلى مجرى الليطاني، ويقدمه كإنجاز. والفاصلة الجغرافية بين الحدود الإسرائيلية التي انطلق منها العدو في منطقة إصبع الجليل وبين نهر الليطاني لا تتعدى 3 كلم، وبأنّ الأمر استغرق من الجيش الإسرائيلي ثلاثة أشهر لاحتلال نحو ثماني قرى لبنانية تقع ضمن محور التقدم الذي أوصله إلى مجرى نهر الليطاني".
وتؤكد المصادر أنّ "المواجهات العسكرية والعمليات مستمرة في قرى يحمر الشقيف، زوطر الشرقية، دبين ومحيط الغندورية حتى الساعة، وتعتبر المنطقة مسرح عمليات حيث يواصل العدو منذ الأمس وحتى اليوم شن عشرات الغارات الجوية وتركيز القصف المدفعي باتجاه هذه القرى. حيث لجأ إلى الاستفادة من جغرافية الأرض والتضاريس الصعبة لمحاولة الالتفاف حيث لم يتمكن من التقدم داخل القرى، وهذا ما جرى ليل أمس في يحمر الشقيف حيث التفت قواته من الجهة الجنوبية الشرقية للبلدة بهدف الوصول إلى محيط قلعة الشقيف وسط قصف جوي ومدفعي عنيف".
وتختتم بالتأكيد على أنّ "العدو لا زال يحاول التقدم في منطقة عمليات تبعد عن الحدود الفلسطينية ما بين 3 إلى 5 كلم. ووصوله إلى نهر الليطاني لم يمنع المقاومة من استهداف مستوطنات الجليل الأعلى بالصواريخ والمسيرات الانقضاضية وهذا يعد فشلاً لهدف العدو من الوصول إلى الليطاني".
جنبلاط: إسرائيل تطبق التدمير المنهجي للقرى
رغبة إسرائيل وأهدافها التوسعية في لبنان، ومسار المفاوضات، كانت أيضاً محور حديث الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي رأى أنّ "إسرائيل تطبق التدمير المنهجي للقرى اللبنانية وتهجير سكانها مثلما فعلته في غزة"، لافتاً إلى أنّه "لا يمكن تحميل حزب الله وحده مسؤولية الحروب لأن نوايا إسرائيل غير واضحة"، ومؤكداً أنّ "محاولة نزع سلاح حزب الله بالقوة قد تقود إلى حرب أهلية جديدة". جنبلاط وفي حديث لصحيفة "لوموند" الفرنسية أشار إلى أنّ "الدولة اللبنانية لا تملك هامشاً حقيقياً للمناورة في المفاوضات الجارية بواشنطن". وإذ قال جنبلاط إنّ "إسرائيل دمرت نحو 60 قرية بالكامل في جنوب لبنان"، اعتبر أنّ "إسرائيل رسمت خطاً أصفر قد يتوسع ليشمل أجزاء من حوران ومحافظة درعا السورية"، وبأنّ "حروب إسرائيل تهدف إلى تقويض النظام الإقليمي".
فياض: فاوض على انهزامه واستسلامه
على مستوى حزب الله، كان موقف لعضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي فياض الذي شدد على أن "القاعدة الثابتة التي يجب أن تظل حاضرة وواضحة للجميع، هي أن أي تواجد إسرائيلي على أرضنا، مهما تكن طبيعته أو شكله أو حجمه، هو احتلال يجب أن يقاوم ويواجه دون هوادة، حتى لو كان هناك اختلال في موازين القوى، لأن المقاومة في مرحلتها الراهنة، هي مقاومة دفاعية صرف، هدفها الدفاع وليس الردع، فالردع يمارس في مرحلة تكون الأرض فيها محررة، ولكنها الآن هي تمارس الدفاع عن النفس وعن الوجود والأرض والأهل، وهذه الوظيفة بديهية وطبيعية ويجب أن تكون خارج أي نقاش وأي انقسام وأي خلاف سياسي، وهذه الوظيفة مطلوبة أيضاً بل ضرورية حتى في إطار المنطق التفاوضي، لأن المفاوض الذي لا يملك عوامل قوة، ولا يستند إلى هذه العوامل، هو يفاوض على انهزامه واستسلامه ورضوخه لشروط العدو، وهنا مقتل المفاوض اللبناني الذي نزع الغطاء القانوني عن المقاومة وتخلى عنها ودخل في خصام معها، قبل التفاوض وأثناءه، ودون أن يتمكن بالمقابل من تحقيق أي مكتسبات مطلقاً".




