تجاوزت العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة في الساعات الأخيرة كلّ الحدود، وكشفت عن تحوّل ميدانيّ بالغ الخطورة. فقد انتقلت كثافة الاستهدافات والتوغّلات والإنذارات بشكلٍ منظّم إلى بقعة واسعة تقع بالكامل خارج "الخط الأصفر". وباتت رقعة العمليّات تتمركز بثقلها في مناطق صور، الزهراني، النبطيّة، جزّين والبقاع الغربيّ. وهذا التطوّر الميدانيّ يعني استراتيجيًّا أنّ إسرائيل قد "استوعبت" أو "هضمت" بالفعل المنطقة التي احتلّتها سابقًا داخل الخطّ الأصفر، وبدأت فعليًّا عمليّة قضم وابتلاع منطقة جنوبيّة جديدة وسط عمليّات إفراغ سكانيّ وديموغرافيّ هي الأوسع منذ اندلاع المواجهة، ممّا يضع معظم الجنوب اللبنانيّ في شدق آلة الحرب الإسرائيليّة.
ويأتي هذا الاندفاع الميدانيّ الإسرائيليّ في توقيت قاتل للدبلوماسيّة اللبنانيّة، حيث يستعدّ الوفد العسكريّ اللبنانيّ لخوض المفاوضات الأمنيّة بعد غد، 29 أيّار، في مبنى البنتاغون، إذ سيجد نفسه تحت وطأة ضغوط غير مسبوقة. وبينما تتنقّل الوفود إلى واشنطن، تتنقّل الجرّافات والدبّابات الإسرائيليّة في عمق القرى الجنوبيّة، بحيث يتمّ التفاوض في واشنطن على وقع خسارة يوميّة للأرض في لبنان، ومن دون أيّ هوامش تفاوضيّة، في ظلّ اختلال موازين القوى الشامل لمصلحة إسرائيل، خصوصًا في ظلّ المأزق اللبنانيّ الداخليّ الناتج عن انسداد أفق الحلّ ما بين الحكومة وحزب الله، في ما يتعلّق بمسألة حصر السلاح، ما يحرم الحكومة اللبنانيّة من الورقة الوحيدة التي كان يمكن التمسّك بها على طاولة المفاوضات في واشنطن لانتزاع وقف إطلاق نار حقيقيّ ولجم الاندفاعة الإسرائيليّة. وتظهر الدولة بمظهر العاجز الذي لا يملك "المونة" على الأرض، وهو ما يمنح المخطّط الإسرائيليّ ذريعة دوليّة يحتاج إليها.
في هذا الخضمّ، يبقى العامل الإقليميّ شديد التأثير على اتّجاهات المسار في لبنان، ولا سيّما في ما يتعلّق بالمواجهة الأميركيّة، الإيرانيّة. ووفق مصادر "المدن"، فإنّ هناك كلامًا جدّيًّا عن احتمال الإعلان عن تفاهم أو إعلان نوايا بين طهران وواشنطن يوم غد الخميس. وفي انتظار ما سيطرأ على هذا الملفّ، وطبيعة انعكاساته على الوضع اللبنانيّ، يبقى لبنان في مهبّ عاصفة شرسة.
من الردع إلى القضم: إسرائيل تغيّر وظيفة الحرب
لم تعد إسرائيل تتعامل مع الجبهة اللبنانيّة بوصفها ساحة ردّ عسكريّ محدود، بل كمساحة لإعادة هندسة الوقائع. جوهر التصعيد الحاليّ لا يكمن فقط في عدد الغارات، ولا في اتّساع رقعتها، بل في انتقال العمليّة من منطق "الردّ على حزب الله" إلى منطق "تثبيت الاحتلال المتدرّج". هذا هو التحوّل الأخطر. فحين يصبح "انتزاع الأرض" جزءًا معلنًا من النقاش داخل "الكابينت"، كما عكست التسريبات العبريّة، فهذا يعني أنّ تل أبيب لم تعد تخوض معركة ردع فقط، بل معركة حدود، وسكّان، وممرّات، ومناطق عازلة.
تسريبات "معاريف" و"يديعوت أحرونوت" تكشف حكومة إسرائيليّة مأزومة، لكنّها لا تكشف حكومة متردّدة. الخلاف داخلها ليس حول أصل التصعيد، بل حول سقفه. هناك من يريد ضرب الضاحية الجنوبيّة لبيروت وتسويتها بالأرض، وهناك من يرى أنّ الإيلام الحقيقيّ يكون في خسارة الأرض. بين هذين الخيارين، تتحرّك الاستراتيجيّة الإسرائيليّة: تدمير محسوب فوق الأرض، وتقدّم ميدانيّ تحت غطاء النار، وضغط سياسيّ على لبنان بوصفه "دولة مسؤولة"، ولو كانت هذه الدولة نفسها عاجزة عن فرض قرارها على أرضها.
"الكابينت" يبحث عن ردع مفقود
النقاش الإسرائيليّ الداخليّ يفضح أزمة ردع حقيقيّة. فتهديد المسيّرات، بحسب الإعلام العبريّ، أربك الجيش والمستوطنات الشماليّة، وأجبر المؤسسة العسكريّة على البحث عن حلول تكنولوجيّة عاجلة، من الشباك الواقية إلى الموردين الأوروبيّين. لكنّ هذه الإجراءات تكشف، في العمق، أنّ التفوّق الجوّيّ الإسرائيليّ لم يعد كافيًا لإلغاء أثر سلاح منخفض الكلفة وعالي التأثير. لذلك، ترتفع أصوات الوزراء المتشدّدين طلبًا لضربة أكبر، لا لأنّهم يملكون حلًّا، بل لأنّهم يخشون ظهور معادلة جديدة تضع الجبهة الداخليّة الإسرائيليّة تحت ضغط مستمرّ.
إيتمار بن غفير عبّر عن هذه الذهنيّة بفظاظتها حين تحدّث عن "تسوية الضاحية بالأرض" و"فعل ما جرى في رفح". هذا ليس تصريحًا عابرًا، بل لغة سياسيّة تريد نقل نموذج غزّة إلى لبنان: الإخلاء، التدمير، ثمّ فرض الوقائع. أمّا يسرائيل كاتس، فذهب إلى جوهر المعادلة حين قال إنّ "ما يؤلمهم هو خسارة الأراضي". هنا تتّضح البوصلة: إسرائيل لا تريد فقط معاقبة حزب الله، بل تريد تحويل الجنوب إلى ورقة تفاوض دائمة، وإلى منطقة ابتزاز مفتوحة في وجه الدولة والحزب معًا.
الفيتو الأميركي: كابح لا ضامن
اعتراف كاتس بوجود "فيتو أميركيّ" يمنع ضرب بيروت لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه ضمانة للبنان. إنّه كابح تكتيكيّ لا أكثر. واشنطن لا تمنع إسرائيل من الحرب، بل تنظّم إيقاعها وحدودها بما لا يفجّر الإقليم قبل اكتمال المسار الأميركيّ، الإيرانيّ. لذلك، تستطيع إسرائيل أن تضرب الجنوب والبقاع، وتتقدّم، وتُفرغ القرى، وتدمّر البنى المدنيّة، من دون أن تصطدم فعليًّا بالسقف الأميركيّ، ما دام القصف لا يطال بيروت بالمعنى السياسيّ الكبير.
استحضار نتنياهو لعبارة تشرشل عن القتال مع الحلفاء ومن دونهم يختصر المأزق. إسرائيل تحتاج إلى أميركا، لكنّها تستخدم هذا الاحتياج لا لضبط نفسها، بل لتوزيع أدوار التصعيد. واشنطن تمنح الغطاء السياسيّ، وتضع خطوطًا حمراء متحرّكة، وتترك لإسرائيل هامشًا واسعًا لتغيير الواقع في الجنوب. أمّا لبنان، فيجد نفسه أمام معادلة قاسية: لا واشنطن تضغط جدّيًّا لوقف الحرب، ولا الدولة تملك ما يكفي من الأوراق كي تفرض وقف النار.
واشنطن تفاوض، والجرافات ترسم الحدود
ذهاب الوفد العسكريّ اللبنانيّ إلى البنتاغون يحصل في أسوأ لحظة تفاوضيّة ممكنة. فإسرائيل لا تذهب إلى طاولة المفاوضات من موقع من يريد تسوية، بل من موقع من يريد تثبيت مكاسبه الميدانيّة. كلّ غارة قبل الاجتماع رسالة، وكلّ توغّل بند غير مكتوب، وكلّ قرية تُفرغ من أهلها تتحوّل إلى مادّة ضغط على الطاولة.
المأزق اللبنانيّ هنا مزدوج. الدولة مطالبة أميركيًّا وإسرائيليًّا بإثبات قدرتها على ضبط حزب الله، لكنّها في الوقت نفسه عاجزة عن إلزام إسرائيل بوقف النار. وهي مطالبة داخليًّا بحماية الأرض، لكنّها لا تمتلك قرار الحرب ولا قرار السلم كاملَين. بهذا المعنى، يذهب لبنان إلى واشنطن بلا ورقة القوّة الوحيدة الممكنة: وحدة القرار الداخليّ حول السلاح والحدود ووقف النار. وما دامت هذه الورقة غائبة، ستفاوض الدولة تحت النار، لا تحت القانون.
الداخل اللبناني: دولة تتفرّج على نفسها
الأشدّ خطورة من العدوان نفسه هو المشهد الداخليّ المرافق له. لا موقف رسميّ موحّدًا، لا مجلس وزراء في حال انعقاد سياسيّ دائم، ولا تنسيقًا فعليًّا بين الرئاسات. في لحظة نزوح واحتلال وتدمير، يظهر لبنان كأنّه بلد ينتظر ما ستقرّره العواصم عنه. نصف الوزراء في عطلة، الرئاسات في قطيعة، والاتصالات بلا أثر ميدانيّ. هذه ليست تفصيلاً إداريًّا، بل جزء من الانكشاف الاستراتيجيّ.
رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لا يعوّل كثيرًا على المفاوضات المباشرة، ويفضّل المسار غير المباشر، فيما يراهن على تفاهم أميركيّ، إيرانيّ قد يمنح لبنان وقفًا شاملًا للحرب. رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، في المقابل، يحاول إبقاء الرهان على الاجتماع الأمنيّ في واشنطن، واضعًا وقف النار بندًا أوّل. لكنّ المشكلة أنّ إسرائيل سبقت الجميع إلى رسم حدود الاجتماع بالنار، وسحبت، وفق المعلومات، إعلان النوايا السابق لتعديله بما يلائم الوقائع الجديدة التي تفرضها على الأرض.
حزب الله بين تحسين الشروط وكلفة الاستنزاف
حزب الله يردّ بكثافة، ويستخدم المسيّرات والصواريخ واستهداف مواقع القيادة والسيطرة، ويعلن عمليّات متعدّدة ضدّ آليّات وجنود ومواقع إسرائيليّة. هذه العمليّات تؤلم إسرائيل وتربك جيشها، لكنّ السؤال السياسيّ يبقى أكبر من الميدان: هل يستطيع الحزب تحمّل حرب استنزاف طويلة فيما البيئة الجنوبيّة تدفع الثمن الأكبر؟ وهل يستطيع تحويل الضغط العسكريّ إلى مكسب سياسيّ في ظلّ دولة مفكّكة ومفاوضات لا يملك قرارها كاملًا؟
إسرائيل تراهن على الفجوة بين الحزب والدولة، وعلى تعب الناس، وعلى كلفة النزوح، وعلى تحوّل القرى المدمّرة إلى ضغط داخليّ على المقاومة. في المقابل، يراهن الحزب على أنّ الميدان قادر على منع إسرائيل من تحويل الاحتلال إلى نزهة، وعلى أنّ مسار التفاهم الأميركيّ، الإيرانيّ قد يفتح نافذة لوقف النار. لكنّ الزمن هنا ليس محايدًا. كلّ يوم إضافيّ يسمح لإسرائيل بتوسيع الحزام، وتعميق النزوح، وفرض خريطة جديدة.
الجنوب كرهينة إقليميّة
لبنان اليوم ليس فقط ساحة مواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بل ورقة في الاشتباك الأميركيّ، الإيرانيّ. الحديث عن إعلان نوايا محتمل بين واشنطن وطهران يرفع منسوب القلق، لا الاطمئنان. فإسرائيل قد تسعى إلى استباق أيّ تفاهم بتعظيم مكاسبها في الجنوب، كي تدخل مرحلة ما بعد الاتفاق وهي تمسك بالأرض. لذلك تبدو الساعات المقبلة حاسمة: إمّا أن يتحوّل المسار الإقليميّ إلى مكبح للتصعيد، وإمّا أن يصبح التصعيد نفسه أداة لتحسين شروط إسرائيل قبل التسويات.
في خلفيّة ذلك، تظهر قطر والملفّ الماليّ الإيرانيّ ومضيق هرمز كجزء من لوحة أوسع. ما يجري في لبنان لا يُفصل عن الترتيبات الكبرى: الأموال المجمّدة، أمن الخليج، البرنامج النوويّ، وموقع إيران الإقليميّ. لكنّ الكارثة أنّ الجنوب اللبنانيّ هو الذي يدفع الفاتورة المباشرة لهذه الحسابات.
حرب على الأرض ومعركة على معنى الدولة
المشهد اللبنانيّ أمام مفترق بالغ القسوة. إسرائيل تمارس سياسة قضم معلنة، وتستعمل النار لتعديل شروط التفاوض. حزب الله يحاول منع تكريس الاحتلال عبر الاستنزاف. الدولة تفاوض وهي منقسمة، ومكشوفة، ومحرومة من قرار موحّد. أمّا الناس، فهم الحلقة الأضعف: نازحون فوق نزوح، قرى تُمحى، وبيوت تُترك للشاشات كي توثّق سقوطها.
السؤال لم يعد هل توسّع إسرائيل الحرب، بل إلى أيّ مدى ستنجح في تحويل التصعيد إلى واقع سياسيّ دائم. والسؤال اللبنانيّ الأعمق: هل يستطيع بلد بلا موقف موحّد أن يمنع عدوه من رسم حدوده؟ في واشنطن ستُعقد الاجتماعات، لكنّ الجواب الحقيقيّ يُكتب الآن في الجنوب، حيث لا تفاوض فعليًّا بين وفدين، بل بين أرض تُقضم ودولة تبحث، متأخّرة، عن معنى سيادتها.




