يمكن اعتبار شهر أيار/ مايو، بالنسبة للبنان واللبنانيين، بمثابة شهر المناسبات والعبر.
شهر المناسبات، إذا أردت الاستذكار وإعادة تشغيل وتفعيل الذاكرة الوطنية الجمعية. وشهر العبر، إذا أردت الاستفادة من هذا التذكر، ونقاشه وتقويمه والاستفادة منه، ومن دروسه.
ما من شعب، أو مجموعة أو كتلة اجتماعية، تعيش تجربة واحدة في بقعة جغرافية محددة، قادرة على التقدم إلى الأمام، وتطوير عيشها وتجربتها، إلا بعد استذكار الماضي والاستفادة منه ومن دروسه. وهذه الخاصية أو الميزة، يفترض أنها خاصية البشر والحضر بشكل عام، والشعوب والمجتمعات الحيوية خصوصاً، والواعية والمتقدمة الناهضة، القادرة على السير إلى الأمام.
ففي شهر أيار، تزدحم بالنسبة للبنانيين مناسبات وأحداث عدة مهمة.
في أيار/ مايو 1926، ولد الدستور اللبناني الأول، في ظل الانتداب الفرنسي، بعد أن كتبته وأعدته لجنة لبنانية نخبوية شكلها المنتدب، بعد أن أعلنت فرنسا قيام دولة لبنان الكبير 1920.
الدستور اللبناني، ليس أول الدساتير العربية الحديثة، لكنه من أقدمها، فقد سبقت تونس لبنان إلى ذلك، حيث كان أول دستور لها يتحدث عن ماهية النظام القائم، ويحدد الفصل بين السلطات، قد صدر في عهد محمد الصادق باي (1859- 1882) وبدأ العمل به يوم 26 نيسان/ أبريل 1861.
عُقد أول اتفاق بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، هو اتفاقية الهدنة، في 23 آذار عام 1949.
الاتفاق الثاني كان في 17 أيار 1983. حيث أعيد إلغاء هذا الاتفاق، بعد أن كان أقر من قبل الحكومة والبرلمان واندلعت إثر ذلك مواجهات داخلية عنيفة، أطلق عليها تسمية انتفاضة السادس من شباط 1984 أجبرت حكومة شفيق الوزان إلى إعادة إلغاء الاتفاق واعتباره كأنه لم يكن.
الجدير ذكره هنا، أن إسرائيل كانت قد امتنعت عن الالتزام بهذا الاتفاق، لأنها وقعت رسالة جانبية مع أميركا اشترطت فيها أن تنسحب سوريا من لبنان لكي تنفذه.
في السابع من أيار2008 أيضاً، قام حزب الله بتنفيذ غزوة مسلحة لبيروت ومناطق لبنانية أخرى، واجبر الحكومة برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة على أن تتراجع عن قرارين اتخذتهما آنذاك، بخصوص إلغاء شبكة الاتصالات السلكية الخاصة به، وإقالة عسكريين من مناصبهم الأمنية. حيث قتل مدنيون وجرح الكثير منهم وتم اقتحام مؤسسات إعلامية منها تلفزيون وجريدة المستقبل وإحراقهما. وقد اعتبر حزب الله ذاك اليوم الانقلابي الدموي المشؤوم باليوم المجيد!
في 25 أيار، من العام 2000 أيضاً، كانت إسرائيل قد قامت بالانسحاب من جنوب لبنان المحتل منذ العام 1978، تنفيذاً للقرار الدولي 425، الصادر عن مجلس الأمن. وفي هذا اليوم اعتبر في لبنان أنه من الأعياد الوطنية المهمة وسُمّي عيد المقاومة والتحرير.
مرد هذا الكلام، والاستذكار اليوم، هي الظروف الصعبة والمعقدة التي يعيشها لبنان راهناً، وعبور ذكرى هذه المناسبات في شهر أيار، هذه السنة، والذي أعاد إيقاظ الهواجس والكوابيس وتحريك الأحلام.
تميز لبنان عن غيره من الدول العربية، وخصوصاً في مناسبة الانسحاب الإسرائيلي في لبنان عام 2000، باعتباره أول بلد عربي منذ نكبة فلسطين، واندلاع الصراع العربي الإسرائيلي في العام 1943، الذي يتمكن من استرجاع أرضه المحتلة من إسرائيل، بنتيجة مقاومة شعبية، وعمليات ونشاط مقاومة مسلحة محلية.
طبعاً، سبقته في استرجاع الأرض دولة مصر، ولكن بعد حرب 1973 وعبور قناة السويس، وإسقاط خط تحصينات برليف، اتبعتها بمفاوضات واتفاقية سلام مع إسرائيل عرفت باتفاقية كامب ديفيد.
الذي جرى في لبنان، إثر تحرير العام 2000 المتميز، معروف، فقد لعبت الأطماع الإقليمية لسوريا وإيران دوراً في إعادة ربط لبنان واستمرار الأزمة والمشكلة فيه.
كان بإمكان تحويل هذا الخطوة اللبنانية المتقدمة عربياً آنذاك، إلى استثمار داخلي يستفيد منه لبنان المدمر أصلاً.
الوصاية الإقليمية لم تكن قادرة أو قابلة على استيعاب وتقبل احتمال أن يصبح لبنان مستقل القرار، ومتماسكاً بالحد الأدنى!
شكل نجاح نموذج المقاومة الشعبية المسلحة، التي مثلها حزب الله آنذاك، بعد أن ورث واستولى على تجربة "جمول"، إضافة إلى حسن تصرفه حينما دخل إلى قرى الشريط المحتل، إحراجاً لقوى كثيرة وخصوصاً نظام أل الأسد ونظام الملالي في إيران.
كانت سوريا، تمسك بقسم كبير ومهم من ورقة لبنان، عبر التحكم بإدارة ملف ما سمي يومها النموذج المتقدم والمقاومة الناجحة، التي حققت بفعل عملياتها وضغوطها العسكرية انسحاب إسرائيل. لم يكن يومها خافياً على أحد ذاك الانزعاج والإحراج لدى نظام آل الأسد، من نجاح لبنان من الإفلات من قبضة نظام البعث، الذي سرعان ما ظهر تبرمه من نجاح لبنان في هذا الإنجاز.
تمكن النظام الأمني اللبناني السوري من إعادة ابتكار حجة مزارع شبعا المحتلة، التي أعيد اكتشاف خرائطها اللبنانية، من أجل الاستمرار في تبرير أعمال المقاومة المسلحة لاسترجاع ما تبقى من أراض محتلة.
إيران بدورها رحبت في إيجاد المبررات لاستمرار استخدام أوراقها القوية وجماعتها الخلص في لبنان، عبر تجديد أدوار ربيبها الناجح في الجمهورية اللبنانية.
بطبيعة الحال، وكما يقال في العامية "كبر راس حزب الله" بعد نجاحه في التحرير الأول، وبدأ دوره ونفوذه بالانتفاخ والتضخم، وصولاً إلى شطب كل من اعتقد أو ظن أنه عقبة في وجهه ووجه تمدد واستمرار سيطرة إيران وسوريا. وكانت جريمة اغتيال رفيق الحريري هي التعبير الواضح عن تنامي دور الحزب ونفوذه.
كان اجتياح أميركا للعراق دافعاً كافياً للتوتر والاستنفار والتحرك لضرب الأعداء وشطبهم أو إلغاء من يُظن أنهم في المقلب الآخر.
بعد خروج جيش الأسد من لبنان، في العام 2005، إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تضخم وكبر دور حزب الله، وسط توهمه السيطرة وتعبئة الفراغ الذي ولده الانسحاب السوري.
كانت مبادرة إيران في تحريك حزب الله نحو اختراق الخط الأزرق في الجنوب، واختطاف جنود من الجيش الإسرائيلي، قمة في أنموذج التصرف براحة وتهور.
حقق حزب الله عام 2006 إرباك إسرائيل، ومنع جيشها من تحقيق أهدافه في لبنان. وهذا ما صور على أسس أنه انتصار مدو أعطي حجماً أكبر من حجمه. وأهمية أكبر من أهميته بكثير، بالرغم من الدمار الهائل الذي لحق بالجنوب والضاحية.
لو أن حزب الله لم يقع في فخ التوهم والتوهج، الذي قيل عن الانتصار الإلهي المضخم آنذاك، لأمكن نجاته من ورم التوهم القاتل، الخادع، بقرب إنهاء إسرائيل وعبور الحدود والذهاب للصلاة في القدس.
حين اندلعت الثورة السورية وشرارتها الأولى في درعا، كان بالإمكان مع قليل من العقلانية، الحرص على إخماد النيران من أولها، لكن وهم التسلط والغرور الذي يعمي القلوب والأنظار والبصيرة أفضى إلى نتائج عكسية.
احتسبت إيران، أن معركتها الفعلية للدفاع عن نظامها في طهران يكون في الدفاع عن دمشق وريفها وحلب وحمص وإدلب والمقامات المقدسة في سوريا! لهذه الأسباب تم إيكال المهمة الشاقة والمعقدة لحسن نصرالله وحزبه الناجح الذي صور نفسه أنه لا يقهر.
كان انتقال حزب الله للقتال في سوريا، بعلنية وأريحية وتماد كبير، هو الواقعة التي كشفت الحزب وماكينته وتركيبته العسكرية والتنظيمية، أمام المخابرات الإسرائيلية ومكنتها من معرفة أصغر تفاصيله التنظيمية واللوجستية وأدق علاقاته وشبكاته مع الحاضنة الشعبية.
خروج حزب الله عن طريق المقاومة الفعلي والأساسي لتحقيق الأهداف الوطنية، نتيجة عدم الاكتفاء بتحرير لبنان من الاحتلال عام 2000، وتحوله إلى أداة للاستثمار والتحكم في يد سوريا وإيران، هو الذي مهد الطريق للوقوع في النكبة الحالية التي يعيشها الجنوب والشيعة ولبنان معهم. وهي نكبة ما بعدها وأعمق وأفدح منها نكبة.
كان بالإمكان الاكتفاء بالتحرير الأول، وعدم الانجرار إلى وهم التحرير الأوسع وإعادة استجلاب واستدعاء الاحتلال المتوحش مجدداً، عبر الإسناد الأول والثاني. وتعريض أرض الأجداد للمسح، والتدمير للقرى والمدن والحواضر في جبل عامل. وكان بالإمكان الاكتفاء بالساحة اللبنانية وهمومها واهتماماتها الصغيرة والمملة، ولكان الحزب وفر على نفسه وبيئته ولبنان هذه الكارثة المتدحرجة الماحقة غير المسبوقة، لا الآن، ولا في أي وقت مضى.




