لن نسأل مع الراحلة أم كلثوم "يا فؤادي لا تسلْ أين الهوى"، وسنجيب عن حال تحريرنا بمثل ما أجابت: "كان صرحاً فهوى".
عام 2000، هو عام التحرير، تنحية مفردة سنة عن التاريخ، تقليد لما اعتادت عليه العرب من التأريخ لأحداثها الكبرى بمفردة عام. نضع جانباً جملة "عام الفيل"، بما تحمله من دلالة دينية، ونحتفظ بجملة عام انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية، وإنجاز تحرير الأرض واستعادة السيادة. لم يتقدم حدث على حدث التحرير، لذلك استحق جدارة الحلول في الذاكرة اللبنانية العامة، كعلامة فارقة في السيرة الوطنية الداخلية.
تقف الذاكرة اليوم مثلومة الخاطر، وتبحث أرض الجنوب عن حريَّة كانت لها ثم انتزعت منها، ويسأل من أطلق طلقة المواجهة الأولى ضد الاحتلال، لماذا حصل ما حصل، يسألُ ذاته، ويسأل الذي أطلق طلقة النصر الأخيرة، لماذا النكوص إلى مرحلة ما قبل ربع ساعة التحرير الأخير؟
الأسئلة مسؤولية وطنية، والإجابة عليها من مسؤولية الوطنيين، إذن لماذا كنّا؟ إذا كان ذلك هو السؤال الخاص بكل مقاتل غابر، ولماذا صرنا؟ إذا كان هذا السؤال الخاص بكل مقاتل مقيم. بين كنا وصرنا سيلٌ عَرِمٌ من إرادات وسياسات، ومن برامج وأساليب، ومن تضحيات وإهراق إعمار.
لماذا كنّا؟
لم تنبت المقاومة الوطنية اللبنانية عام 1982 من أرض يباب، بل كانت مسيرة شعبية نضالية، استمرت وراكمت قبل الاستقلال اللبناني وبعده، لذلك كان يوم السادس عشر من أيلول، واحداً من أيام كثيرة أطلقها الوطنيون اللبنانيون في مناسبات داخلية وقومية عديدة. إذن، ومن دون افتئات على اللغة، لقد "كنّا" كاستمرار وجودٍ له محطاته الشعبية الكبرى، و"كنّا" بعد حصار طويل للعاصمة بيروت التي دافع عن كرامتها الوطنيون الأوائل، طيلة شهور لامست "الثلاثة" إلاّ قليلاً.
لكن كيف كنّا؟ هذه هي تتمة المغزى الحقيقي لمن كانوا، فأولئك تجاوزوا الحرب الأهلية بنداء سياسي جامع، ونبذوا كل سلاح داخلي لا تكون وجهته قتال الاحتلال، ورفعوا شعار التحرير والتوحيد والديمقراطية، كثلاثية مترابطة متكاملة، فلكي يكون التحرير، يجب أن تكون وحدة اللبنانيين ضد عدوهم الخارجي، ولكي يكون التوحيد، يجب أن تكون الديمقراطية ممرّاً إجبارياً إلى بلوغه.
لقد نجح نداء 16 أيلول، نداء المقاومين الأوائل، فكان له الفوز بتحرير المساحات الأكبر والأوسع، من الأرض المحتلّة، لكن، هل كانت تلك خاتمة المطاف؟ الجواب ذو شقين: الأول: هي أن ما بعد الإنجاز التحريري الأول، بدأت مسيرةٌ معاكسة، تقهقر خلالها من كان له سبق التأسيس، والثاني، هو دخول فريق لبناني آخر إلى حلبة المسيرة، ومباشرة مسيرة تنامٍ مطرد باستمرار. كخلاصة عامّة: أفَلَتْ جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وآل ميراثها إلى المقاومة الإسلامية، التي أخذت بيد التحرير إلى مآله الأخير.
لماذا صرنا؟
الجواب عند من أطلقوا جبهة المقاومة الوطنية. هؤلاء كانوا من أحزاب تصدَّرها "الشيوعيون" اللبنانيون، ثم انضم من انضمَّ من باقي القوى الوطنية. لقد بدأ التمايز "الطفيف" بعيد وقت قصير، وقد ظهر ذلك في السياسات الداخلية، خاصة في المواقف المتعلقة بالتفاوض مع الاحتلال، وبالتواصل مع رئاسة الجمهورية، وبالاتصال بالنظام السوري. يجب القول الآن أن الموقف لم يكن واحداً في كل المراحل، وأن الميل إلى "الاستئثار" تدرَّج ليصل إلى بعض القول الذي جعل لجبهة المقاومة "قيادة"، وهذا مما ينفيه الواقع، لأنّ أطراف الجبهة لم ينتظموا داخل إطار، ولم يتصرفوا وفقاً لخطة مشتركة، بل كان لكل طرف اختياره وأسلوبه وقيادة عمله، نذكر هنا أن الالتزام الوحيد كان الحرص على أن يحمل الإعلان عن النشاط المقاوم العام، عنوان جبهة المقاومة الوطنية.
لقد بلغ نشاط الجبهة أوجّه معظم الثمانينيات من القرن الماضي، ثم دخل في سياقٍ تراجعي لسببين أساسيين اثنين: الأول، هو التضييق على قوى الجبهة التي حرصت على استقلال عملها، من قبل "النظام" السوري، والثاني، تمثل في حملة المطاردة والاعتقال والاغتيال التي نالت خاصة من عدد من القادة والمفكرين في الحزب الشيوعي اللبناني. جرى كل ذلك، في مواكبة دخول المقاومة الإسلامية على خط القتال، هذه المقاومة التي حظيت بالرعاية السورية – الإيرانية، والتي شكلت رأس الحربة لاحقاً في حصار المستقلين، تمهيداً للانفراد بالعمل المقاوم، وتسهيلاً لإلحاقه بتحالف مرجعيته السورية – الإيرانية.
بناءً على معادلة الحصار – الدعم، كانت النتيجة اضمحلال دور قوى مقاومة وطنية، وتعاظم دور قوى مقاومة إسلامية... وهذا مما توالت نتائجه السياسية على أرض الواقع، منذ مطلع التسعينيات الماضية، وحتى اللحظة السياسية الحالية، حيث تدير مقاومة الأمس قتالها، باستقلال عن جمع داخلها، وأحياناً في مواجهة سياسات هذا الجمع، الشعبية والرسمية، من دون خشية من مساءلة، ومن دون الالتفات إلى عواقب السياسة الخاصة، على الانتظام اللبناني العام.
ماذا عن الآن؟
حصدت القوى ما زرعته، الوطني من هذه القوى تخلّى تباعاً عن سياساته المدنية الشعبية، بعد أن اضمحلَّ دوره القتالي، والإسلامي من هذه القوى راكم عسكرياً وشعبيّاً، داخل توازنات النظام اللبناني وخارجه، حتى استحوذ على حق "الفيتو" على الشطر الأوسع من أداء النظام.
ماذا يعني ذلك؟ أو ما ترجمته؟ هذا يفيد أن حالة المقاومة الإسلامية لم تنبت بالأمس، مع حرب إسناد غزة، ولم يشتدّ ساعدها البارحة، مع حرب إسناد إيران، بل هي، وعلى غرار القوى الوطنية اللبنانية، راكمت خلال مسيرة امتدت من منتصف الثمانينيات مع حزب الله، وامتدت مع السيد موسى الصدر منذ إنشاء أفواج المقاومة اللبنانية، منتصف سبعينيات القرن الماضي.
أين الخلاف؟ تكراراً، وتجنّباً لكسر عنق التاريخ، الخلاف حول تقدير الموقف الواقعي للوضع اللبناني. لقد انتقد الوطنيون دورهم عندما حمّلوا لبنان فوق طاقته، ولن يتسامحوا مع المقاومة الإسلامية التي تحمّل لبنان ما يفيض عن قوة احتماله. إذن، يقع الافتراق عند تعيين المصلحة الوطنية اللبنانية، هذا هو الصواب، ولا يقع عند تعريف إسرائيل، التي كانت وما زالت عدوَّة للبنان، من مختلف المداخل، وبكل المقاييس.
والحال: لقد هوى صرح التحرير، بشهادة تمركز قوات الاحتلال في عشرات من القرى والبلدات الجنوبية، وبشهادة الاستباحة المفرطة التي تعتمدها هذه القوات، جوّاً وبحراً، على امتداد الجغرافيا اللبنانية.
هل من استدراك؟ أي هل من سلوك سياسي ميداني مختلف، يشترك الجمع في تنكّب مسؤولياته، وفي إدارة يوميّاته؟ الواقع لا يقفل على أجوبة واقعية موضوعية، لكن القوى هي من تقفل أبواب هذا الواقع، هل يلغي ذلك ضرورة وواجب المحاولة؟ لا بالتأكيد، إذن أي نداء يُطلقُ مجدَّداً؟ ومن هم المعنيون بالنداء؟
لو كان اليسار غير ما صار إليه من بقيَ من يساريين، لكان جديراً به أن يبادر إلى إطلاق نداء الإنقاذ، من موقعه ككتلة شعبية مختلطة عابرة للطوائف، ومن رؤيته الخاصة للمصلحة الوطنية الشاملة، وحول كيفية العمل من أجل تحقيقها.
لكن ومن واقع الحال اليوم، تشكّل المرجعيات الرسمية المصدر الأول لمخاطبة اللبنانيين، ولمصارحتهم بحقيقة الأمور، ولدعوتهم إلى القيام بخطوات عملية تدعم "الدولة" في مواجهة الظروف العامة العصيبة. من دون إطالة، على رئيس الجمهورية أن يواجه الخطاب الطائفي غير المنضبط، والخطاب الشعبوي اللامسؤول، بخطاب "الجمهورية" المسؤولة عن كل أطيافها. قوّة الخطاب الابتدائية من قوّة رمزيّة موقعه، وإسناده الأول، أو ترداد صداه وحمل معناه، يجب أن يأتي من موقعي رئاسة المجلس النيابي ورئاسة مجلس الوزراء... وعليه، على كل الهيئات الاقتصادية والأهلية وعلى الجمعيات المدنية، وعلى الأحزاب السياسية، أن تتلقف النداء وتحمله إلى الشارع، هذا الذي يهدّد الاحتقان فيه بأخطر العواقب.
من المعني بالنداء؟ في الداخل الشعب كله معني، وفي الخارج كل الدول، تلك التي تسمى صديقة، وتلك التي تسمّى رعاية. ما المطالب؟ من الداخل: ضبط الموقف في الجنوب والالتزام بوقف إطلاق النار، هذا للبناء على الموقف في الحوار مع الخارج، حسب ما هو وارد في مفكرة رئاسة الجمهورية.
من يساهم في ضبط الموقف؟ رئاسة مجلس النواب، وهذه مسؤوليتها تجمع الصفتين الأهلية والرسمية، إذ ليس مقبولاً الوقوف على باب الصمت، وترداد الحديث عن الثوابت، ثم السماح للميدان بأن يذهب بكل متحرك وثابت.
ما وضع حزب الله ضمن اللوحة هذه؟ ما زال مطلوباً ومتاحاً قيام "الأخ الأكبر" بالدور الذي أناطه به الحزب، وما زال ملحّاً وضرورياً صياغة تفاهمات إدارة الحوار في الداخل، وإدارة التفاوض مع الخارج، بأشكال متوافق على خطوطها العامة، بحيث تلعب كل "مرجعية" دورها، وبحيث تتحول كل الأوراق التفاوضية المطلوبة إلى أوراق قوّة تستند إليها المرجعية الوطنية اللبنانية الأولى. سياسة تكامل بين المؤسسات والمرجعيات، هي المطلوبة، وسياسات دعم كل الأطياف الشعبية، في ميدان الحركة، وليس في ميدان الانتظار، هي المنتظرة... هذا للتأكيد أن معركة الإنقاذ لا تدار فرديّاً من فوق، بل هي، في الحالة اللبنانية، تحتاج إلى كل "الطوابق".




