الحرب لا تقتل الناس فقط.هذا تعريفها الأكثر براءة. لأن القتل، على فظاعته، يبقى حدثاً محدوداً في الزمن. أما الحرب الحقيقية، فتبدأ بعد ذلك. تبدأ حين تنجح في الاستيلاء على الذين بقوا أحياء.فالحرب، تقتل ما هو أعمق من الجسد. تقتل خصوصية الإنسان، وحقه في أن يعيش حياته بعيداً عن سلطة الموت. تنتزع منه قدرته على أن يكون فرداً كاملاً، له خوفه الخاص، وحلمه الخاص، وذاكرته الخاصة. لكن مأساة لبنان أعمق من الحرب نفسها.
في لبنان، لا يموت القتلى مرة واحدة. الموتى هنا لا يغادرون أبداً. يبقون في السياسة، وفي اللغة، وفي الأغاني، وفي صور الشوارع، وفي خطب الزعماء، وفي ذاكرة كل طائفة. كل جماعة تحمل موتاها كهوية جماعية، كوثيقة شرعية، كقصة تأسيس. وجودها نفسه يحتاج دائماً إلى قبر قديم. لهذا، لا يولد اللبناني من رحم أمه فقط، يولد أيضاً من موتٍ سابق عليه.
يولد من مجزرة سمع عنها. من خوف جماعي موروث، من حكايات الدم القديمة، من صور رجال قُتلوا منذ عقود وما زالوا يحكمون الوعي الجماعي للأحياء. كل طائفة في لبنان لها موتاها الذين يحكمون الأحياء.شهداؤها، مذابحها، قبورها، أناشيدها، وصورها المعلقة على الجدران. لكل جماعة سرديتها الخاصة عن الألم، لكن أحداً لا يرى ألم الآخرين إلا باعتباره تهديداً لروايته الخاصة.
الموتى هنا لا يُدفنون فعلاً.يخرجون في كل أزمة، وفي كل خطاب، وفي كل توتر أمني. تُستعاد صورهم القديمة، وتُفتح المقابر الرمزية من جديد، كأن البلاد لا تستطيع أن تخطو خطوة واحدة نحو المستقبل من دون أن تمر أولاً فوق جثثها القديمة. الزعماء يحكمون باسم الموتى. باسم الشهداء، والضحايا، والمجازر، والمخاوف الجماعية. كل زعيم يحتاج إلى قبر كي يبرر سلطته، وكل طائفة تحتاج إلى ذاكرة دامية كي تحافظ على تماسكها الداخلي. لهذا يبدو البلد كله كأنه يعيش داخل مقبرة كبيرة. الموتى هم الذين يحددون شكل الحياة التي يجب أن نعيشها.هم الذين يرسمون حدود الخوف، وحدود الكراهية، وحدود الانتماء. هم الذين يقررون من نخاف، ومن نحب، ومن نسامح، ومن نبقى مستعدين لقتاله إلى الأبد.
وهنا تحديداً يكمن انتصار الحرب الحقيقي علينا. ليس لأنها قتلت كثيرين فقط، بل لأنها نجحت في هزيمتنا من الداخل. جعلتنا شعوباً ترتاب من بعضها البعض، وتعيش داخل قلق دائم، كأن المجزرة التالية ليست احتمالاً، بل موعداً مؤجلاً. هزمتنا حين أقنعت كل جماعة أن خلاصها لا يكون إلا بالخوف، وبالطائفية المسلحة بالحقد والذاكرة والدم. الحرب لم تنتصر لأنها هزمت عدواً. انتصرت حين جعلتنا أسرى لموتانا. انتصرت حين جعلتنا نخاف من تخيل الحياة مع الأحياء.




