قبل أقلّ من 72 ساعة على انطلاق الجولة العسكريّة الحسّاسة في البنتاغون، تكتمل ملامح مفارقة صادمة في المشهد اللبناني، إذ ستُدار جولات التفاوض تحت مظلّة "هدنة افتراضيّة"، بينما تغلي التقارير والمعطيات العسكريّة الإسرائيليّة بوقائع حرب استنزاف شاملة تتأهّب للتدحرج نحو تفجير برّي وجوّي واسع النطاق يتجاوز الخطوط الحمر التقليديّة.
ووفق هيئة البثّ الإسرائيليّة الرسميّة، انتقلت قيادة الجيش الإسرائيلي من التموضع الدفاعي في المناطق التي تمركزت فيها في الحرب الأخيرة، إلى اتّخاذ إجراءات هجوميّة متقدّمة على الأرض. وبدأت المؤسّسة العسكريّة استدعاءً فوريًّا لجنود الاحتياط الذين سُرّحوا أخيرًا، بهدف توسيع نطاق العمليّات العسكريّة عبر خط وقف النار.
ووفقًا للقناة 15 الإسرائيليّة، يشنّ هذا الجيش بالفعل عمليّات توغّل واجتياحات برّيّة نشطة شمال "الخط الأصفر" في الجنوب اللبناني، بذريعة تدمير شبكات الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله، ما يعني عمليًّا سقوط المفهوم الجغرافي للهدنة على المستوى الميداني، وهو ما أكّدته القناة 12 بعد الظهر بإشارتها إلى تجاوز العمليّات "الخط الأصفر".
وجاءت هذه التطوّرات استجابةً لضغوط حادّة وانتقادات وجّهها وزراء اليمين المتطرّف ورئيس الأركان، إيال زامير، وأركان القيادة الشماليّة خلال جلسات المجلس الوزاري المصغّر "الكابينت"، إذ يواجه الجيش الإسرائيلي إرباكًا متزايدًا جرّاء ضربات الطائرات الانتحاريّة والعبوات الناسفة التي أسفرت عن مقتل 11 جنديًّا، حيث اعتبر زامير أنّ الردّ الحالي "ضئيل" وأنّ حرّيّة عمل القوّات كُبّلت بسبب الخشية من تخريب مفاوضات واشنطن.
وقد حدّد رئيس الأركان قاعدة الردّ الاستراتيجي علنًا بالقول: "إنّ مباني في بيروت يجب أن تُستهدف ردًّا على تهديد مسيّرات حزب الله"، وهو ما يهدّد برفع الحصانة الجويّة والأمنيّة التي حظيت بها الضاحية الجنوبيّة، وربّما عمق العاصمة، على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية.
إذًا، ينطلق الوفد اللبناني العسكري بمفاوضاته في البنتاغون غدًا الجمعة وسط مناخات إسرائيليّة محتقنة، ويبدو لبنان أمام استحقاق شديد الخطورة. فإسرائيل تستخدم الدبلوماسيّة الأميركيّة كغطاء زمني لإعادة تجميع قوّاتها واستدعاء احتياطها، بينما يتحرّك جيشها شمال الخط الأصفر ممهّدًا الأرض لتوسيع رقعة السيطرة. والتهديد المباشر الصادر عن رئيس الأركان بضرب قلب بيروت يوضح أنّ الجانب الإسرائيلي لم يعد يتحمّل قواعد الاشتباك الحاليّة، وأنّ طاولة المفاوضات في واشنطن لن تكون على الأرجح مكانًا لإبرام تسوية بالتراضي، بل منصّة لإبلاغ لبنان بـ"دفتر الشروط الأخير".
الهدنة كقناع للحرب
ليست المسألة، في جوهرها، خلافًا تقنيًّا حول تفسير وقف إطلاق النار، بل صراعًا على تعريف المرحلة نفسها. فإسرائيل تتعامل مع الهدنة بوصفها إطارًا سياسيًّا يمنحها هامشًا واسعًا للحركة العسكريّة، لا التزامًا متبادلًا بوقف النار. وهذا ما يجعل عبارة "وقف إطلاق النار" أقرب إلى غطاء دبلوماسي لحرب مفتوحة، يجري ضبط إيقاعها بحسب الحاجة الإسرائيليّة، وبحسب مستوى الضغط الأميركي على بيروت.
في المقابل، تبدو واشنطن كمن يدير التفاوض لا لإنتاج تهدئة حقيقيّة، بل لترتيب شروط ما بعد التصعيد. فالاجتماعات العسكريّة المرتقبة في البنتاغون لا تُعقد في فراغ، بل تحت ضغط ميداني إسرائيلي متصاعد، وتحت تهديد مباشر بأنّ الفشل في تقديم أجوبة لبنانيّة عمليّة سيُترجم توسيعًا للنار. بهذا المعنى، لا تصبح الدبلوماسيّة بديلًا من الحرب، بل إحدى أدواتها.
تدرك إسرائيل أنّ عجزها عن الحسم السريع في لبنان بات مشكلة سياسيّة وعسكريّة في آن. فعمليّات المقاومة، ولا سيّما المسيّرات والعبوات، تجاوزت أثرها التكتيكي إلى وظيفة استنزافيّة أعمق. فهي تضرب صورة الردع الإسرائيلي، وتربك الجبهة الشماليّة، وتضغط على قيادة الجيش التي تجد نفسها أمام معادلة غير مريحة: لا تستطيع إعلان الحرب الشاملة بلا ثمن، ولا تستطيع الاكتفاء بردود محدودة بلا كلفة داخليّة.
من هنا يأتي اندفاع القيادة العسكريّة إلى المطالبة بـ"كسر المعادلة". فمقتل الجنود الإسرائيليّين لم يعد يُقرأ داخل تل أبيب كحادث أمني منفصل، بل كعلامة على أنّ حزب الله قادر على إدارة حرب منخفضة الوتيرة تُنهك إسرائيل من دون أن تمنحها ذريعة دوليّة كافية لحرب واسعة. لذلك، يريد رئيس الأركان إيال زامير نقل الردّ من الجغرافيا الحدوديّة إلى العمق اللبناني، بما في ذلك بيروت والضاحية، لا فقط لمعاقبة الحزب، بل لإعادة إنتاج ميزان رعب جديد.
نتنياهو يبحث عن تعويض لبناني
في الخلفيّة السياسيّة، تبدو حسابات بنيامين نتنياهو أكثر تعقيدًا. فالرجل المحاصر داخليًّا لا يستطيع إغلاق الحروب بسهولة، لأنّ وقفها بلا "إنجاز" سيُعيد فتح ملفّ إخفاقه أمام الرأي العام الإسرائيلي. لذلك، يضغط باتّجاه إبقاء الجبهة اللبنانيّة خارج أيّ تسوية إقليميّة محتملة، ولا سيّما إذا تقدّم المسار الأميركي الإيراني نحو تفاهم ما.
ووفق ما نُقل عن موقع "والا"، فإنّ نتنياهو يضغط لاستبعاد لبنان من بنود أيّ اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، في رسالة واضحة: إسرائيل تريد الاحتفاظ بحرّيّة العمل العسكري في لبنان، بمعزل عن أيّ تفاهمات أوسع. وهذا يعني أنّ تل أبيب لا تريد هدنة شاملة، بل تريد اتفاقًا يقيّد خصومها ولا يقيّدها. إنها معادلة انتقائيّة تمنح إسرائيل حقّ الضرب، وتطلب من لبنان واجب الضبط.
الأخطر أنّ إسرائيل لا تكتفي بالمطالبة بحرّيّة الحركة الجويّة والبرّيّة، بل تصرّ، بحسب التسريبات، على إبقاء وجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانيّة المحتلّة بعمق يتراوح بين 7 و8 كيلومترات. وهذا ليس تفصيلًا ميدانيًّا، بل محاولة لترسيم أمر واقع أمني جديد، يحوّل الجنوب إلى منطقة عازلة بحكم القوّة، ويعيد إنتاج الاحتلال تحت عنوان "منع التهديد".
حزام النار ورسالة بيروت
الغارات التي طاولت مشغرة والنبطيّة وصور وبنت جبيل ومرجعيون وكفر رمان وعربصاليم وشحور وياطر وحداثا وجبال البطم لا يمكن فصلها عن هذا السياق. فالحزام الناري حول مشغرة، والحزام المشابه في النبطيّة، والقصف المدفعي لبلدات صريفا وبرج قلاوية، ليست مجرّد ردود ميدانيّة على عمليّات محدّدة، بل رسائل ضغط متدرّجة، هدفها رفع الكلفة على البيئة اللبنانيّة كلّها.
عندما يقول نتنياهو إنّه أصدر أوامره للجيش بـ"زيادة سرعة وتيرة العمليّات وتكثيف الضربات وقوّتها"، فهو لا يخاطب حزب الله وحده. إنّه يخاطب واشنطن أيضًا، كي لا تفرمل التصعيد، ويخاطب الدولة اللبنانيّة كي تدرك أنّ التفاوض سيجري تحت النار، ويخاطب الداخل الإسرائيلي كي يثبت أنّ حكومته انتقلت من الاحتواء إلى المبادرة.
أما تصريحات بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، فهي تكشف المزاج السياسي الذي يدفع الجيش إلى الهجوم. فالدعوة إلى إسقاط "10 مبانٍ في بيروت" مقابل كلّ مسيّرة، أو إلى قطع الكهرباء عن لبنان والاستيلاء على نهر الزهراني، لا تعبّر فقط عن تطرّف لفظي، بل عن بيئة قرار تضغط لإسقاط أيّ قيود على استخدام القوّة.
واشنطن بين الوساطة والإنذار
الأميركيّون، في المقابل، يقدّمون أنفسهم وسطاء، لكنّهم يتصرّفون كمديري أزمة بشروط إسرائيليّة. فالتسريبات الأميركيّة التي تحمّل حزب الله مسؤوليّة استمرار التصعيد، وتربط التهدئة بخطوات لبنانيّة عمليّة لسحب السلاح، تؤشّر إلى أنّ البنتاغون لن يكون مجرّد غرفة نقاش أمني، بل مساحة ضغط مباشر على الدولة اللبنانيّة.
المطلوب أميركيًّا، وفق هذا المسار، ليس إعلانًا سياسيًّا عامًّا عن الالتزام بالقرار الدولي أو حصر السلاح بيد الدولة، بل آليّة تنفيذ واضحة، وغرفة تنسيق، وجدول عمل، وخطوات ميدانيّة. وهنا تكمن المعضلة اللبنانيّة. فالدولة مطالَبة بما يفوق قدرتها الداخليّة في لحظة انقسام سياسي عميق، وفي وقت تتحرّك فيه إسرائيل لفرض وقائع تجعل أيّ تفاوض أشبه بتفاوض تحت الإكراه.
تصريح رئيس الجمهوريّة جوزاف عون بأنّ "التفاوض لن يكون استسلامًا، بل تأكيدًا على سيادة لبنان وحصريّة السلاح بيد الجيش والقوى الشرعيّة"، يحاول رسم خطّ توازن دقيق بين رفض الإملاء الإسرائيلي وبين الإقرار بضرورة استعادة الدولة زمام القرار الأمني. لكنّ السؤال الحقيقي ليس في المبدأ، بل في القدرة على ترجمته من دون تفجير الداخل أو منح إسرائيل ذريعة إضافيّة للتوسّع.
لبنان في قلب المقايضة الإقليميّة
كلّ ذلك يجري على إيقاع مسار أميركي إيراني يُفترض أن يبحث خفض التصعيد في المنطقة. غير أنّ الصيغة المتداولة، أي "العمل على خفض التصعيد ووقف النار على كلّ الجبهات بما فيها لبنان"، تبدو مطّاطة بما يكفي كي تستخدمها كلّ جهة لمصلحتها. إيران ستعتبرها مدخلًا لشمول لبنان بالتهدئة، فيما ستقرأها إسرائيل كعبارة غير مُلزِمة تترك لها حقّ مواصلة الضربات تحت شعار "الدفاع عن النفس".
بهذا المعنى، يتحوّل لبنان إلى ساحة مزدوجة: ساحة تقاتل وساحة تفاوض. فالإسرائيلي يضغط بالنار ليحسّن شروطه، والأميركي يضغط بالدبلوماسيّة ليحصّل تنازلات، والإيراني يحاول إدخال لبنان في سلّة التفاهمات، فيما الدولة اللبنانيّة تتحرّك بين خطوط حمراء داخليّة وخارجية متشابكة.
الخطر الأكبر أنّ لبنان قد يدفع ثمن الاتفاق كما يدفع ثمن الخلاف. فإذا فشل المسار الأميركي الإيراني، قد يتحوّل الجنوب إلى ميدان تفجير أوسع. وإذا نجح المسار بصيغة غامضة، قد تستغلّ إسرائيل الالتباس لمواصلة عمليّاتها مع غطاء سياسي ناعم. وفي الحالتين، يبقى لبنان أمام اختبار سيادي غير مسبوق: كيف يفاوض تحت النار من دون أن يسلّم، وكيف يمنع الحرب الشاملة من دون أن يمنح الاحتلال حقّ تكريس وقائعه؟
الخلاصة أنّ "الخط الأصفر" لم يعد خطًّا عسكريًّا فحسب، بل صار عنوان المرحلة كلّها. إسرائيل تريد توسيعه جغرافيًّا وسياسيًّا، وواشنطن تدير المفاوضات فوقه، ولبنان يُدفع إلى الإجابة عن أسئلة وجوديّة تحت ضغط الوقت والنار. وما لم يتحوّل التفاوض إلى مسار يوقف العدوان فعلًا، لا يجمّله لغويًّا، فإنّ الهدنة ستبقى اسمًا مخادعًا لحرب تُدار بالتقسيط، وتُحضَّر لها جولة أشدّ قسوة.




