نشرت "القناة 12 الإسرائيليّة" تقريرًا بعنوان "ما يصلح في غزّة سيشكّل كارثةً في لبنان"، تناولت فيه التحدّيات التي تواجه إسرائيل على جبهتَي غزّة ولبنان، فضلًا عن المواجهة الأوسع مع إيران.
وجاء في التقرير أنّ إسرائيل تقف اليوم أمام جبهتَين مركزيّتَين، هما قطاع غزّة ولبنان، في وقتٍ يتزايد فيه الإحباط من عدم انتهاء الحرب بحسمٍ كامل، رغم ما يعتبره الجيش الإسرائيلي إنجازاتٍ مهمّة تحقّقت خلال المواجهة.
وبحسب التقرير، فقد وجّه الجيش الإسرائيلي ضرباتٍ قاسية إلى حماس وحزب الله، ودفعهما إلى القتال من أجل البقاء، كما نجح في كسر الترابط الذي حاولا فرضه عبر استراتيجيّة "وحدة الساحات".
غير أنّ التقرير أشار إلى أنّ إسرائيل لا تزال تواجه تنظيمَين يمتلكان قوّةً عسكريّة، ويتحدّيان حدود السيادة في لبنان وغزّة على حدّ سواء، ما يطرح سؤالًا استراتيجيًّا عميقًا حول كيفية تحويل الضربة القاسية التي تلقّتها هذه التنظيمات إلى تسويةٍ مستقرّة تمنع إعادة بنائها.
احتمال العودة إلى الحرب
وفي ما يتعلّق بقطاع غزّة، رأى التقرير أنّ ظروفًا سياسيّةً أكثر ملاءمةً لإسرائيل بدأت بالتشكّل في الفترة الأخيرة، على الرغم من بقاء حماس.
وأشار إلى أنّ نيكولاي ملادينوف، مبعوث مجلس السلام، يحمّل منذ أسابيع حماس مسؤوليّة تعثّر إعادة إعمار القطاع بسبب رفضها نزع سلاحها، ويدعو المجتمع الدولي إلى ممارسة الضغط عليها، من دون أن يخفي شكوكه في إمكان تحقيق نزع السلاح من دون استخدام القوّة الإسرائيليّة.
ومن وجهة نظر إسرائيل، يشكّل تحميل مبعوثٍ دوليّ المسؤوليّة لحماس نقطة انطلاقٍ مريحة، بدأت تنعكس ميدانيًّا من خلال تفكّك القيود التي فُرضت على إسرائيل بعد وقف إطلاق النار تدريجيًّا، وتراجع المخاوف من تدويل السيطرة على القطاع.
ولفت التقرير إلى أنّ مخاوف إسرائيل الأخرى بدأت تتراجع أيضًا، ولا سيّما احتمال حصول قطر وتركيا على موطئ قدمٍ داخل القطاع، معتبرًا أنّ هذه التطوّرات تُظهر مجدّدًا أهمّيّة النظر إلى العمليّات السياسيّة ضمن سياقها الزمنيّ الصحيح.
وخَلُص التقرير، في ما يخصّ حماس، إلى أنّه لا يُتوقّع من سياسةٍ براغماتيّة أن تؤدّي إلى نزع سلاحٍ حقيقيّ، أو إلى تنازل حماس عن هيمنتها على القطاع. لذلك، يبقى احتمال اضطرار إسرائيل إلى العودة إلى الحرب في غزّة، "هذه المرّة من دون وجود رهائن يُستخدمون كدروعٍ بشريّة"، هو الاحتمال الأكثر ترجيحًا، بحسب التقرير.
لبنان: شريطٌ واسع بدل خطط احتلال الجليل
أمّا في ما يتعلّق بلبنان، فرأى التقرير أنّ خطط حزب الله بشأن احتلال الجليل استُبدلت بشريطٍ واسع بطول نحو عشرة كيلومترات، احتلّته إسرائيل على امتداد الجنوب اللبناني.
وبحسب التقرير، لا يمكن مقارنة هذا الشريط بما كان يُعرف سابقًا بـ"الحزام الأمنيّ"، الذي احتفظت به إسرائيل حتى أيّار 2000، إذ كانت مضطرّةً آنذاك إلى العمل وسط السكّان المحليّين، بكلّ ما يفرضه ذلك من قيود.
أمّا اليوم، فيعتبر التقرير أنّ المنطقة خاليةٌ تقريبًا من سكّانها الشيعة، وأنّ أجزاءً واسعةً من بلداتها دُمّرت بسبب البنية التحتيّة العسكريّة التي أقامها حزب الله فيها.
وفي الأيّام الأخيرة، كثّف الجيش الإسرائيلي ضغطه ووسّع سيطرته على المنطقة، فيما لا يقف حزب الله موقفًا سلبيًّا، كما تفعل حماس وفق توصيف التقرير، بل يدير قتالًا منظّمًا ومعقّدًا يفرض أثمانًا مؤلمة.
خياران إسرائيليّان في لبنان
ويرى التقرير أنّ إسرائيل تقف أمام خيارين رئيسيّين في لبنان. الأوّل هو تنفيذ عمليّةٍ شاملة للقضاء على حزب الله، كما تطالب بعض الأصوات في الخطاب الإسرائيليّ العام، غير أنّ التقرير يعتبر هذا الهدف غير واقعيّ، لأنّ كلفته ستكون هائلة من حيث أرواح الجنود والموارد والشرعيّة الدوليّة.
ويضيف التقرير أنّه لا يوجد أيّ ضمانٍ لهزيمة حزب الله، حتى لو احتلّت إسرائيل لبنان بالكامل، لأنّ الحزب ليس مجرّد تنظيمٍ عسكريّ، بل هو أيضًا حركةٌ جماهيريّة اجتماعيّة تحظى بدعم أغلبيّة الطائفة الشيعيّة في لبنان.
لكنّ التقرير يشدّد، في المقابل، على أنّ ذلك لا يعني أن تتخلّى إسرائيل عن شنّ عمليّةٍ عسكريّة واسعة وقويّة تضرب قدرات الحزب وبناه التحتيّة بعمق.
غير أنّ يد إسرائيل، وفق التقرير، مقيّدة حاليًّا بالقيود الأميركيّة المرتبطة بالمفاوضات مع إيران، ما يجعلها مضطرّةً، في الوقت الراهن، إلى اعتماد الخيار الثاني، أي مواصلة استنزاف حزب الله عبر الاغتيالات وضرب البنية التحتيّة، إلى جانب استغلال حالة التململ الناتجة من أزمة النازحين الكبيرة.
خلافٌ بين نتنياهو وسموتريتش
وتطرّق التقرير إلى خلافاتٍ داخل الإدارة الإسرائيليّة، معتبرًا أنّ الخلاف الذي اندلع قبل أيّام بين وزير الماليّة بتسلئيل سموتريتش ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يلامس جوهر المشكلة.
وبحسب التقرير، اقترح سموتريتش تدمير مبنى في مقابل كلّ طائرةٍ مسيّرة تستهدف القوّات الإسرائيليّة، فيما ردّ عليه نتنياهو بسخرية، متسائلًا عمّا إذا كان إطلاق 30 طائرةً مسيّرة يعني إسقاط 30 مبنى.
وفي بيانٍ آخر، وعد نتنياهو بأنّ المؤسّسة الأمنيّة تبحث عن حلولٍ لمواجهة تهديد المسيّرات، غير أنّ التقرير اعتبر أنّ ثمّة نقطتين مهنيّتَين ينبغي أخذهما في الحسبان، بعيدًا عن الحسابات السياسيّة.
معادلة الردّ غير المتكافئ
النقطة الأولى، وفق التقرير، أنّه في ظلّ غياب حلٍّ تكنولوجيّ فعّال لاعتراض المسيّرات الموجّهة بالألياف البصريّة، تبقى الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام إسرائيل لدفع حزب الله إلى إعادة حساباته هي خلق معادلةٍ غير متكافئة بين الهجوم والردّ.
ويرى التقرير أنّ القيود الأميركيّة التي تمنع إسرائيل من التحرّك في بيروت لا تمنعها، مثلًا، من تدمير مبانٍ تابعة لحزب الله في النبطيّة أو صور، معتبرًا أنّ عدد المباني المدمّرة ليس هو الأهمّ، بل أن تكون تكلفة هذه المعادلة غير المتكافئة واضحةً وثابتةً وفعّالة.
وفي هذا السياق، يرفض التقرير الادّعاء بأنّ تدمير المنازل لا يؤثّر في الشيعة أو الفلسطينيّين في غزّة، معتبرًا أنّ فقدان المنزل، وخصوصًا في ظلّ عجز حزب الله أو حماس عن تعويض المتضرّرين، يشكّل صدمةً قاسيةً ومستمرة.
سياسة هجوميّة
أمّا النقطة الثانية، فتتعلّق، بحسب التقرير، بضرورة تغيير الخطاب الإسرائيليّ بعد أعوامٍ طويلة من الاعتماد على الحلول التكنولوجيّة لمواجهة التهديدات الصاروخيّة والجويّة، وهي سياسةٌ يقول التقرير إنّها انهارت في هجوم السابع من تشرين الأوّل.
ويرى التقرير أنّ الوعود بإيجاد حلولٍ تكنولوجيّة تسمح باحتواء العدو يجب أن تُستبدل بسياسةٍ هجوميّة تستهدف جذور المشكلة.
ويؤكّد التقرير أنّ البحث عن حلولٍ دفاعيّة يبقى مهمًّا وضروريًّا، لكنّه لا يمكن أن يكون بديلًا من سياسةٍ هجوميّة ومبادِرة، خصوصًا عندما لا يملك الجنود والمدنيّون في الشمال ترف الانتظار إلى ما لا نهاية.
وبذلك، يعكس تقرير "القناة 12 الإسرائيليّة" نقاشًا داخليًّا متصاعدًا في إسرائيل حول حدود القوة في لبنان وغزّة، بين من يدعو إلى توسيع الضربات وفرض معادلات ردعٍ قاسية، ومن يحذّر من أنّ ما يمكن تطبيقه في غزّة قد يتحوّل إلى كارثةٍ مفتوحة في الساحة اللبنانيّة.




