منطقيًّا، يُفترض ألّا يُقرأ كلام وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو على أنّه تصريح هامشيّ في سجال لبنانيّ داخليّ. فهو لم يردّ فقط على الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، بعد تلويحه بحقّ الناس في النزول إلى الشارع وإسقاط الحكومة، بل أعلن انتقال واشنطن من موقع المراقب الضاغط إلى موقع الشريك المباشر في حماية الحكومة اللّبنانيّة ومنع "حزب الله" من كسرها.
البيان الذي لم يصدر
تقول مصادر دبلوماسيّة لـ"المدن" إنّ الأميركيّين كانوا ينتظرون من حزب الله موقفًا علنيًّا بعد المفاوضات الّتي جرت في واشنطن والّتي شارك فيها سيمون كرم. كان المطلوب، بحسب هذه المصادر، اتفاقًا يوافق بموجبه الحزب على وقف إطلاق النار، ثمّ يصدر بيانًا علنيًّا يتعهّد فيه بذلك.
عندها، كانت الاتصالات ستُستأنف مع لبنان، وكان التواصل مع حزب الله سيجري عبر الدولة اللبنانيّة. وهذا التفصيل هو الأهمّ. فواشنطن لم تكن تطلب وقف النار فقط، بل كانت تطلب أن يمرّ وقف النار عبر الدولة، وأن يظهر الحزب كمن يلتزم أمامها أو من خلالها، لا كمن يمنحها تفضّلًا عابرًا.
لكنّ حزب الله رفض إصدار بيانٍ علنيّ. طلب أن توقف إسرائيل إطلاق النار أوّلًا، على أن يلتزم هو لاحقًا من دون إعلان. ثمّ قُدّم عرضٌ آخر: يوقف الحزب إطلاق النار لمدّة أربعٍ وعشرين ساعة، ويُعلَن ذلك. غير أنّه لم يوافق أيضًا.
هنا يبدأ الاتّهام الأميركيّ بتقويض الاستقرار. فالاستقرار، كما تفهمه واشنطن، لا يعني هدوءًا مؤقّتًا على الجبهة فحسب. إنّه يعني أن يكون هناك طرف لبنانيّ رسميّ يستطيع أن يقول، وأن يلتزم، وأن يفاوض، وأن يُحاسَب. أمّا حين يبقى القرار معلّقًا بين إعلانٍ مرفوض والتزامٍ غير مُعلن، فإنّ الدولة تبقى ديكورًا، والتهدئة تبقى رهينة الطرف الأقوى.
هنا بدأت المشكلة. واشنطن لم ترَ في الرفض مجرّد تباين على التوقيت. رأت فيه رفضًا لإعطاء الدولة اللبنانيّة موقع المرجعيّة. ورأت فيه إصرارًا على أن يبقى قرار النار والتهدئة خارج المؤسّسات.
روبيو يردّ
شنّ روبيو هجومًا حادًّا على حزب الله. دان ما وصفه بالدعوة "المتهوّرة" إلى الإطاحة بالحكومة اللبنانيّة المنتخبة ديمقراطيًّا. وأكّد أنّ الولايات المتّحدة تقف بحزم إلى جانب الحكومة اللبنانيّة الشرعيّة.
قال إنّ حزب الله "تجاهل نداءات الحكومة اللبنانيّة باحترام وقف إطلاق النار". واتّهمه بأنّه "واصل إطلاق النار على المواقع الإسرائيليّة ونقل المقاتلين إلى الجنوب".
ثمّ ذهب إلى الخلاصة السياسيّة. الحكومة اللبنانيّة، في الرواية الأميركيّة، تعمل على التعافي وإعادة الإعمار وتأمين المساعدات. وحزب الله، في المقابل، يسعى إلى جرّ لبنان مجدّدًا نحو الفوضى والدمار.
الأهمّ كان التحذير. تهديدات الحزب بالعنف والإطاحة بالحكومة "لن يُسمح لها بأن تُكلَّل بالنجاح". أمّا العبارة الأشدّ وضوحًا فكانت أنّ "الحقبة التي كان يحتجز فيها حزب الله أمّة لبنان بأسرها كرهينة قد أوشكت على الانتهاء".
قاسم يُهدّد الحكومة
كلام روبيو جاء بعد رفع نعيم قاسم السقف. الأمين العام لحزب الله ربط أيّ نقاش في السلاح والاستراتيجيّة الدفاعيّة بوقف العدوان، وانسحاب إسرائيل بالكامل، وتحرير الأسرى، وعودة الأهالي.
رفض حصر السلاح بيد الدولة في هذه المرحلة. اعتبره مشروعًا إسرائيليًّا. ورفض المفاوضات المباشرة. وقال إنّ من حقّ الناس النزول إلى الشارع وإسقاط الحكومة إذا خضعت للمشروع الأميركيّ الإسرائيليّ، أو استهدفت مؤسّسات البلاد.
هذه الجملة الأخيرة كانت كافية كي تردّ واشنطن. فالأمر لم يعد خطابًا تعبويًّا. صار تهديدًا سياسيًّا مباشرًا للحكومة.
القرض الحسن
ليست المواجهة محصورة بالسلاح. المال جزء منها. بل قد يكون العلّة الأولى لها.
تتوقّع أوساط سياسيّة في حديثها لـِ"المدن"، أن تزيد واشنطن ضغوطها لإغلاق مؤسّسات ماليّة تابعة لحزب الله، ومنها مؤسّسات مرتبطة بـ"القرض الحسن". في المقابل، يتّجه الحزب إلى مزيد من التشدّد.
أمّا مصادر مقرّبة منه فتقول إنّ التهديد الذي ورد في كلام قاسم كان جدّيًّا. الحزب يعتبر "القرض الحسن" من المقدّسات التي لا يجوز المسّ بها، كالسلاح تمامًا. السبب واضح في حساباته. بعد تقييد أموال الناس في المصارف، تحوّل "القرض الحسن" إلى شبكة حماية لجمهوره، وإلى جزء من سلطته الاجتماعيّة.
لذلك، إذا طُرح الملفّ على طاولة الحكومة، فلن يسكت الحزب. هذه هي الرسالة.
المواجهة الآن أوضح. واشنطن تريد أن تمرّ التهدئة عبر الدولة. تريد إعلانًا علنيًّا. وتريد حكومة قادرة على الكلام باسم لبنان.
حزب الله يرفض أن يعطي هذا الاعتراف. يريد أن يفاوض بشروطه. وأن يلتزم بلا إعلان. وأن يُبقي السلاح خارج البحث. وأن يحمي "القرض الحسن" كما يحمي سلاحه.
لذلك لم يكن كلام روبيو تفصيلًا. كان إعلان مواجهة سياسيّة مباشرة. الولايات المتّحدة تقول إنّ الحكومة خطّ أحمر. وحزب الله يقول إنّ سلاحه ومؤسّساته خطّ أحمر.
بين الخطّين تقف الحكومة. إن تراجعت، خسرت ما بقي من هيبتها. وإن تقدّمت، فتحت الباب على الشارع.




