تسريبات واشنطن وتل أبيب: "ستاتيكو النار" في لبنان لن يتبدّل

مانشيت - المدنالاثنين 2026/05/25
Image-1779720670.Webp
لم يعد لبنان تفصيلًا جانبيًا في المشهد الإقليمي. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

عشيّة توجّه الوفد اللّبنانيّ المفاوض إلى واشنطن، اكتملت معالم الطّوق الأميركيّ، الإسرائيليّ حول القرار الرّسميّ في بيروت، وملامح الستاتيكو الذي سيحكم لبنان في المرحلة المقبلة، سواء تمّ الاتّفاق بين واشنطن وطهران أم تعطّل، وأيًّا كانت طبيعته. فالمعطيات التي جرى تسريبها اليوم عبر "واشنطن بوست" عن شكل الاتّفاق المنتظر، ومحاضر "الكابينت" الإسرائيليّ التي رشح فيها كلام بن غفير وسموتريتش وزامير، تضع لبنان أمام واقع جيوسياسيّ جديد عنوانه تفكيك الوضع الحاليّ لحزب الله، باعتباره شرطًا حتميًّا للعبور إلى "الشّرق الأوسط الجديد" الذي أعلن عنه ترامب مجدّدًا اليوم، كخيار "إلزاميّ"، كما قال، لجميع دول الشّرق الأوسط.

ويقول مسؤول أميركيّ لصحيفة "واشنطن بوست" إنّ اتّفاق الإطار المحتمل مع طهران لا يضمن مظلّة حماية للبنان، بل على العكس هو يُلزم إيران و"وكلاءها"، وفي مقدّمهم حزب الله، بوقف القتال كلّيًّا، لكنّه في المقابل يحتفظ بـ"استثناء استراتيجيّ" يضمن حقّ إسرائيل بالتّحرّك ضدّ ما تسمّيه "التّهديدات الوشيكة".

والنّتيجة الميدانيّة لهذا الاستثناء هي أنّ لبنان سيكون مشمولًا بالالتزامات، ولكن من جهة واحدة، أي بطلب كفّ يد الحزب، كما هو الواقع في هدنة الـ45 يومًا وقبلها، فيما إسرائيل تواصل استباحتها للبنان، ما يعني شرعنة استمرار الضّربات الدّمويّة المنظّمة في الجنوب والبقاع الغربيّ، ولو حتّى تحت مظلّة الاتّفاق الإقليميّ.

بل إنّ المداولات العنيفة التي دارت داخل "الكابينت" الإسرائيليّ المصغّر، والتي استمرّت حتّى ما بعد منتصف ليل أمس، توحي بأنّ القيادة في تل أبيب باتت تلوّح بالانتقال إلى مستوى تدميريّ أعلى يشمل بيروت، إذ يهدّد سموتريتش وبن غفير بتحديد قواعد اشتباك جديدة علنًا، تقوم على معادلة الرّدع التّدميريّ، أي الانتقال من الدّفاع إلى الهجوم الشّامل، حيث يُطرح قصف 10 مبانٍ في بيروت مقابل كلّ طائرة مسيّرة مفخّخة تدخل إسرائيل. وكذلك برزت الدّعوة الصّريحة إلى قطع الكهرباء عن لبنان كلّيًّا، والسّيطرة الميدانيّة على منشآت الزّهراني الحيويّة، والعودة إلى حرب تدميريّة مكثّفة لا تستثني العاصمة بيروت.

وهذا الوعيد هو في الواقع منصّة الضّغط الإسرائيليّ بالنّار، التي تواكب الطّاولة الدّبلوماسيّة، إذ سيجد الوفد اللّبنانيّ المفاوض نفسه، وهو يتوجّه غدًا إلى واشنطن، بلا أيّ أوراق قوّة أو هوامش للمناورة. وفي الشّرق الأوسط الذي يخطّط له ترامب يصبح تفكيك حزب الله هدفًا أميركيًّا مؤكّدًا، كما هو هدف إسرائيليّ، ما يعني أنّ التّفاوض عسكريًّا في البنتاغون وسياسيًّا في الخارجيّة الأميركيّة لن يكون مسارًا لتحسين شروط "المساكنة" بين الدّولة اللّبنانيّة والحزب، بل سيكون مطلوبًا منه خلق آليّة تنفيذيّة لإنهاء حالة حزب الله العسكريّة، إمّا بقرار تتولّاه الدّولة وتتحمّل مسؤوليّته، وإمّا بالنّار التي تتوثّب إسرائيل لتوسيعها وفرض وقائع جغرافيّة وبنيويّة جديدة في لبنان.

 

لبنان في عين المعادلة الجديدة

لم يعد لبنان تفصيلًا جانبيًّا في المشهد الإقليميّ. فالتّقاطع بين الميدان اللّبنانيّ، والمفاوضات الأميركيّة، الإيرانيّة، والحسابات الإسرائيليّة، يضعه في موقع الاختبار الأشدّ خطورة منذ سنوات. إيران تقول إنّ لبنان جزء من أيّ تفاهم، لكنّ واشنطن تتعامل معه بوصفه ملفًّا أمنيًّا قابلًا للفصل والتّفكيك، فيما تنظر إسرائيل إليه كساحة ضغط مفتوحة يمكن استخدامها لتحسين شروطها في التّفاوض والحرب معًا.

المفارقة أنّ لبنان، وهو يدخل مرحلة تفاوضيّة جديدة، لا يبدو مالكًا لمفاتيحها. فالدّولة تحاول تثبيت حقّها في السّيادة والانسحاب الإسرائيليّ الكامل، لكنّها تواجه معادلة قاسية: حزب الله يرفض التّفاوض المباشر مع إسرائيل ويعتبره مكسبًا لها، وواشنطن تضغط باتّجاه ترتيب أمنيّ جديد، وإسرائيل ترفع سقف التّهديد لتقول إنّ أيّ تسوية لا تقيّد الحزب عسكريًّا ستكون مؤقّتة وقابلة للانفجار.

الدّعوات الإسرائيليّة إلى قصف مبانٍ في الضّاحية الجنوبيّة وبيروت وصور ليست مجرّد خطاب انتخابيّ أو مزايدة يمينيّة داخل "الكابينت". إنّها، سياسيًّا، محاولة لصناعة سقف تفاوضيّ جديد. حين يقول سموتريتش إنّ "مقابل أيّ مسيّرة متفجّرة يجب أن تسقط عشرة مبانٍ في بيروت"، فهو لا يوجّه رسالة إلى حزب الله وحده، بل إلى واشنطن وبيروت وطهران في آن واحد.

يريد اليمين الإسرائيليّ تحويل المسيّرات إلى ذريعة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك. فبدل أن تبقى المواجهة محصورة بالحدود والعمق الجنوبيّ، يجري التّلويح بنقلها إلى العاصمة والمنشآت الحيويّة. أمّا كلام بن غفير عن قطع الكهرباء واحتلال الزّهراني، فيكشف أنّ جزءًا من العقل الأمنيّ الإسرائيليّ يريد الانتقال من سياسة الضّربات الموضعيّة إلى سياسة كسر البنية التّحتيّة للدّولة، لا للبنية العسكريّة للحزب فقط.

في هذا المعنى، التّهديد لا يهدف إلى الرّدع فحسب، بل إلى إحراج الدّولة اللّبنانيّة أمام خيارين أحلاهما قاسٍ: إمّا أن تتحمّل كلفة ضبط حزب الله، وإمّا أن تتحمّل كلفة الضّربات الإسرائيليّة المفتوحة.

 

واشنطن تمسك الإيقاع وتوزّع الأدوار

الأخطر في ما رُشّح من داخل إسرائيل ليس فقط تهديدات الوزراء والجنرالات، بل الاعتراف بأنّ واشنطن "تُملي جدول الأعمال". هذا الكلام يكشف أنّ هامش إسرائيل في لبنان، رغم اتّساعه النّاريّ، لا يزال مربوطًا بالإيقاع الأميركيّ. غير أنّ هذا لا يعني حماية لبنان، بل يعني أنّ التّصعيد سيبقى مضبوطًا بما يخدم الهدف الأميركيّ الأكبر: فرض معادلة أمنيّة جديدة لا تسمح بعودة حزب الله إلى وضع ما قبل الحرب.

من هنا يصبح اجتماع واشنطن، بما فيه المسار العسكريّ في البنتاغون والسياسيّ في الخارجيّة الأميركيّة، أكثر من لقاء تقنيّ. إنّه محاولة لترجمة ميزان القوى الجديد إلى آليّات تنفيذ: انتشار، مراقبة، ضمانات، وربّما تفويض أوسع للجيش اللّبنانيّ في مناطق حسّاسة. لكنّ السّؤال الذي يلاحق بيروت هو: هل تستطيع الدّولة أن تدخل هذا المسار من موقع صاحب القرار، أم ستُدفع إلى تنفيذ ما يُقرَّر فوق رأسها؟

 

حزب الله بين وحدة الجبهة وضغط الدّولة

في المقابل، يصرّ حزب الله، عبر أمينه العام نعيم قاسم، على رفض المفاوضات المباشرة، معتبرًا أنّها "مكسب خالص لإسرائيل". هذا الموقف ينسجم مع منطق الحزب في ربط الجبهة اللّبنانيّة بالمواجهة الإقليميّة، لكنّه يفتح اشتباكًا داخليًّا مع الدّولة التي تقول إنّ التّفاوض ليس تنازلًا، بل وسيلة لاستعادة السّيادة وتثبيت الانسحاب.

هنا تكمن العقدة الأساسيّة: حزب الله يعتبر أنّ سلاحه جزء من توازن إقليميّ، والدّولة مطالبة أميركيًّا وإسرائيليًّا بأن تحوّله إلى ملفّ داخليّ قابل للمعالجة. وبين الرّؤيتين، يتوسّع الفراغ السّياديّ. فلا الحزب قادر على حماية لبنان من الضّربات الإسرائيليّة الشّاملة، ولا الدّولة قادرة بعد على فرض قرار الحرب والسّلم. ولذلك تبدو المرحلة المقبلة أقلّ ارتباطًا بالشّعارات، وأكثر ارتباطًا بميزان القدرة على القرار والتنفيذ.

 

الرّئاسات الثلاث: سيادة بلا أوهام

في ذكرى "المقاومة والتّحرير"، حاولت الرّئاسات اللّبنانيّة الثّلاث إعادة تثبيت لغة وطنيّة جامعة. رئيس الجمهوريّة جوزاف عون شدّد على أنّ لبنان لن يقبل الاحتلال المتجدّد، وأنّ خيار التّفاوض ليس استسلامًا، بل تأكيد لحصريّة السّيادة وبسط سلطة الجيش والقوى الشّرعيّة. هذه العبارة تبدو مفتاح المرحلة: لا عودة إلى واقع الاحتلال، ولا قبول باستمرار ازدواجيّة القرار الأمنيّ.

رئيس مجلس النّواب نبيه برّي اختار خطاب الوحدة، محذّرًا من خطاب الكراهية والفتنة، ومؤكّدًا أنّ حماية التّحرير أصعب من إنجازه. أمّا رئيس الحكومة نواف سلام، فاختصر المزاج الرّسميّ بالقول إنّ العيد لا يكتمل قبل الانسحاب الإسرائيليّ الكامل وعودة الأهالي إلى أرضهم بكرامة.

هذه المواقف تعكس تقاطعًا سياسيًّا مهمًّا، ولو كان هشًّا: الجميع يريد الانسحاب الإسرائيليّ، والجميع يتحدّث عن السّيادة، لكنّ الخلاف الحقيقيّ يبدأ عند سؤال الوسيلة. هل تكون السّيادة عبر الدّولة وحدها؟ أم عبر معادلة تجمع الدّولة والمقاومة؟ أم أنّ الحرب الأخيرة أنهت قدرة هذه المعادلة على الاستمرار بالشّكل القديم؟

 

واشنطن ليست ضمانة مجّانيّة

خيبة بيروت من تعثّر إعلان "اتّفاق النّوايا" بين إيران وواشنطن تكشف حجم الرّهان اللّبنانيّ على تسوية لا يصنعها. فقد تلقّى لبنان إشارات بأنّه سيكون بندًا في أيّ تفاهم، لكنّ البند لا يعني بالضّرورة ضمانة. قد يكون لبنان حاضرًا في الاتّفاق بوصفه ملفّ تهدئة، لا ملفّ حماية. وقد يكون مطلوبًا منه تنفيذ التزامات أمنيّة، من دون أن يحصل في المقابل على وقف مضمون للاعتداءات الإسرائيليّة.

هذا هو جوهر الخطر في "الاستثناء الاستراتيجيّ" الإسرائيليّ: أن يلتزم لبنان بسقف معيّن، بينما تحتفظ إسرائيل بحقّ تفسير "التّهديد الوشيك" كما تشاء. عندها يصبح وقف النّار صيغة غير متوازنة، تُقيّد طرفًا وتُطلق يد طرف آخر.

لبنان يقف الآن أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: من يملك قرار المرحلة المقبلة؟ الوفد المتوجّه إلى واشنطن سيحمل مطالب الانسحاب ووقف الاعتداءات وتثبيت الاستقرار، لكنّه سيجد أمامه دفتر شروط أوسع يتعلّق بسلاح حزب الله، وانتشار الجيش، وضمانات الحدود، ومنع إعادة بناء القدرات العسكريّة جنوبًا وربّما أبعد من الجنوب.

في المقابل، إسرائيل ستستخدم تهديداتها كورقة ضغط، والولايات المتّحدة ستسعى إلى إخراج صيغة قابلة للبيع إقليميًّا، وإيران ستفاوض على موقعها ونفوذها لا على لبنان وحده. أمّا بيروت، فستكون مطالبة بأن تثبت أنّها دولة لا ساحة، وأنّها تستطيع تحويل شعار السّيادة إلى قرار، لا إلى بيان.

الخلاصة أنّ لبنان يدخل لحظة حاسمة لا تشبه ما قبلها. فالمطلوب منه، خارجيًّا، إنهاء الحالة العسكريّة لحزب الله أو ضبطها جذريًّا. والمطلوب منه، داخليًّا، منع الانفجار الأهليّ وحماية الجنوب واستعادة الأرض. وبين هذين المطلوبين، لا يكفي الخطاب. المطلوب قرار وطنيّ صعب، يوازن بين منع الحرب ومنع الاستسلام، وبين حماية السّيادة وحماية البلد من أن يتحوّل مجدّدًا إلى ساحة تصفية حسابات في "الشّرق الأوسط الجديد".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث