كشفت صحيفتا "معاريف" و"يديعوت أحرونوت" العبريّتان عن تسريباتٍ من مداولات المجلس الوزاريّ السياسيّ، الأمنيّ الإسرائيليّ، "الكابينت"، بشأن القتال في لبنان وتصاعد تهديد المسيّرات، أظهرت خلافاتٍ حادّة داخل الحكومة حول حدود الردّ الإسرائيليّ، ومدى كفاية السياسة العسكريّة الحاليّة في تحقيق الردع تجاه حزب الله.
وبحسب التسريبات، يرى عددٌ من الوزراء أنّ سياسة الردّ المعتمدة لا توفّر قوّة ردعٍ كافية، وأنّ المطلوب اتّباع نهجٍ أكثر تشدّدًا لا يستهدف حزب الله وحده، بل يحمّل الحكومة اللبنانيّة أيضًا مسؤوليّة ما يجري على أراضيها، في ظلّ ما تصفه إسرائيل بـ"خروقات وقف إطلاق النار" والهجمات المتكرّرة ضدّ جنودها ومدنيّيها.
ضغوط لتوسيع الردّ على حزب الله ولبنان
عقد "الكابينت"، مساء أمس، جلسةً متوتّرة تناولت المواجهة مع حزب الله في لبنان، وتصاعد تهديد الطائرات المسيّرة القاتلة، والاستراتيجيّة التي ينبغي اعتمادها في المرحلة الراهنة.
وخلال النقاش، دار جدلٌ بين الوزراء حول طبيعة الضغط الذي يمكن أن يكون فعّالًا على حزب الله أو على الحكومة اللبنانيّة، بما يدفع بيروت، وفق الطرح الإسرائيليّ، إلى اتّخاذ خطواتٍ ضدّ الحزب.
ونقلت "معاريف" عن وزراء مطالبتهم بفرض أثمانٍ أكبر على مؤسّسات الدولة اللبنانيّة، انطلاقًا من اعتبار لبنان "دولةً ذات سيادة" ومسؤولةً عمّا ينطلق من أراضيها.
بن غفير يهدّد: "تسوية الضاحية بالأرض"
برز الوزير إيتمار بن غفير بوصفه الصوت الأكثر تصعيدًا داخل الجلسة، إذ نقلت عنه "معاريف" قوله إنّ "ما سيؤلمهم حقًّا هو تسوية الضاحية بالأرض"، في تهديدٍ مباشر للضاحية الجنوبيّة لبيروت.
في المقابل، اعتبر وزير الأمن، يسرائيل كاتس، أنّ "ما يؤلمهم هو خسارة الأراضي"، في إشارةٍ إلى الرهان الإسرائيليّ على الضغط الميدانيّ عبر السيطرة على مناطق في الجنوب اللبنانيّ، وربط الردع بتغيير الوقائع على الأرض.
كوهين: لا مبرّر لضبط النفس
وقال الوزير إيلي كوهين خلال الجلسة: "من الغريب أنّنا نحن من يُطلب منه ضبط النفس حين يعتدون علينا خلال وقف إطلاق النار. هم الذين ينتهكون الاتّفاق، ومع ذلك يُفترض بنا الامتناع عن الردّ؟ لدولة إسرائيل كامل الحقّ في التحرّك".
ويعكس موقف كوهين اتّجاهًا داخل الحكومة الإسرائيليّة يدعو إلى توسيع هامش العمل العسكريّ، وعدم الاكتفاء بردودٍ محدودة على مواقع حزب الله.
بن غفير يهاجم الحكومة اللبنانيّة
وخلال الجلسة، سألت الوزيرة ميري ريغيف: "ماذا يفعل لبنان ضدّ حزب الله؟"، فردّ بن غفير قائلًا: "لا يفعلون شيئًا! لديهم وزيرَان يمثّلان حزب الله، وهذه هي أمّ الأبواب الدوّارة".
وجاء هذا السجال في سياق تحميل الحكومة اللبنانيّة مسؤوليّة ما يجري على الجبهة الجنوبيّة، والدفع نحو توسيع دائرة الضغط لتشمل مؤسّسات الدولة اللبنانيّة، لا حزب الله وحده.
من جهتها، اقترحت الوزيرة أوريت ستروك "البحث عمّا يوجعهم فعلًا"، فعاد كاتس ليؤكّد أنّ "ما يؤلمهم هو انتزاع الأراضي منهم".
إلّا أنّ بن غفير صعّد لهجته مجدّدًا، قائلًا: "سيؤلمهم عندما نُسوّي الضاحية بالأرض. سنفعل هناك ما فعلناه في رفح، وسننقل السكّان. أعلم أنّ هناك من لن يروق له ذلك، لكنّ الخطّ الأحمر هو المساس بجنودنا ومدنيّينا".
ويحمل هذا التصريح تهديدًا مباشرًا باستهداف الضاحية الجنوبيّة، مع تلويحٍ بتكرار نموذج رفح، بما يفتح الباب أمام مخاوف من تصعيدٍ واسع النطاق ذي تداعياتٍ إنسانيّة وعسكريّة خطيرة.
وفي مداخلةٍ لافتة، قال الوزير آفي ديختر: "علينا أن نفحص ما إذا كانت الخطوات التي يقترحها الجيش الإسرائيليّ كافيةً بالفعل".
وتكشف هذه المداخلة، وفق ما ورد في التسريبات، أنّ النقاش لم يقتصر على مستوى التصعيد السياسيّ، بل تناول أيضًا مدى قدرة الخطط العسكريّة المطروحة على تحقيق ردٍّ مناسب، من دون الانزلاق إلى مواجهةٍ أوسع على الجبهة الشماليّة.
"يديعوت": فيتو أميركي يمنع ضرب بيروت
في موازاة تسريبات "معاريف"، كشفت "يديعوت أحرونوت" أنّ نقاشات "الكابينت" أظهرت اعترافًا مباشرًا من وزير الدفاع يسرائيل كاتس بوجود "فيتو أميركيّ" يمنع إسرائيل من استهداف بيروت، على الرغم من استمرار إطلاق حزب الله طائراتٍ مسيّرةً مفخّخة باتّجاه الجبهة الشماليّة.
وبحسب الصحيفة، لم يشنّ سلاح الجوّ الإسرائيليّ أيّ هجومٍ على العاصمة اللبنانيّة منذ اغتيال قائد قوّة الرضوان في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، في السادس من أيّار، أي قبل نحو ثلاثة أسابيع، رغم استمرار صفّارات الإنذار على خطّ المواجهة.
"إذا وُجدت مسيّرات نقصف الضاحية"
خلال الجلسة التي استمرّت ثلاث ساعات، تركّز النقاش بصورةٍ أساسيّة على تهديد الطائرات المسيّرة القاتلة في لبنان، وسط غضبٍ عبّر عنه عددٌ من الوزراء من السياسة الحاليّة، ومطالباتٍ بتوسيع العمليّات العسكريّة لتشمل بيروت.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو: "لسنا مقيّدين بالعمل في بيروت، وقد عملنا هناك مؤخّرًا".
غير أنّ الوزيرة أوريت ستروك ردّت عليه قائلةً: "القيام بعمليّة قبل ثلاثة أسابيع لا يعني أنّنا غير مقيّدين. علينا أن نتحرّك بالأفعال. نحن دولةٌ ذات سيادة، ولا يجوز أن نقبل بفرض قيودٍ على حماية بلداتنا".
عندها، قال كاتس بوضوح: "معادلتنا هي: إذا كانت هناك مسيّرات، فنحن نقصف الضاحية. الأميركيّون يمنعون ذلك، لكنّهم أيضًا شركاؤنا".
كاتس: إخلاء الضاحية ثمّ تسويتها بالأرض
ولم يكتفِ كاتس بالإشارة إلى القيود الأميركيّة، بل مضى أبعد في شرح ما سمّاه "المعادلة" الإسرائيليّة السابقة، قائلًا: "إذا تعرّضت بلداتنا للقصف، فبحسب المعادلة التي رسّخناها في الماضي، يُفترض أن نقوم بإخلاء سكّان الضاحية، ثمّ مهاجمتها وتسويتها بالأرض. إذا كانت هناك مسيّرات، فلن يبقى هناك سكّان".
وأضاف: "نحن حاليًّا في وضعٍ معقّد مع الولايات المتّحدة في هذا الشأن. وفي الوقت نفسه، نحن ملزمون بالدفاع عن أنفسنا بكلّ الوسائل، ولا أحد يمنعنا من ذلك".
وتكشف هذه العبارات حجم التباين داخل القيادة الإسرائيليّة بين الرغبة في توسيع بنك الأهداف ليشمل الضاحية الجنوبيّة لبيروت، وبين الحاجة إلى مراعاة الموقف الأميركيّ، بوصف واشنطن شريكًا أساسيًّا في إدارة المواجهة وتداعياتها.
نتنياهو يستحضر تشرشل: لا قتال بلا حلفاء
في أعقاب مداخلة كاتس، استشهد نتنياهو برئيس الوزراء البريطانيّ خلال الحرب العالميّة الثانية، ونستون تشرشل، قائلًا: "هناك أمرٌ واحد أسوأ من القتال مع الحلفاء، وهو القتال من دونهم".
وجاءت عبارة نتنياهو لتؤكّد، ضمنيًّا، أنّ هامش التحرّك الإسرائيليّ في لبنان لا يرتبط بالاعتبارات العسكريّة وحدها، بل يتأثّر أيضًا بحسابات التحالف مع الولايات المتّحدة، خصوصًا في ظلّ المفاوضات الأميركيّة، الإيرانيّة الجارية، وما يرافقها من ترتيباتٍ إقليميّة حسّاسة.
الجيش يعرض أرقامًا عن حزب الله
وخلال الجلسة، عرض رئيس الأركان إيال زامير، ورئيس شعبة الأبحاث العميد أوفير مزراحي، روزن، ورئيس شعبة العمليّات اللواء يتسيك كوهين، معطياتٍ تتعلّق بتدمير البنى التحتيّة العسكريّة لحزب الله واغتيال عناصره.
ووفق المعطيات التي عُرضت على الوزراء، فإنّ الجيش الإسرائيليّ قتل نحو 8000 عنصرٍ من حزب الله منذ بداية حرب "السيوف الحديديّة"، من بينهم 2500 منذ بدء عمليّة "زئير الأسد"، و700 منذ إعلان وقف إطلاق النار.
وتندرج هذه الأرقام في سياق محاولة المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة إظهار حجم الضربات التي تلقّاها حزب الله، في مقابل ضغوطٍ سياسيّة داخل الحكومة تطالب بتوسيع الردّ وتغيير قواعد الاشتباك.
"الحماية" القطريّة في خلفيّة النقاش
ولم يقتصر اجتماع "الكابينت" على الملفّ اللبنانيّ، إذ أُطلع الوزراء أيضًا على تطوّرات المفاوضات بين الولايات المتّحدة وإيران، وعلى مقترحٍ تنفيه قطر، يقضي بأن تمنح الدوحة طهران قرضًا بقيمة 12 مليار دولار.
وبحسب ما نُقل في الجلسة، يُنظر إلى هذا القرض على أنّه منحةٌ غير مباشرة قد تُجنّب واشنطن الإفراج عن الأموال الإيرانيّة المجمّدة، والتي يبلغ مجموعها 24 مليار دولار. ووصف رئيس الأركان هذا المقترح بأنّه "منظومة حماية".
ووفق الطلب الإيرانيّ، يُفرج عن نصف الأموال المجمّدة فور بدء الاتفاق، فيما يُفرج عن النصف الآخر بعد مرور 60 يومًا. أمّا وفق المقترح المنسوب إلى الدوحة، والذي تنفيه قطر وتعتبر أنّ التقارير بشأنه تهدف إلى تخريب المفاوضات، فتتولّى الدوحة تحويل الدفعة الأولى على شكل "قرض" غير مضمون السداد، على أن يكون المقابل، على ما يبدو، تسهيلات عبور عبر مضيق هرمز.
معادلة مأزومة بين الردع والفيتو الأميركي
تعكس تسريبات "معاريف" و"يديعوت أحرونوت" تحوّلًا في نبرة النقاش داخل الحكومة الإسرائيليّة، من منطق الردّ المحدود إلى مقاربةٍ أكثر تشدّدًا تقوم على ربط الضغط العسكريّ على حزب الله باستهداف الدولة اللبنانيّة وبناها التحتيّة.
غير أنّ اعتراف كاتس بأنّ "الأميركيّين يمنعون" ضرب بيروت يكشف أنّ القرار العسكريّ الإسرائيليّ لم يعد محكومًا بالحسابات الميدانيّة وحدها، بل بات واقعًا بين ضغط الوزراء المتشدّدين، وحاجة نتنياهو إلى الغطاء الأميركيّ، ومخاطر الانزلاق إلى تصعيدٍ أوسع على الجبهة الشماليّة.
وبين معادلة "المسيّرات مقابل الضاحية"، والدعوات إلى "تسوية الضاحية بالأرض"، والحديث عن "انتزاع الأراضي"، تبدو إسرائيل أمام مأزقٍ داخليّ عنوانه البحث عن ردعٍ مفقود، من دون خسارة المظلّة الأميركيّة التي تمنحها هامش الحركة السياسيّة والعسكريّة.




