معركة لبنان الحضارية: الهوية والدولة والاغتراب!

زياد الصائغالاثنين 2026/05/25
حفل تضامني مع لبنان في معهد العالم العربي بباريس (Getty)
بُنيَ لُبنانُ على فكرةِ التَعدُديَةِ الحرَةِ (الصورة: حفل تضامني مع لبنان في معهد العالم العربي بباريس، Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليسَ ما يَعيشهُ لُبنانُ اليومَ أزمةً سياديّة عابرةً أو انهياراً بنيويّاً قابلاً للاحتواءِ ببعضِ التَّسوياتِ والإجراءاتِ الظرفيَّةِ. إنَّهُ في العمقِ اختبارٌ تاريخيٌّ لمعنى لُبنانَ نفسِهِ، ولموقعِهِ الحضاريِّ، ولقدرتهِ على البقاءِ نموذجاً للتَّعدُّديَّةِ، والحريَّةِ، والشَّراكةِ، والعيش المشترك، في منطقةٍ تتآكلُ فيها الدُّولُ تحتَ وطأةِ العصبيَّاتِ والانقساماتِ والحروبِ المفتوحةِ على كلِّ الاحتمالاتِ. ومن هنا، فإنَّ معركةَ استعادةِ دولةِ المواطنةِ الحرّة السَّيِّدةِ العادلةِ المُستقلَّةِ لا يُمكنُ أن تُختزلَ في تحرير السّيادة من الازدواجيّة، أو إعادةِ تكوينِ السُّلطةِ، أو إصلاحِ الإدارةِ أو إنقاذِ الاقتصادِ فقط، بل تَرتبطُ أيضاً بمعركةٍ أعمقَ وأشملَ تتمثَّلُ في صَونِ الهُويَّةِ اللُّبنانيَّةِ ثقافيّاً وحضاريّاً ووطنيّاً. 

 

لا تقومُ الدّولُ فقط على المؤسَّساتِ والقوانينِ والحدودِ، بل تقومُ أيضاً على معنى جامعٍ يُشكِّلُ روحَ الجماعةِ الوطنيَّةِ، وبنيَةَ الذّاكرة الجماعيّة. حينَ يتعرَّضُ هذا المعنى للتَّآكلِ أو التَّشويهِ أو التَّفكيكِ، تصبحُ الدَّولةُ نفسُها مُعرَّضةً للاهتزازِ مهما بَدَت مؤسَّساتُها قائمةً شكليّاً. من هنا، تَبرزُ خطورةُ المرحلةِ اللُّبنانيَّةِ الرَّاهنةِ، لأنَّ الأزمةَ لم تَعُد مرتبطةً فقط بخللٍ في السّيادة، بعجزٍ في الاقتصادِ، والتباسٍ في الدّستور، بل باتت تمسُّ صورةَ لُبنانَ في وعيِ بناته وأبنائِهِ، وفي وعيِ العالَمِ أيضاً.

لقد بُنيَ لُبنانُ تاريخيّاً على فكرةِ التَّعدُّديَّةِ الحرَّةِ، وعلى التَّفاعلِ بينَ الانتماءِ الوطنيِّ والتَّنوُّعِ الثَّقافيِّ والدِّينيِّ والإنسانيِّ. هذهِ الخصوصيَّةُ لم تكن يوماً نقطةَ ضعفٍ كما يروِّجُ البعضُ، بل شكَّلت أحدَ أهمِّ عناصرِ القوَّةِ الحضاريَّةِ التي ميَّزت لُبنانَ عن محيطِهِ. فالحريَّةُ فيهِ لم تكن مجرَّدَ شعارٍ سياسيٍّ، بل أسلوبَ حياةٍ، وثقافةَ انفتاحٍ، ومساحةَ إنتاجٍ فكريٍّ وإبداعيٍّ وإعلاميٍّ وأكاديميٍّ. لذلك، فإنَّ أيَّ مشروعٍ لإنقاذِ لُبنانَ لا يَضعُ حمايةَ هذهِ الهُويَّةِ في صُلبِ أولويَّاتِهِ، يَبقى مشروعاً ناقصاً وعاجزاً عن إعادةِ بناءِ الثِّقةِ الوطنيَّةِ الحقيقيَّةِ.

 

في هذا السِّياقِ تحديداً، تَتقدَّمُ الحاجةُ إلى رؤيةٍ وطنيَّةٍ جديدةٍ تَربطُ بينَ السِّياساتِ العامَّةِ، وبينَ البُعدِ الحضاريِّ للدَّولةِ. فالسِّياساتُ العامَّةُ لا تَعني فقط إدارةَ القطاعاتِ والخدماتِ والمواردِ، بل تَعني أيضاً إنتاجَ رؤيةٍ لهُويَّةِ المجتمعِ واتِّجاهِهِ ومستقبلِهِ. لذلك، فإنَّ بناءَ سياسةٍ ثقافيَّةٍ وطنيَّةٍ في لُبنانَ لم يَعُد ترفاً فكريّاً أو تفصيلاً ثانويّاً، بل أصبحَ ضرورةً سياديَّةً ترتبطُ بالأمنِ القوميّ نفسهِ. فحينَ تتراجعُ الثَّقافةُ الوطنيَّةُ الجامعةُ، تتقدَّمُ الثَّقافاتُ الانقساميَّةُ، والمشاريعُ المغلقةُ، والخطاباتُ التَّعبويَّةُ التي تُهدِّدُ مفهومَ الدَّولةِ ومعنى العيشِ المشتركِ.

من هنا أيضاً، تَبرزُ أهميَّةُ إعادةِ الاعتبارِ إلى مفهومِ الدِّبلوماسيَّةِ العامَّةِ كجزءٍ من معركةِ لُبنانَ الحضاريَّةِ. فالدِّبلوماسيَّةُ لم تَعُد محصورةً بالعلاقاتِ الرَّسميَّةِ بينَ الدُّولِ، بل أصبحت مرتبطةً بقدرةِ الأممِ على تقديمِ سرديَّتِها الحضاريَّةِ إلى الرَّأيِ العامِّ العالميِّ، وعلى بناءِ صورةٍ ذهنيَّةٍ إيجابيَّةٍ تُعبِّرُ عن قيمِها ورسالتِها. ولُبنانُ الذي لطالما شكَّل مساحةَ حوارٍ وثقافةٍ وحريَّةٍ، يحتاجُ اليومَ إلى خطابٍ وطنيٍّ حديثٍ يُعيدُ تعريفَهُ أمامَ العالمِ بوصفِهِ مشروعَ دولةٍ لا ساحةَ صراعاتٍ، ووطنَ تعدُّديَّةٍ لا منصَّةَ انقساماتٍ.

 

في قلبِ هذهِ المعركةِ، يَبرزُ الاغترابُ اللُّبنانيُّ كأحدِ أهمِّ عناصرِ القوَّةِ الاستراتيجيَّةِ للبنانَ المعاصرِ. هذا الاغتراب الاستثنائي الفاعِل ليسَ مجرَّدَ امتدادٍ بشريٍّ خارجَ الحدودِ، بل هو طاقةٌ حضاريَّةٌ واقتصاديَّةٌ وثقافيَّةٌ ودبلوماسيَّةٌ هائلةٌ قادرةٌ على الإسهامِ في استعادةِ صورةِ لُبنانَ ودورِهِ. لقد استطاعَ اللُّبنانيُّونَ/ ات في الاغترابِ أن يَنجحوا في مختلفِ القارَّاتِ والمجالاتِ، وأن يُثبتوا قدرةً استثنائيَّةً على الاندماجِ والإبداعِ والتَّأثيرِ. غيرَ أنَّ التَّحدِّي اليومَ يَكمنُ في تحويلِ هذا الحضورِ العالميِّ إلى قوَّةِ دعمٍ منظَّمةٍ للقضيَّةِ اللُّبنانيَّةِ ولمنطقِ الدَّولةِ والسِّيادةِ والمؤسَّساتِ.

العالَمُ لا يَنظرُ فقط إلى لُبنانَ من خلالِ أزماتِهِ، بل أيضاً من خلالِ بناتِه وأبنائِهِ المنتشرينَ في الجامعاتِ، والشَّركاتِ، والمؤسَّساتِ العربيّة والدُّوليَّةِ، ووسائلِ الإعلامِ، ومراكزِ القرارِ. من هنا، فإنَّ بناءَ شراكةٍ وطنيَّةٍ حقيقيَّةٍ بينَ الدَّولةِ والاغترابِ يجبُ أن يتحوَّلَ إلى خيارٍ استراتيجيٍّ طويلِ الأمدِ، لا إلى مجرَّدِ استثمارٍ ظرفيٍّ في تحويلاتٍ ماليَّةٍ أو مواسمَ انتخابيَّةٍ. المطلوبُ اليومَ رؤيةٌ متكاملةٌ تعتبرُ الاغترابَ شريكاً في صناعةِ السِّياساتِ العامَّةِ وفي حمايةِ صورةِ لُبنانَ وفي إعادةِ تثبيتِ موقعِهِ الحضاريِّ العربيّ والدُّوليِّ.

 

إنَّ معركةَ لُبنانَ الحضاريَّةَ ليست مواجهةً ضدَّ أحدٍ، بل هي معركةٌ من أجلِ معنى لُبنانَ نفسِهِ. إنَّها معركةُ الدَّولةِ في مواجهةِ التَّفكُّكِ، ومعركةُ الثَّقافةِ في مواجهةِ الابتذالِ، ومعركةُ الإنسانِ في مواجهةِ اليأسِ، ومعركةُ السِّيادةِ في مواجهةِ الارتهانِ. ولذلك، فإنَّ استعادةَ الثِّقةِ بلبنانَ لا تبدأُ فقط بإصلاحِ المؤسَّساتِ، بل تبدأُ أيضاً بإعادةِ الإيمانِ بفكرةِ لُبنانَ وبقيمتِهِ الحضاريَّةِ ورسالتِهِ الإنسانيَّةِ. ولعلَّ أخطرَ ما يُواجهُهُ لُبنانُ اليومَ هو الاعتيادُ على الانهيارِ، والتَّكيُّفُ مع فقدانِ المعنى، والاستسلامُ لفكرةِ أنَّ هذا الوطنَ لم يَعُد قادراً على النُّهوضِ. غيرَ أنَّ تاريخَ لُبنانَ يُثبتُ أنَّ قوَّتَهُ الحقيقيَّةَ لم تكن يوماً في حجمهِ الجغرافيِّ أو في إمكاناتِهِ المادِّيَّةِ فقط، بل في قدرتِهِ الدَّائمةِ على إنتاجِ الحياةِ والفكرِ والحريَّةِ رغمَ كلِّ الأزماتِ.من هنا، فإنَّ حمايةَ الهُويَّةِ اللُّبنانيَّةِ تَتحوَّلُ اليومَ إلى مسؤوليَّةٍ وطنيَّةٍ جامعةٍ، لأنَّ الدُّولَ قد تُرمَّمُ مؤسَّساتُها خلالَ سنواتٍ، أمَّا إذا ضاعَ معناها الحضاريُّ، فإنَّ استعادتهُ تصبحُ أكثرَ صعوبةً وتعقيداً. ولذلك، فإنَّ مستقبلَ لُبنانَ يَرتبطُ بقدرتهِ على استعادةِ الدَّولةِ وعلى حمايةِ الهُويَّةِ معاً، كمسارٍ وطنيٍّ واحدٍ لا يَقبلُ الانفصالَ أو التَّجزئةَ.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث