في الثالث والعشرين من أيار، أتمّ الدستور اللبناني مئويته الأولى. مئة عام مرّت على نصٍّ وُضع ليكون هيكلًا لجمهورية ناشئة، فإذ به يتحول إلى عقد "مساكنة إكراهية" يُجدَّد بالغنائم والدم والدموع. واليوم، والبلاد تنوء تحت ثقل تحلّل بنيوي غير مسبوق، لم يعد التساؤل ترفًا: هل ما زال النظام صالحًا لإعادة لَحْم دولة مفككة الأوصال؟ أم أن الاستمرار فيه هو الجريمة الكبرى بحق المستقبل؟
منذ تأسيس "لبنان الكبير"، عاش اللبنانيون داخل كيان لم ينجح يومًا في التحول الكامل إلى "دولة أمة" بالمعنى الحديث. وربما لهذا السبب بدت ملاحظة المؤرخ والمفكر كمال الصليبي شديدة الدقة حين وصف لبنان بأنه "بيت بمنازل كثيرة". فلبنان لم يكن يومًا مجتمعًا متجانسًا، بل مساحة تعايش وتسويات بين جماعات دينية وثقافية وسياسية مختلفة، لكل منها ذاكرتها الجماعية، وهواجسها، وامتداداتها الخارجية، وأحيانًا رؤيتها المختلفة لمعنى الوطن نفسه.
لكن ما كان يُدار سابقًا بعوامل خارجية أو داخلية صارمة -عثمانية، فرنسية، سورية، أو بفعل توازنات إقليمية قاسية-انكشفت هشاشته تدريجيًا كلما غابت الوصاية أو ضعفت القبضة الضابطة. وبعد اتفاق الطائف، وإثر الانسحاب السوري سنة 2005 تحديدًا، ظهر بوضوح أن الصيغة الجديدة لم تنتج دولة فعلية بقدر ما أنتجت نظام تعطيل متبادل بين المجموعات.
دولة بالتراضي
ولعل الجملة الأكثر تعبيرًا عن هذه الأزمة تكمن في واحدة من أجمل العبارات الواردة في مقدمة الدستور: "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". عبارة نبيلة أخلاقيًا وسياسيًا في ظاهرها، لأنها تهدف إلى حماية التوازن بين المكونات اللبنانية ومنع استفراد أي طرف بالسلطة، لكنها عمليًا تحولت، مع الوقت، إلى ما يشبه "المفتاح الدستوري" للتعطيل المؤسساتي. إذ صار بإمكان أي طرف وازنٍ طائفيّا أن يرفع شعار "الميثاقية" لتأجيل انتخاب رئيس للجمهورية، أو لتعطيل حكومة، أو إسقاط قرار، أو تجميد تعيينات، أو منع إصلاحات، بل وشلّ الدولة بالكامل.
وهكذا انتقل لبنان تدريجيًا من "الديمقراطية التوافقية" إلى ما يشبه "الفيتو الجماعي الدائم". كل طائفة تمتلك قدرة تعطيل، وكل قرار يحتاج إلى رضا الجميع، وكل تسوية تتحول إلى عملية اقتسام جديدة للكعكة. والنتيجة: دولة تتآكل ببطء؛ لا تحكم فعليًا، ولا تحاسب، ولا تقرر إلا تحت الضغط أو الانهيار أو التدخل الخارجي.
خطأ الطائف
لقد حاول اتفاق الطائف معالجة مشكلة تاريخية حقيقية تمثلت في اختلال التوازنات داخل النظام اللبناني، لكنه فعل ذلك عبر تفكيك مركز السلطة التنفيذية وتوزيعها على مجلس وزراء متعدد الأجنحة والانتماءات والفيتوات. فبدل أن يؤدي نقل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا إلى إنتاج "شراكة وطنية"، أدى عمليًا إلى ضياع المسؤولية وتفتيت القرار، وتحويل السلطة التنفيذية إلى صورة مصغرة عن الانقسام الطائفي نفسه.
وضاعت المحاسبة حين اختلط حابل "ثقة مجلس النواب" بنابل تكليف رئيس الحكومة والمهل والتوازنات والحصص والنِصاب والتفسيرات الهمايونية. فلم يعد أحد مسؤولًا عن الفشل لأن الجميع شركاء فيه. وهكذا أصبحت الدولة اللبنانية أشبه بمجلس إدارة لطوائف متنافسة أكثر منها سلطة سياسية موحدة.
لكن المشكلة اللبنانية لا تُختصر فقط في خللٍ دستوري أو إداري. فهناك معضلة أعمق تتعلق بوجود تنظيم لبناني مسلح يحتفظ بترسانة عسكرية خارجة عن الدولة، ويرتبط استراتيجيًا بمحور إقليمي تقوده طهران، ويملك قدرة فعلية على فرض موازين قوى داخلية وجر البلاد إلى حروب أو مواجهات كبرى بمعزل عن إرادة بقية اللبنانيين. وهنا تحديدًا تسقط أي إمكانية لقيام دولة طبيعية، لأن أي دستور في العالم يفترض احتكار الدولة وحدها للسلاح وقرار الحرب والسلم.
من هنا، لم يعد النقاش الحقيقي في لبنان يدور فقط حول "أي طائفة تأخذ أي صلاحية"، بل حول سؤال أكثر جوهرية: هل يمكن بناء دولة حديثة قابلة للحياة فوق هذا الكم من الانقسامات البنيوية؟ وهل توجد صيغة حكم تسمح في آن واحد بطمأنة الجماعات الطائفية، وضمان المواطنة الفردية، وإنتاج سلطة فاعلة غير مشلولة؟
العودة عن الخطأ
ربما لا توجد وصفة سحرية جاهزة، لكن الواضح أن النظام الحالي بلغ حدود عجزه القصوى. ولذلك، فإن أي محاولة جدية لإنقاذ الجمهورية لا بد أن تنطلق من إعادة التفكير الكامل بفلسفة الحكم نفسها، لا مجرد تعديل بعض المواد أو إعادة توزيع الحصص. ولعل المدخل الأكثر واقعية يتمثّل في البحث عن صيغة تجمع بين عنصرين متلازمين:
-
سلطة تنفيذية واضحة وقادرة على الحكم.
-
ضمانات دستورية حقيقية للمكونات اللبنانية (أفرادًا وجماعات) تمنع شعورها بالإلغاء أو الهيمنة.
من هنا، يمكن طرح فكرة الانتقال إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي مدني مضبوط بضمانات دستورية، لا باعتباره عودة إلى ما قبل الطائف، بل محاولة للخروج من شلل ما بعد الطائف. فالدولة لا تستطيع الاستمرار من دون مركز قرار واضح. والتجربة اللبنانية منذ 1990 أثبتت أن الحكم الجماعي داخل مجلس وزراء موزع طائفيًا يؤدي غالبًا إلى الشلل، أو التسويات الزبائنية، أو تقاسم النفوذ. لذلك يبدو وجود رأس تنفيذي واضح ومحاسَب شعبيًا شرطًا ضروريًا لأي دولة قابلة للحياة.
لكن أي نظام رئاسي في لبنان لا يمكن أن ينجح إذا قام على منطق الغلبة العددية أو إلغاء الهواجس الجماعية للطوائف. ولذلك، فإن الفكرة المطروحة للنقاش لا تقوم على نسخ أنظمة رئاسية كلاسيكية، بل على صيغة لبنانية تجمع بين فعالية الحكم والطمأنة الجماعية.
وفي هذا السياق، قد لا يتعارض مفهوم الدولة المدنية مع الإبقاء مثلا على موقع رئاسة الجمهورية للطائفة المسيحية، باعتباره عنصر طمأنة تاريخي في محيط إقليمي تقوم معظم دوله على تعريفات دينية أو مذهبية صريحة، من "الإسلام دين الدولة" في معظم الدول العربية، إلى "يهودية الدولة" في إسرائيل.
أما جوهر الدولة المدنية المقترحة، فيكمن في تكريس المواطنية الكاملة. أي مساواة اللبنانيين جميعًا أمام القانون، وخضوعهم للحقوق والواجبات نفسها بلا تمييز مذهبي، أو سياسي، أو مناطقي. فلا يمكن الحديث عن دولة حديثة فيما يبقى الفرد خاضعًا لطائفته في الأحوال الشخصية، أو بينما تُدار الوظائف والتعيينات والمحاكم بمنطق المحاصصة لا الكفاءة والمساواة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن القفز فوق الواقع التعددي اللبناني دفعة واحدة. لذلك قد يكون الحل الأكثر توازنًا هو حصر التمثيل الطائفي ضمن مؤسسة دستورية خاصة، كمجلس شيوخ أو هيئة ضامنة للمكونات، تتولى حصريًا القضايا المصيرية المرتبطة بالهوية الوطنية، والتوازنات الكبرى، وتعديل الدستور، والحرب والسلم.
أما الحياة السياسية اليومية، فيُفترض أن تنتقل تدريجيًا إلى مؤسسات مدنية طبيعية لا تُدار بمنطق الحصص الطائفية الدائمة. ومن هنا تأتي أهمية تحرير مجلس النواب من القيد الطائفي، بما يسمح بقيام أحزاب وتيارات سياسية عابرة للمذاهب، تقوم على البرامج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمصالح المشتركة، لا على العصبيات الوراثية والهويات المغلقة فحسب.
فالمواطنة لا تولد تلقائيًا بقرار نظري، بل بقانون انتخاب حديث، وقانون أحزاب عصري، ومجلس دستوري ومحاكم موحّدة وقضاء فاعل، وعدالة للجميع.
إلى جانب ذلك، تبدو اللامركزية الإدارية والمالية الواسعة ضرورة لا ترفًا. فهي تخفف الاحتقان عن السلطة المركزية، وتمنح المناطق قدرة أكبر على "التنفس"، وعلى إدارة شؤونها التنموية والخدماتية، وتحدّ من الهوس اللبناني التاريخي بالسيطرة على "الدولة المركزية" باعتبارها مصدر النفوذ الوحيد.
ثم هناك مبدأ آخر لا يبدو ممكنًا تجاهله بعد كل ما عاشه لبنان: الحياد الكامل تجاه صراعات المنطقة. فلبنان أثبت، بحجمه وتركيبته الهشة، أنه غير قادر على لعب دور "الساحة" أو "الجبهة" في نزاعات الشرق الأوسط. كل مرة تحول فيها إلى منصة لصراعات المحاور، دفع اللبنانيون الثمن حروبًا واحتلالات وانهيارات وهجرة جماعية. الحياد هنا لا يعني الانفصال الأخلاقي عن قضايا المنطقة، بل حماية الداخل اللبناني من التحول إلى أداة تستخدمها القوى الإقليمية والدولية عبر حلفائها المحليين. ويعني أيضًا وقف الاستقواء المزمن بالخارج، الذي رافق الحياة السياسية اللبنانية منذ ما قبل تأسيس الكيان.
لكن كل هذه الطروحات تبقى بلا معنى إذا لم تسبقها خطوة أساسية وحاسمة: نزع سلاح جميع الميليشيات، وبسط سلطة الدولة وحدها على كامل الأراضي اللبنانية.
هذه الأفكار ليست مشروعًا دستوريًا جاهزًا، ولا وصفة مضمونة النجاح، بل مجرّد مساهمة في النقاش حول كيفية انتشال الجمهورية من القعر الذي انحدرت إليه.
ولكن، ماذا لو فشلت كل هذه المحاولات؟
آخر دواء؟
ماذا لو ثبت أن اللبنانيين لم يعودوا يريدون العيش ضمن دولة واحدة بشروطٍ واحدة؟ عندها سيعود حتمًا طرح الانفصال إلى الواجهة، لا كفكرة رومانسية أو عدائية، بل كنتيجة لفشل طويل في بناء عقد اجتماعي قابل للحياة.
لكن حتى هذا الخيار، إن طُرح يومًا بجدية، لن يكون خلاصًا سهلًا. لأن الانفصال قد يريح الجماعات نظريًا، لكنه قد يترك الأفراد أكثر خضوعًا لسلطات الطوائف نفسها، داخل كيانات أكثر انغلاقًا وأقل تنوعًا.
ولهذا، ربما تبقى الفرصة الأخيرة للبنان هي الانتقال الشجاع من "دولة الطوائف" إلى "دولة المواطنين"، من دون القفز فوق المخاوف الجماعية، ولكن أيضًا من دون الاستمرار في تقديس نظام أثبت، مرة بعد مرة، أنه يتقن تعطيل الحكم أكثر بكثير مما يتقن ممارسته.




