بعد انتظار شهادات "مخابرات الجنوب" لفكفكة العقد المحيطة بملف الفنّان فضل شاكر، جاءت جلسة المحكمة العسكرية الدائمة، التي واكبتها "المدن" بكامل تفاصيلها، لتُقدم ما يمكن وصفه بـ"الانعطافة الحاسمة"، ليس فقط في مسار ملاحقة شاكر، بل في قراءة "الصندوق الأسود" لمعركة "عبرا 2013".
في هذه الجلسة التي ترأسها العميد وسيم فياض، "اكتمل نصاب" "العمداء الثلاثة" الذين واكبوا الميدان والأمن والسّياسة في صيدا عشية الانفجار الكبير: رئيس فرع الجنوب في مخابرات الجيش حينذاك العميد علي شحرور، مدير مكتب قائد الجيش حينها العميد محمد الحسيني، ورئيس مكتب أمن صيدا في المخابرات العميد ممدوح صعب.
الشّهادات الثلاث، المُتقاطعة والمُتطابقة إلى حدٍّ كبير، جاءت بمثابة مرافعة دفاعٍ أمنيّة وعسكريّة، وحوّلت فضل شاكر من "إرهابيّ ومموّل ومشارك في قتال الجيش" إلى رجلٍ كان يبحثُ عن "Deal" وتسوية تضمن خروجه الآمن من "مُربّع الشّيخ أحمد الأسير"، قبل أن "تُداهمه المعركة" وتُداهم الجميع.
إفادة فضل: السلاح مقابل الخروج
بدأت الجلسة باستجواب فضل شاكر، الذي بدا هادئًا ومُستندًا إلى الوقائع وواثقًا من أقواله. ركّزت إفادته على الأيّام الأخيرة التي سبقت المعركة، إذ أكّد أنّه سلّم بالفعل كميّات من الأسلحة لا يعلم نوعها بالتحديد، وذلكَ في إطار التمهيد لتسوية وضعه القانوني. وأوضح أنّه كان يتواصل مع العمداء الحسيني وشحرور وصعب، حيث تولى الأخير استلام "الأسلحة" التي أرسلها فضل شاكر.
بحسب شاكر، فإنّ الهدف من هذه الخطوات كان واضحًا ومُحددًا: "الرغبة وإبرام تسويةٍ تقضي بكفّ الملاحقات والتعقّبات عن مجموعة حمايته الشخصية، التي كان يرأسها ابن شقيقه، عبد الرحمن شمندر الذي قُتل في معركة عبرا، مقابل أن يُغادر فضل البلاد عبر مطار رفيق الحريري بمواكبةٍ من الجيش اللبناني.
شهادة شحرور: صك براءة من الدم والتمويل
حين اعتلى العميد علي شحرور منصة الشهادة، قدّم سردًا تفصيليًّا وموثّقًا وأسقط الكثير من الرّوايات الشّائعة. نفى العميد شحرور بشكلٍ قاطع أن يكون لفضل شاكر "مجموعة مُسلحة" خاصّة به. وأكّد أنّ "المجموعة المسلّحة" كانت تتبع عسكريًّا وتنظيميًّا لعبد الرّحمن شمندر، المسؤول العسكريّ لجماعة الشّيخ أحمد الأسير.
كما روى شحرور تفاصيل اللقاء الأخير الذي جمعه بفضل شاكر والعميد الحسيني قبل معركة عبرا، بناءً على طلب شاكر. إذ عُقد هذا اللقاء في مطعم "ألحان"، الذي كان يملكه الفنّان في صيدا. قال شحرور إنّ شاكر أبدى "حسن نيّة" مُطلقة لتسليم السّلاح، ونفّذ وعده في اليوم التالي مباشرة عبر تسليم قذائف من عيار 107 ملم و81 ملم. وأضاف مُستدركًا: "لكن الوقت داهمنا جميعًا، واندلعت معركة عبرا قبل أن تنضج تسوية وضع فضل".
حين سُئل عن حقيقة علاقة شاكر بالشّيخ الأسير، أكّد العميد شحرور أن التزام الفنّان المُعتزل حينها كان "دينيًا وليس تنظيميًا أو عسكريًّا"، بل إنّه ذهب أبعد من ذلك، وأكّد أنّ "خلافًا شديدًا وشخصيًا" كان قائمًا بين الرجلين قبل المعركة. وفجّر شحرور مفاجأة ميدانية بتأكيده أن فضل لم يكن مع الشّيخ الأسير أثناء القتال في عبرا، بل كان "مختبئًا خائفًا "تحت درج مبنى المستقبل" في عبرا في محيط المربّع. وروى أنّ شاكر غادر المنطقة بشكل مستقل تمامًا عن الأسير، الذي خرج برفقة 20 مسلّحًا تقريبًا، ولم يخرج برفقته على الإطلاق، وذلك بناءً على معلومات مخابرات الجنوب في حينها.
ختم العميد شحرور إفادته بنقطتين بالغتيْ الأهميّة:
الأولى، تُفيد أنّ مخابرات الجنوب لم يثبت لديها أي أرقام أو معطيات أو دلائل ملموسة تشير إلى أنّ فضل شاكر كان يُموّل الشّيخ الأسير ومجموعته.
أمّا الثّانية، وهي الأثقل سيّاسيًّا، تأكيده وجود "آخرين" في معركة عبرا غير الجيش اللبنانيّ ومجموعة الشّيخ الأسير. وجزم أنّ فضل شاكر "غير متورّط على الإطلاق في قتال الجيش، ولم تتلوّث يداهُ بدماء العسكريين".
الحسيني وصعب: "البلد كله يحمل السلاح"
لم تبتعد شهادة العميد محمد الحسيني عن سياق شهادة العميد شحرور، إذ أكّد أنّه اجتمع بفضل شاكر بتكليف رسمي من قيادة الجيش حينذاك، قبيل المعركة بوقت قصير.
كشف العميد الحسيني عن تنسيق كان جاريًا آنذاك مع جريدة "الجمهورية" لإعلان فضل شاكر عبر صفحاتها إبرام التسوية مع الدولة، ابتعاده التام والنهائي عن حالة الشّيخ أحمد الأسير كجزء من التسوية، "لكنّ المعركة داهمت الجميع". أمّا عن مقطع الفيديو الشهير لشاكر والذي يتحدث فيه عن "الفطيستين"، أوضح الحسيني أن الفيديو لا علاقة له بمعركة عبرا ولا بالجيش، بل سُجّل قبلها على خلفية إشكال محلي مع "الآخرين" في محيط صيدا، (سرايا المقاومة). وعقّب الحسيني على تهمة حيازة السلاح بالقول: "البلد كلها تحمل أسلحة فردية، وليس فضل أو مجموعة حمايته فقط".
من جهته، ثبّت العميد ممدوح صعب المعادلة ذاتها: المجموعة لشمندر والأسير، فضل لم يقاتل وكان تحت الدرج، والتمويل الحقيقي لحالة الأسير كان يأتي من "مقاولين ورجال أعمال في صيدا" وليس من شاكر.
وفي لفتة إنسانية لافتة عكست طبيعة العلاقة القديمة، تبادل العميد صعب وفضل شاكر النّظرات والتحية داخل القاعة، ما دفع رئيس المحكمة العسكريّة العميد وسيم فياض لمقاطعتهما بحزم: "أنتما في محكمة، تسلّم عليه في الخارج وليس هنا". فردّ العميد صعب بتلقائيّة "ابن الأرض": "الزّلمة صاحبنا ومنعرفو من زمان".
شاهد المرافقة وإرجاء الجلسة
لم تقتصر الشهادات على "العمداء الثّلاثة". إذ استمعت المحكمة إلى الشاهد الفلسطينيّ محمد علي الأسدي (أحد مرافقي شاكر السابقين)، الذي أكد بدوره المؤكد: "لم أرَ فضل شاكر سوى مرة واحدة، وكنت أتلقى الأوامر وأتبع تنظيمياً لعبد الرحمن شمندر وليس لفضل".
أمام هذا الدفق من الشهادات العسكرية الرفيعة التي جففت "بحر التهم" المحيط بفضل شاكر، وحولته من مقاتل مفترض إلى ضحية صراع ميداني داهمه قبل إتمام تسويته، رفعت المحكمة العسكرية الجلسة إلى 23 حزيران المقبل لمتابعة المراحل المتبقية.
في المقابل، برز دور ممثل النيابة العامة القاضي نضال الشاعر الذي استغل كل الافادات التي وضعت أمام المحكمة العسكرية لطرح أسئلة عديدة على العمداء والتدقيق في كل أقوالهم، في محاولة لربط الروايات ببعضها، وللاستفسار بشكل واضح عن بداية أحداث عبرا وعن دور شاكر آنذاك. إذ تعمد الشاعر طرح عشرات الأسئلة خلال جلسة المحاكمة كي ترسم الصورة أمامه بشكل واضح.
جلسة "العمداء الثلاثة" لم تكن مجرد محاكمة لفنان؛ بل أصبحت، في عمقها، وثيقة إدانة لظروف المعركة التي استُعجلت، وشهادة رسمية من قلب المؤسسة العسكرية تنزع عن فضل شاكر صفة "الإرهاب"، بانتظار أن تترجم المحكمة هذه الوقائع في حكمها النهائي المنتظر.




