مر أسبوع ونيف على إنجاز ملف الدفعة الثانية من المحكومين السوريين المفترض تسليمهم إلى السلطات السورية، وذلك تفعيلًا للاتفاقية الموقعة بين البلدين.
بات الملف جاهزًا بالكامل على الصعيد التقني والقانونيّ، لكنه لا يزال أسير الأدراج بانتظار "التوقيع السياسيّ" واللوجستيّ الذي فرمل اندفاعة التسليم، وحوّل موعد الإجراء الذي كان مقرّرًا ومحسوبًا قبل عيد الأضحى المبارك، إلى "إلى أجل غير مسمى" ومن دون تحديد أي سقف زمني مقبل.
إرجاء موعد التسليم
بحسب مصدر قضائي لـ"المدن" فإن الدفعة الثانية تشمل 129 محكومًا سوريًا، لم يأت ترحيلهم اعتباطيًا، بل بناء على طلبات رسمية تقدموا بها هم أنفسهم، بحسب ما تنص الاتفاقية، لاستكمال محكومياتهم أو متابعة ملفاتهم القضائية في بلدهم الأم. وعلى الرغم من استيفاء الشروط القانونية وبلوغ الملف خواتيمه الإجرائية منذ أكثر من أسبوع، إلا أن قرار الافراج عن الشحنة اللوجيستية نحو الحدود مع سوريا اصطدم بـ"مكابح الطوارئ" السياسية في بيروت.
يكشف المصدر لـ"المدن" أن التبرير المباشر الكامل وراء ترحيل الموعد إلى ما بعد العيد وتركه معلقًا بلا أفق، يرتبط مباشرةً بالخشية من ارتدادات مسألة عرقلة إقرار قانون العفو العام في مجلس النواب اللبنانيّ.
تتقاطع الحسابات الأمنية والسياسية عند نقطة حساسة: "إن خروج 129 محكومًا سوريًا دفعة واحدة وبناء على رغبتهم في وقتٍ يعيش فيه السجناء اللبنانيون حالة من الاحتقان الشديد جراء تعثر قانون العفو العام وتفاقم الأزمات المعيشية والصحية داخل السجون والنظارات، قد يفسّر كنوعٍ من "الغبن" و"التمييز".
هذا التفسير بحسب قراءة المعنيين قد يكون بمثابة شرارةٍ لإشعال مشكلات واضطرابات كبرى داخل السجون اللبنانية المكتظة وهي بغنىً عن أي اهتزاز أمني جديد.
لكن هذا التأجيل، وإن ارتدى لبوس "الأمن الاستباقيّ" وتجنب المشاكل الداخليّة، يفتح الباب أمام قراءة سياسية مغايرة تتعلق بصدقية لبنان في تنفيذ التزاماته القضائية الثنائية من الناحية المبدئية، إذ لا يبدو منطقيًا او قانونيًا أن تتأثر اتفاقية بين دولتين مبنية على رغبة المحكومين أنفسهم بالعوامل والتعقيدات والتوازنات الداخلية اللبنانية.
المحكومون وقانون العفو العام
تشير أوساط "المدن" إلى أن ربط مصير 129 محكومًا سوريًا بملف معقد طائفيًا وسياسيًا كقانون العفو العام في لبنان قد يعني عمليًا ترحيل الأزمة لا تأجيلها فحسب. فقانون العفو العام اللبناني ليس مجرد تفصيل تشريعيّ، بل هو ساحة كباش طائفي ومناطقيّ مستمر. إذ إن ربط أي خطوةٍ إجرائية به هو بمثابة ادخالٍ لملف التنسيق القضائي مع دمشق في نفق "الزواريب" المحلية الضيقة.
لكنه في الوقت عينه، فإن التزام لبنان بالاتفاقيّة التي استهلكت وقتًا وجهودًا وتفاصيل سياسية وتقنية للتوصل إليها، سيشكل عاملًا ضاغطًا لإعادة تنفيذ الاتفاق بعد عيد الأضحى، كي لا يدخل لبنان في أزمة سياسيّة مع سوريا، يتجنبها البلدان.
في المحصلة، تبرهن السلطة اللبنانية مرة جديدة عن صعوبة الفصل بين التزاماتها الخارجية وبين هواجسها وإدارتها للملفات الساخنة في الداخل. وبدلًا من استغلال هذه الدفعة لتخفيف ولو جزء بسيطٍ من عبء الاكتظاظ في السجون، اختارت بيروت الهروب إلى الأمام "بتأجيل تقنيّ"، تاركةً ملفًا منجزًا قانونيًا وقضائيًا منذ أسبوعٍ معلقًا على حبال الخوف من انفجار السجون، ومكرسةً انطباعًا دائمًا بأن التوازنات اللبنانية الهشة أقوى دائمًا من أي اتفاق سياسيّ أو قضائيّ أو حتى من معاهدة بين دولتين.




