في لحظة انطلاق المفاوضات العسكريّة اللبنانيّة – الإسرائيليّة في مبنى البنتاغون، بعد ظهر اليوم، يعيش الجنوب واحدًا من أيّام الحرب الأشدّ قسوة، إذ تُسابق آلة الحرب الإسرائيليّة عقارب الساعة، بجموح غير مسبوق، للسيطرة والقضم الميداني على طول القطاعين الشرقيّ والغربيّ. وتحولت العمليّات الإسرائيليّة إلى استراتيجيّة قضمٍ جغرافيّة، عسكريّة، منظّمة للسيطرة على المدن الكبرى، وكسر "الخطّ الأصفر" صعودًا نحو الشمال.
ويمكن اختصار خارطة التمدّد والتوغّل الميداني المتسارع في النقاط الآتية:
محور النبطية، حيث يتّخذ التقدّم الإسرائيلي مسارًا هندسيًّا باتجاه أرنون، والنبطيّة الفوقا، ويحمُر، ومحيط قلعة الشقيف. وهذا التوجّه يؤشّر إلى رغبة ميدانيّة في الوصول المباشر إلى منشآت ومواقع محصّنة تحت الأرض لتفجيرها وتدميرها فيزيائيًّا من قِبل قوّات المشاة والهندسة، بدل الاكتفاء بالإغارة الجويّة، وذلك بهدف توثيق إنجاز عسكري ملموس.
عقدة مرتفع علي الطاهر الاستراتيجيّة، إذ بات الاحتلال على مشارف هذا المرتفع الحسّاس المُشرف على النبطيّة، وإقليم التفاح، وأجزاء من مرجعيون، والذي تمنح السيطرة الناريّة عليه قدرة على المراقبة والتحكّم بالطرق الداخليّة، وإسقاط عقدة رصد تاريخيّة كانت كاشفة لمواقع الجليل الأعلى. والسيطرة على هذا المثلّث، أرنون، يحمُر، علي الطاهر، تعني عمليًّا عزل النبطيّة عن مرجعيون، وتفكيك الجغرافيا الجنوبيّة إلى مربّعات منفصلة.
اختراق القطاع الشرقيّ والساحل، إذ يمثّل دخول بلدة دبين في مرجعيون، بالتوازي مع التقدّم في الطيبة ودير سريان، محاولة واضحة لتوسيع العمق العملياتي وتثبيت نقاط ارتكاز تمنح الاحتلال هامش مناورة أوسع. أمّا على الساحل الغربيّ، فالتقدّم يتواصل للإطباق الكامل على مدينة صور وتطويقها من مختلف الاتّجاهات وصولًا إلى مشارف الزهراني.
القراءة السياسيّة لهذا الاندفاع العسكري العنيف، المقترن بتأكيدات بنيامين نتنياهو اليوم من الحدود بأنّ "ضرب حزب الله سيتواصل بشدّة"، تكشف عن الخبث التفاوضي الإسرائيلي: صناعة الخيارات السياسيّة فوق الطاولة عبر هندستها بالنار والبارود تحتها.
وتتحرّك تل أبيب بناءً على ديناميّة واضحة. فبينما جلس العسكريّون في البنتاغون لترتيب الآليّات التقنيّة، تحاول إسرائيل، بأقصى سرعة ممكنة، فرض وقائع جغرافيّة جديدة لتكون بمثابة "ممرّات إلزاميّة" لا يمكن الالتفاف عليها عندما ينطلق المسار السياسي الأخطر في وزارة الخارجيّة الأميركيّة يومَي 2 و3 حزيران المقبل. ويوضح تمسّك واشنطن بهذا الموعد، ورفضها الرغبة الإسرائيليّة بتأجيله، أنّ الجانب الأميركي يريد وضع حدّ زمني للمواجهة، وهو ما دفع إسرائيل إلى تكثيف وتيرة القضم البرّي لإنهاء مهامّها الجغرافيّة على عجل.
في المقابل، يتجلّى الارتباك اللبناني الرسمي في أبهى صوره، إذ يجلس المفاوض اللبناني إلى الطاولة في وضعيّة المُحاصر بكلّ المعاني السياسيّة والعسكريّة. وهذا الحصار ليس ناتجًا فقط عن غياب التكافؤ الميداني مع إسرائيل، بل عن العجز الداخلي البنيوي، بسبب عدم القدرة على حلحلة ملفّ السلاح الذي يرفض حزب الله تقديمه إلى الدولة. وهذا الواقع يحرم الوفد اللبناني من الورقة الوحيدة التي كان يمكنه استخدامها للضغط من خلال واشنطن، كدعامة لطلب وقف النار ولجم دبابات إسرائيل ومقاتلاتها ومسيّراتها وجرافاتها.
واشنطن بين التهدئة وإدارة شروطها
ليست مفاوضات البنتاغون، في شكلها الراهن، مجرّد اجتماع عسكري تقني. إنّها الإطار الأوّل لمحاولة تحويل الانفجار الميداني إلى مسار مضبوط سياسيًّا. لكنّ المفارقة أنّ إسرائيل لا تدخل هذا المسار بصفتها طرفًا يبحث عن تهدئة متوازنة، بل بصفتها قوّة تريد تحويل كلّ مترٍ تتقدّم فيه إلى بند تفاوضي لاحق. لذلك، فإنّ توسيع الغارات والتوغّلات ليس خروجًا على التفاوض، بل هو، في العقل الإسرائيلي، جزء من التفاوض نفسه.
وعشيّة الحديث عن قرب الإعلان عن تفاهم إيراني، أميركي، ومع إصرار إسرائيل على فصل مسار لبنان عن إيران، يتّضح أنّ تل أبيب تخشى أن تُدرج الساحة اللبنانيّة ضمن سلّة تهدئة أوسع تُقيّد يدها. ولهذا تضغط على واشنطن لضمان ما تسمّيه "حرّيّة العمل" ضدّ حزب الله ضمن أيّ ترتيب إقليمي. هنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة، فإسرائيل لا تريد وقفًا للنار ينتج توازنًا، بل تريد وقفًا للنار يأتي بعد تثبيت نتائج عسكريّة تجعل أيّ اتفاق لاحق أقرب إلى تصديق سياسي على واقع ميداني مفروض.
نتنياهو يرفع السقف: الحرب بوصفها لغة تفاوض
تصريحات بنيامين نتنياهو من الحدود، حين قال إنّ القوّات الإسرائيليّة "عبرت نهر الليطاني وسيطرت على التلال"، لا يمكن فصلها عن الرسالة الموجّهة إلى واشنطن وبيروت معًا. فالرجل لا يكتفي بالإعلان عن تقدّم عسكري، بل يحاول تكريس صورة أنّ إسرائيل تجاوزت الخطوط التي كان يُفترض أن تكون سقفًا للعمل العسكري. قوله إنّ إسرائيل تعمل في بيروت والبقاع والجنوب "من دون توقّف" يعني أنّ تل أبيب تريد نزع أيّ تمييز بين جبهة وأخرى، وبين منطقة تماسّ ومنطقة عمق.
أمّا رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، فكان أكثر وضوحًا حين قال إنّ "الخطّ الأصفر لا يقيّدنا". هذه العبارة وحدها تختصر انتقال إسرائيل من منطق الردع الحدودي إلى منطق إعادة رسم المجال الأمني بالقوّة. فالخطّ الأصفر، في الوعي العسكري والسياسي، لم يعد حدًّا عملياتيًّا، بل تحوّل إلى خطّ قابل للكسر متى رأت تل أبيب أنّ كسره يُحسّن موقعها التفاوضي.
القضم بدل الاجتياح: هندسة حرب طويلة
لا تبدو إسرائيل، حتّى الآن، ذاهبة إلى اجتياح كلاسيكي واسع على طريقة عام 1982. هي تعتمد صيغة أخطر في بعض جوانبها: التقدّم البطيء، المتعدّد المحاور، والمدعوم بتدمير منهجي يجعل العودة إلى القرى شبه مستحيلة. كلّ قرية تدخلها القوّات الإسرائيليّة تتحوّل إلى نقطة نار، وكلّ مرتفع تقترب منه يصبح أداة مراقبة، وكلّ إنذار إخلاء يُستخدم كسلاح نفسي واجتماعي قبل أن يكون تمهيدًا عسكريًّا.
في محور النبطيّة، تبدو الحركة الإسرائيليّة مصمّمة بعناية. التقدّم نحو أرنون، ويحمُر، والنبطيّة الفوقا، ومحيط الشقيف، لا يعني فقط الاقتراب من مدينة مدمّرة أصلًا، بل يعني محاولة الإمساك بعُقد الطرق التي تربط النبطيّة بمرجعيون وإقليم التفاح. وإذا أضيف إلى ذلك الاقتراب من مرتفع علي الطاهر، تصبح الصورة أوضح: إسرائيل لا تبحث عن اختراق عابر، بل عن تفكيك التواصل الجغرافي الجنوبي، وتحويله إلى جزرٍ ناريّة متقطّعة.
ثلاث رسائل في ميدان واحد
يمثّل مرتفع علي الطاهر عقدة ميدانيّة لا تقلّ أهمّيّة عن أيّ مدينة. السيطرة الناريّة عليه تمنح الاحتلال قدرة على كشف مساحات واسعة، وتقييد حركة الطرق الداخليّة، وإسقاط موقع طالما شكّل نقطة رصد حسّاسة. لذلك، فإنّ الاقتراب منه ليس تفصيلًا عسكريًّا، بل محاولة لضرب ذاكرة ميدانيّة كاملة كانت تمنح المقاومة أفضلية مراقبة في جزءٍ واسع من القطاع الشرقي.
أمّا دخول دبين في قضاء مرجعيون، بالتوازي مع التقدّم في الطيبة ودير سريان، فيعبّر عن رغبة إسرائيليّة في توسيع العمق العملياتي شرقًا، وعدم إبقاء المعركة محصورة في القرى الحدوديّة التقليديّة. الهدف هنا مزدوج: إرهاق المقاومة عبر توزيع قدراتها على جبهات أوسع، وخلق نقاط ارتكاز يمكن استخدامها لاحقًا في أيّ تفاوض أمني.
في المقابل، يشكّل طلب إخلاء مدينة صور وما حولها من قرى الساحل، مثل الصرفند والبيساريّة، تطوّرًا سياسيًّا بقدر ما هو عسكري. فصور ليست مدينة عاديّة في الجغرافيا الجنوبيّة، بل مركز ثقل شيعي وشعبي وسياسي، وواحدة من البيئات الأكثر ارتباطًا بحركة أمل ورئيس مجلس النواب نبيه برّي. إدخال صور في دائرة التهديد يعني أنّ إسرائيل تريد نقل الضغط من الأطراف إلى المراكز، ومن الحدود إلى الرموز، ومن حزب الله وحده إلى البيئة السياسيّة والاجتماعيّة الأوسع.
بيروت تفاوض تحت النار
في بيروت، يبدو الموقف الرسمي محكومًا بمعادلة صعبة: طلب وقف إطلاق النار بوصفه مدخلًا لأيّ بحث، من دون امتلاك أوراق ضغط كافية لفرضه. اتصال وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو برئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون عكس اهتمامًا أميركيًّا بضبط المسار، لكنّه لم يبدّد حقيقة أنّ القرار الميداني لا يزال في يد النار الإسرائيليّة.
تأكيد عون أنّ وقف النار هو "المدخل الأساسي" لأيّ خطوة لاحقة يضع الإصبع على الجرح. فلا تفاوض سياسيًّا جدّيًّا تحت وطأة الدبابات، ولا إمكان لمعالجة ملفّات الحدود والسيادة والأسرى فيما المدن تُهدّد والقرى تُمحى. لكنّ المشكلة أنّ لبنان يدخل التفاوض من موقع الضرورة، بينما تدخل إسرائيل من موقع الاستثمار. هذا الفارق هو جوهر الخلل في اللحظة الراهنة.
ويزيد المأزق تعقيدًا أنّ ملفّ سلاح حزب الله، الذي تريده واشنطن وتل أبيب عنوانًا مركزيًّا لأيّ ترتيب، لا يزال خارج قدرة الدولة اللبنانيّة على الحسم. وبذلك يجد الوفد اللبناني نفسه بين ضغط إسرائيلي يريد ترجمة القوّة إلى شروط، وضغط أميركي يريد ترتيبًا طويل الأمد، وواقع داخلي يمنع الدولة من تقديم صيغة سياديّة مقنعة ونافذة.
الرهان الإسرائيلي على الوقت
محاولة نتنياهو تأجيل المفاوضات السياسيّة، وتمسّك واشنطن بموعد يومَي 2 و3 حزيران، يكشفان أنّ عامل الوقت بات جزءًا من المعركة. إسرائيل تريد أيّامًا إضافيّة لإنجاز ما تسمّيه أهدافًا عملياتيّة، وواشنطن تريد منع الحرب من التحوّل إلى نزفٍ مفتوح يصعب احتواؤه. من هنا جاءت توصيات الجيش الإسرائيلي بتكثيف الغارات وتوسيع العمليّات البرّيّة، لا بوصفها نزوة عسكريّة، بل كسباقٍ مع الضغط الأميركي المحتمل.
بكلام أوضح، إسرائيل تخشى أن تصل إلى طاولة التفاوض قبل أن تنهي خرائطها الميدانيّة. لذلك تُسرّع القضم، وتوسّع الإنذارات، وتضغط على المدن، وتضرب في العمق. وهي تفعل ذلك تحت عنوان إزالة تهديد حزب الله، لكنّ النتيجة العمليّة هي فرض جغرافيا تفاوضيّة جديدة على لبنان.
جنوبٌ يُعاد تشكيله بالقوّة
ما يجري في الجنوب هو تحوّل في طبيعة المواجهة من اشتباك حدودي إلى محاولة إعادة تشكيل الجنوب نفسه، أمنيًّا، عمرانيًّا، وسكانيًّا. القرى التي دُمّرت لم تعد مجرّد ساحات قتال، بل صارت جزءًا من سياسة تهجيريّة طويلة الأمد، هدفها خلق منطقة غير قابلة للحياة، ودفع الأهالي إلى الخروج من المعادلة الجغرافيّة.
في المقابل، يراهن حزب الله على أنّ استمرار القتال يمنحه شرعيّة مقاومة إضافيّة، ويكشف، في نظره، حجم المطامع الإسرائيليّة. لكنّ هذا الرهان يصطدم بكلفة هائلة يدفعها الجنوب، وبواقع أنّ إسرائيل باتت تستخدم كلّ ردّ وكلّ مسيّرة وكلّ صاروخ لتبرير توسيع الحرب، لا لإنهائها.
الخلاصة أنّ إسرائيل لا تفاوض لتوقف الحرب فقط، بل تحارب لتصنع تفاوضًا بشروطها. ولبنان، المحاصر بالنار وبانقسامه الداخلي، لا يملك ترف انتظار اتّضاح الصورة. فإمّا أن يتحوّل الضغط الأميركي إلى وقف نار فعليّ يسبق البحث في الملفات الكبرى، وإمّا أن تتحوّل طاولة واشنطن إلى مكانٍ تُترجم فيه وقائع الدبابات، لا حقوق الدولة اللبنانيّة.




