اجتماع البنتاغون: العسكر يفاوضون بما يعجز عنه السّاسة

بتول يزبكالجمعة 2026/05/29
Image-1779996038.Jpg
المشكلة أن الطاولة العسكرية ضيقة، بينما الحرب واسعة. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست المفاوضات العسكريّة نسخة مصغّرة عن المفاوضات السّياسيّة. الفارق بينهما ليس شكليًّا، بل جوهريّ. الوفد العسكري لا يذهب إلى الطاولة ليصوغ سلامًا، ولا ليعقد تسوية كبرى، ولا ليقدّم تنازلات سياسيّة. يذهب وفي يده خرائط، مهام، وقائع ميدانيّة، قواعد اشتباك، وجدول إجراءات. أمّا الوفد السّياسي، فيذهب وفي يده التزامات، أثمان، ضمانات، وموقع الدولة في ميزان الإقليم.

من هنا تكتسب مفاوضات البنتاغون معناها الحقيقي. فالاجتماع الأمنيّ بين الوفدين العسكريّين اللبناني والإسرائيلي، برعاية أميركيّة، لا يمكن تحميله أكثر ممّا يحتمل. هو اجتماع تقنيّ وأمنيّ، لا اتفاق سلام. هو محاولة لضبط النّار، لا لصناعة سلام شامل. لكنّ خطورته أنّه ينعقد تحت ضغط الميدان، وفي لحظة تحاول فيها إسرائيل تحويل التقدّم العسكريّ إلى رأسمال تفاوضيّ.

 

ما يحمله الجيش اللّبنانيّ

علمت "المدن" أنَّ المؤسّسة العسكريّة تتوجّه إلى الاجتماع وهي تحمل خطّة العمل التي كانت تطبّقها في الجنوب. لن يذهب الجيش بوصفه طرفًا سياسيًّا، ولا بوصفه وسيطًا بين القوى الداخليّة. سيعرض مهامه، خطّته، ما أنجزه، وما ينوي القيام به في المرحلة المقبلة. وهذا تفصيل أساسيّ.

لن يقبل الجيش، بحسب هذه المعلومات، أن يشاركه أحد في آرائه أو قراراته، ولن يقبل تلقّي التعليمات من أي جهة. منطق المؤسّسة هنا واضح: لا يوجد ما يُسمّى تنسيقًا عسكريًّا لبنانيًّا، إسرائيليًّا. الموجود هو دور محدّد للجيش اللبناني، ضمن مهمّة بسط سيادة الدولة، وتأكيد حصريّة السّلاح بيدها، وتنفيذ ما تفرضه مقتضيات الأمن الوطني.

هذا هو مضمون التفاوض العسكري. بند أوّل: تثبيت الهدنة. بند ثانٍ: وقف الخروقات. بند ثالث: منع توسيع الضربات. بند رابع: تحديد مناطق الانتشار، والمسؤوليّات، وآليّات المتابعة. أمّا مصير السّلاح، وشكل السلام، والعلاقة بين لبنان وإسرائيل، وموقع حزب الله، فهذه عناوين سياسيّة أكبر من طاولة عسكريّة.

 

إسرائيل تفاوض بالنّار

قبل أقلّ من 48 ساعة على الاجتماع، كثّفت إسرائيل ضرباتها في الجنوب والبقاع، ووسّعت إنذارات الإخلاء، واستهدفت النبطيّة وصور، وذهبت إلى ضربة دقيقة في الشويفات في الضاحية الجنوبيّة لبيروت. في الوقت نفسه، استُشهد ثلاثة عناصر من الجيش اللبناني في أقلّ من أربع وعشرين ساعة، بين الجنوب والبقاع الغربي.

هذا التصعيد ليس تفصيلًا عابرًا. إنّه جزء من تكتيك تفاوضي معروف: الذهاب إلى الطاولة بعد رفع الكلفة على الخصم. رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال بوضوح إنّ إسرائيل استهدفت بيروت بعد صور، وعبرت نهر الليطاني. أمّا الناطق باسم حكومته، فألمح إلى أنّ الهدف هو الوصول إلى سلام مع لبنان. المعنى السياسي لهذه اللغة أنّ إسرائيل تريد استخدام الجموح العسكري ورقة ضغط لفرض سلام على قياس مفهومها الأمني.

هنا يصبح الميدان امتدادًا للطاولة. الغارة ليست فقط ضربة عسكريّة. إنّها رسالة. التوغّل ليس فقط عمليّة ميدانيّة. إنّه بند تفاوضي مسبق. والضغط على القرى ليس فقط عقابًا جماعيًّا، بل محاولة لإعادة تشكيل المزاج اللبناني قبل بدء التفاوض.

في حديثه لـِ "المدن"، يُشير الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ، العميد المتقاعد حسن جوني، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. إذ يربط جوني بين التوقيت التفاوضي والتصعيد الإسرائيلي. برأيه، تمرّ المنطقة بمرحلة تفاوضيّة حسّاسة، إذ تُعقد جلسة أمنيّة في 29 من الشهر، تليها جلسة سياسيّة. وهذا التوقيت، في مفهوم التفاوض، يستدعي عادةً ضغوطًا مكثّفة.

يقول جوني إنّ نتنياهو يريد أن يذهب الوفد اللبناني إلى المفاوضات تحت ضغط شديد، لا على مستوى الدولة فقط، بل أيضًا على مستوى المجتمع والبيئة الحاضنة. لذلك، لا ينفصل التصعيد عن الحسابات الاستراتيجيّة. هو ضغط على الدولة، وضغط على حزب الله، وضغط على الناس، وضغط على التفاوض نفسه.

أمّا عمليّاتيًّا، فيشير جوني إلى عقدة المسيّرات. إسرائيل، وفق تقديره، لم تجد حلًّا تقنيًّا أو تكتيكيًّا فعّالًا لمسيّرات حزب الله. لذلك انتقلت إلى سياسة ضغط بديلة: إنذارات، تدمير، غارات، واستهداف قرى ومبانٍ مأهولة. الرسالة الإسرائيليّة هنا بسيطة وقاسية: ما دامت المسيّرات تُطلَق، فستستمرّ الضربات المؤلمة.

لكنّ النتيجة ليست محسومة. فبحسب جوني، لم يرتدع حزب الله، واستمرّ في استخدام هذا السلاح. عندها حاول الجيش الإسرائيلي تطوير عمليّاته البرّيّة بحثًا عن مطلقي المسيّرات. وقد تقدّم على محور زوطر الشرقيّة ووصل إلى منطقة زوطر، مع ترجيح أن تكون الغاية التكتيكيّة احتلال منطقة أرنون أو الشقيف، ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر". في المقابل، تعرّض لضربات من حزب الله في زوطر ومناطق أخرى، وهذا ما جعله أكثر تورّطًا ميدانيًّا.

 

ما بعد العسكريّ سياسيّ

الفارق الحاسم أنّ العسكريين يناقشون كيف تُوقَف النّار. أمّا السياسيّون فيناقشون لماذا اشتعلت، ومن يملك قرارها، ومن يضمن عدم عودتها. لذلك قد ينجح الاجتماع العسكري في خفض التصعيد، لكنّه لن يعالج وحده أصل الأزمة. يستطيع أن يثبّت هدنة، لا أن يبني سلامًا. يستطيع أن يرسم خطوط انتشار، لا أن يحسم مسألة السلاح. يستطيع أن يحدّد آليّات مراقبة، لا أن ينتج تسوية وطنيّة.

والحال، فإنّ تثبيت الهدنة سيُدرج كبند أوّل على جدول أعمال الوفد العسكري اللبناني برئاسة مدير العمليّات في الجيش، العميد جورج رزق الله.

 

هذا يعني أنّ لبنان لا يذهب إلى الاجتماع طالبًا تأجيله، بل محاولًا انتزاع وقف للنّار من داخله. إسرائيل، في المقابل، راهنت على أن توسعة الضربات ستدفع لبنان إلى طلب التعليق. لم يحصل ذلك. بل أُبلغت تل أبيب، عبر واشنطن، أنّ الاجتماع قائم في موعده.

 

طاولة ضيّقة لحرب واسعة

المشكلة أنّ الطاولة العسكريّة ضيّقة، بينما الحرب واسعة. فيها الجنوب، والبقاع، والضاحية، والمسيّرات، والقرى، والجيش، وحزب الله، وواشنطن، وطهران، وتل أبيب. لذلك لا يمكن فصل الاجتماع عن الإقليم. جوني يلفت إلى أنَّ ترامب يحاول الحدّ من عمليّات جيش الاحتلال، خصوصًا في بيروت ومناطق أخرى، وأنّ إيران تضغط كي يكون لبنان جزءًا من أي اتفاق إقليمي. هذه ليست حرب حدود فقط، بل فصل من تفاوض إقليمي مفتوح.

في النهاية، يذهب العسكريّون إلى واشنطن لتطويق النار، لا لكتابة السلام. سيحمل الجيش اللبناني خطّته، وحدود مهمّته، ومنطق الدولة: السيادة، حصرية السلاح، ووقف الاعتداءات. أمّا السياسة فستبقى في مكان آخر، أثقل وأعقد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث