ليس تاريخ لبنان، منذ استقلاله، تاريخ دولةٍ صغيرةٍ عاشت على هامش العواصف، بل تاريخ بلدٍ جُعل، مرارًا، مسرحًا للعواصف نفسها. في كلّ مرّة كان اللبنانيّون يظنّون أنّهم خرجوا من احتلالٍ أو وصاية، كانوا يكتشفون أنّ بابًا آخر فُتح على انتقاصٍ جديدٍ من السّيادة. لذلك، في ذكرى المقاومة والتّحرير، لا تكفي عبارة الاحتفال، ولا تكفي أيضًا لغة المظلوميّة وحدها. الأجدى أن ننظر إلى الخريطة والروزنامة معًا.
منذ الاستقلال في العام 1943، لم يعرف لبنان احتلالًا عسكريًّا مباشرًا في عقده الأوّل، لكنّه عرف مبكرًا معنى أن يكون بلدًا ضعيف المناعة في إقليمٍ لا يرحم. جاءت هدنة 1949 بين لبنان وإسرائيل لتؤسّس، نظريًّا، لحالة لا حرب على الحدود، لكنّها لم تتحوّل سلامًا، ولا حمت لبنان لاحقًا من تحوّله إلى ساحة. ثم جاء عام 1969، مع "اتّفاق القاهرة"، ليبدأ القضم العمليّ لسيادة الدولة، إذ بات الوجود الفلسطينيّ المسلّح في الجنوب والمخيّمات واقعًا فوق سلطة الدولة، لا تحتها. لم يكن ذلك احتلالًا بالمعنى الكلاسيكي، لكنّه كان بداية سقوط الاحتكار الشرعيّ للسلاح، وبداية انتقال الحدود من يد الدولة إلى أيدي قوى مسلّحة متعدّدة.
السّاحة التي ابتلعت الدولة
حين اندلعت الحرب الأهليّة في العام 1975، كان لبنان قد فقد كثيرًا من عناصر الدولة قبل أن تنهار مؤسّساتها بالكامل. الانقسام الطائفي، الحماسة العروبيّة واليساريّة، الخوف المسيحيّ على الكيان، الاندماج الإسلاميّ واليساريّ في مشروع "المقاومة الفلسطينيّة"، كلّها صنعت بلدًا يملك علمًا ونشيدًا ومصرفًا مركزيًّا، لكنّه لم يعد يملك قرار الحرب والسلم.
في العام 1976 دخل الجيش السوري إلى لبنان، أوّلًا تحت عناوين وقف الحرب وضبط الفوضى، ثم تحوّل الوجود إلى وصاية مديدة. من 1976 إلى 2005، بقيت سوريا لاعبًا عسكريًّا وأمنيًّا وسياسيًّا مباشرًا في لبنان؛ أي نحو تسعٍ وعشرين سنة من الحضور المسلّح والنفوذ الأمني الذي لم ينتهِ إلّا بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانتفاضة الاستقلال والضغط الدولي. انسحب الجيش السوري في نيسان 2005، لكنّ آثار تلك الحقبة بقيت في بنية النظام، وفي ذاكرة المعتقلين والمفقودين، وفي طريقة إدارة السياسة بالترهيب والتوازنات القسريّة.
إسرائيل: من الاجتياح إلى الشريط الحدودي
لم تكن إسرائيل بعيدة عن هذا التصدّع. دخلت من الباب الذي فتحه الشقاق الأهلي، ومن الذريعة التي وفّرها وجود الفصائل الفلسطينيّة المسلّحة في الجنوب. في آذار 1978، أطلقت إسرائيل عمليّة "الليطاني"، فاحتلّت أجزاء واسعة من جنوب لبنان، ودفع ذلك مجلس الأمن إلى إصدار القرار 425 وإنشاء قوّات "اليونيفيل" للمساعدة في تأكيد الانسحاب واستعادة السلم وتمكين الدولة اللبنانيّة من بسط سلطتها في المنطقة..
لكنّ 1978 لم يكن إلّا المقدّمة. في 1982 جاء الاجتياح الأكبر، فوصلت الدبّابات الإسرائيليّة إلى بيروت. كان الهدف المعلن طرد منظّمة التحرير الفلسطينيّة، لكنّ الهدف الأعمق كان إعادة تشكيل لبنان سياسيًّا، وإخراجه من معادلاته العربيّة، وفرض تسوية تناسب إسرائيل. من هنا وُلدت اتّفاقيّة "17 أيّار" في عهد الرئيس أمين الجميّل، قبل أن تسقط تحت ضغط الانقسام الداخلي والرفض السوري، وليتقاسم الإسرائيليّون والسوريّون، عمليًّا، النفوذ على الجسد اللبناني الممزّق.
بعد انسحابات 1984 و1985، بقيت إسرائيل في ما عُرف بالشريط الحدودي حتّى أيّار 2000. هكذا يمكن إحصاء الاحتلال الإسرائيلي المباشر بأكثر من طريقة: من اجتياح 1978 إلى انسحاب 2000، اثنتان وعشرون سنة من الاحتلال والاعتداءات المتكرّرة؛ ومن اجتياح 1982 إلى 2000، ثماني عشرة سنة؛ ومن قيام الشريط الحدودي بعد 1985 إلى التحرير، نحو خمس عشرة سنة. في 25 أيّار 2000، انسحب الجيش الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، واعتُبر ذلك نهاية الاحتلال في الجنوب وفق الخط الأزرق الذي تحقّقت منه الأمم المتّحدة.
الجنوب بين الخلاص والخذلان
لا يجوز، في قراءة تلك المرحلة، اختصار الجنوبيّين في صورة واحدة. قبل 1982 كان الجنوب منهكًا. كانت الفصائل الفلسطينيّة، وبعض قوى اليسار اللبناني، وحركة "أمل"، وسائر قوى الحرب، تتنازع أرضًا هشّة وسكّانًا متعبين. لذلك، حين دخل الجيش الإسرائيلي، وجد في بعض القرى من رأى فيه، في اللحظة الأولى، خلاصًا من الفوضى والسلاح الفلسطيني والاقتتال الداخلي. لم يكن ذلك حبًّا بإسرائيل، بل خوفًا من واقعٍ لبناني وفلسطيني مسلّح خرج من كلّ ضابط.
لكنّ الاحتلال سرعان ما كشف وجهه: اعتقالات، قصف، تنكيل، سجون، "جيش لبنان الجنوبي"، وشريط حدودي معزول عن وطنه. هنا بدأ التحوّل الشعبي العميق. لم تعد المسألة نظريّة ولا أيديولوجيّة، بل صارت أرضًا محتلّة وأبناءً معتقلين وقرى تحت النار. من هذا الجرح توسّعت بيئة المقاومة، ووجد حزب الله، الذي نشأ في سياق الاحتلال والاجتياح والحرب الأهليّة، شرعيّته الأولى في تحرير الأرض. غير أنّ المفارقة القاسية أنّ سلاح التحرير، بعد التحرير، لم يدخل كلّه في الدولة، بل بقي عنصرًا مؤسّسًا في نزاع لبناني جديد حول السيادة والقرار والحرب.
حروب لا تنتهي عند الانسحاب
لم يكن 25 أيّار 2000 خاتمة العنف. قبله جاءت حملتا 1993 و1996، "تصفية الحساب" و"عناقيد الغضب"، وفيهما استخدمت إسرائيل الضغط على المدنيّين والتهجير الواسع وسيلةً لإخضاع بيئة المقاومة والدولة اللبنانيّة. وثّقت "هيومن رايتس ووتش" أنّ عمليّة 1996، كما في 1993، سعت إلى إحداث نزوح مدني واسع من الجنوب للضغط على الحكومة اللبنانيّة والقوى المسلّحة المناهضة للاحتلال.
وبعد التحرير، جاءت حرب تمّوز 2006 لتؤكّد أنّ الانسحاب لا يكفي إذا بقيت الحدود بلا دولة كاملة، وبقي السلاح خارج المؤسّسات، وبقيت إسرائيل مستعدّة لضرب لبنان كلّما رأت في ذلك ضرورة أمنيّة أو فرصة سياسيّة. القرار 1701، الصادر في آب 2006، دعا إلى وقف الأعمال العدائيّة، وانسحاب القوات الإسرائيليّة، وانتشار الجيش اللبناني واليونيفيل جنوب الليطاني، وأكّد ألّا يكون في تلك المنطقة سلاح أو سلطة غير سلاح الدولة وقوّات الأمم المتّحدة. لكنّ القرار بقي، في جوهره، تسوية معلّقة أكثر منه نظامًا مستقرًّا.
حساب السنوات
إذا حسبنا سنوات الاحتلال المباشر منذ الاستقلال، تبدو الحصيلة جارحة. من 1943 إلى اليوم؛ أي أكثر من ثمانين عامًا، عاش لبنان نحو تسعٍ وعشرين سنة تحت وجود عسكري سوري مباشر. وعاش جنوبه، بدرجات مختلفة، اثنتين وعشرين سنة تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ 1978، أو ثماني عشرة سنة منذ اجتياح 1982، أو خمس عشرة سنة في صيغة الشريط الحدودي. وبسبب التداخل بين الاحتلالين، كان لبنان من 1976 إلى 2005؛ أي تسعًا وعشرين سنة متّصلة، تحت احتلال أو وصاية عسكريّة أجنبيّة مباشرة، سوريّة أو إسرائيليّة أو الاثنين معًا. ثم جاءت مرحلة 2005 إلى 2023 بلا احتلال عسكري شامل، لكن بسيادة منقوصة: اعتداءات، اختراقات جويّة، سلاح خارج الدولة، وحدود قابلة للاشتعال.
ومنذ حرب ما بعد 7 تشرين الأوّل 2023، عاد الجنوب إلى سؤال الاحتلال بصيغة أكثر التباسًا وقسوة. لم تعد المسألة خطوط تماس تقليديّة فقط، بل تدمير قرى، إفراغ سكّان، تحويل الحافة الحدوديّة إلى منطقة عازلة، ومنع العودة الطبيعيّة. أشارت تقارير حقوقيّة إلى تدمير واسع للبنى المدنيّة والخدمات في جنوب لبنان بين تشرين الأوّل 2023 وكانون الأوّل 2024، بما أعاق عودة عشرات الآلاف إلى بيوتهم. كما أعلنت إسرائيل، بعد مهلة الانسحاب في شباط 2025، إبقاء قوّات في مواقع عدّة داخل جنوب لبنان، ثم تحدّثت تقارير لاحقة عن تمركزات أعمق ضمن منطق "المنطقة العازلة".
تحرير الأرض أم استعادة الدولة؟
المأساة اللبنانيّة أنّ كلّ جماعة حملت تعريفًا مختلفًا للتحرير. المسيحيّون، في لحظة طويلة، رأوا التحرير في خروج الجيش السوري واستعادة الجمهوريّة الأولى. الشيعة، ومعهم جزء واسع من المسلمين واليسار، رأوا التحرير في إخراج إسرائيل من الجنوب. وحين تحقق الإنجازان، 2000 و2005، لم يلتقيا في دولة واحدة، بل اصطدما في سؤال واحد: من يملك قرار السلاح؟
لهذا تبدو ذكرى المقاومة والتحرير اليوم أكثر تعقيدًا من الاحتفال. خرج الاحتلال الإسرائيلي في العام 2000 تحت ضغط المقاومة. نعم، خرج الجيش السوري في العام 2005 تحت ضغط انتفاضة داخليّة وتحولات دوليّة. لكنّ لبنان لم يخرج كاملًا من منطق الساحة. بقيت حدوده صندوق بريد للآخرين، وبقيت دولته عاجزة عن أن تكون المرجع الوحيد في الحرب والسلم، وبقيت إسرائيل تتعامل مع الجنوب كمساحة قابلة للعقاب والتدمير متى شاءت.
في لغة اللبنانيّين السياسيّة تعابير لا تكفّ عن التكرار. يجمع هذه التعابير حنينٌ إلى زمنٍ سابق، كأنّ كلّ ماضٍ كان أفضل من الحاضر الذي تلاه، وكأنّ اللبنانيّين لم يفعلوا في تاريخهم إلّا الخطأ، خصوصًا في قرارات الحرب والسّلم. وليست الخلاصة أنّ لبنان ضحيّة بريئة دائمًا، ولا أنّه مذنب وحده في ما أصابه. الخلاصة أنّ الاحتلالات لا تدخل إلّا من شقوق الداخل، وأنّ الخارج لا يرحم بلدًا لا يحرس دولته.




