لم يكن الاتفاق السعودي-الإيراني الذي رعته الصين عام 2023 حدثًا ديبلوماسيًا عابرًا، بل بدا منذ اللحظة الأولى كأنه إعلانٌ هادئ عن دخول بكين إلى قلب التوازنات الشرق أوسطية، ولكن بطريقة تختلف جذريًا عن النموذج الأميركي التقليدي.
فالولايات المتحدة دخلت المنطقة لعقود عبر القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية والعقود النفطية مقابل الحماية والحروب. أمّا الصين، فتدخلها من بوابة مختلفة: التجارة، والطاقة، والموانئ، والممرات الاقتصادية، ومحاولة منع الانهيار الشامل الذي قد يهدد هذه الشبكة كلها.
ومع الحرب الأخيرة على إيران، بدا واضحًا أن بكين تنظر إلى ما يجري في المنطقة بقلقٍ يتجاوز التعاطف السياسي أو الحسابات الديبلوماسية المعتادة. فالصين تدرك أن أي انفجار كبير في الخليج لن يهدد إيران والخليج برمّته والملاحة البحرية فقط، بل سيصيب في العمق مشروعها الاقتصادي العالمي الصاعد.
من هنا، لم يكن تحركها بعد الحرب مجرد دعوات تقليدية إلى التهدئة، بل ظهر كأنه محاولة لحماية مسارٍ كامل كانت قد استثمرت فيه سياسيًا واستراتيجيًا: مسار خفض التوتر بين طهران والرياض، ومنع تحوّل الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
لهذا السبب أيضًا، بدأت تتكاثر الأحاديث عن دور صيني غير مباشر -عبر باكستان، وعُمان، وقنوات خلفية متعددة- في إبقاء خطوط التواصل قائمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو على الأقل في منع انهيار فرص التفاوض بالكامل.
وقد تبدو هذه التحركات متفرقة ظاهريًا، لكنها تصبح أكثر وضوحًا حين تُربط بالمشروع الجيوسياسي الصيني الأوسع في المنطقة.
من بحر الصين إلى الخليج
فالصين لا تبني علاقات سياسية فقط، بل تعيد بهدوء رسم جغرافيا استراتيجية تمتد من بحر الصين إلى الخليج وشرق المتوسط.
في هذا السياق، يبرز ميناء غوادار Gwadar الذي تطوره الصين في باكستان باعتباره أكثر من مجرد مشروع اقتصادي. فالميناء الواقع قرب مضيق هرمز يشكل إحدى أهم حلقات "الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني" ضمن مشروع "الحزام والطريق"، ويمنح بكين منفذًا استراتيجيًا على بحر العرب يخفف من اعتمادها الكامل على المسارات البحرية التقليدية.
صحيح أن الحديث عن تحوّل غوادار إلى بديل مباشر لميناء جبل علي في دبي يبقى مبالغًا فيه إلى حد كبير، فدبي لا تزال تتفوّق بفارق واسع في البنية اللوجستية والمالية والاستقرار التشغيلي. لكن أهمية غوادار الحقيقية لا تكمن في حجمه الحالي، بل في وظيفته المستقبلية داخل شبكة النفوذ الاقتصادي الصينية.
فبكين لا تنظر إلى الشرق الأوسط كملف منفصل عن جنوب آسيا، بل كساحة جيوسياسية مترابطة تبدأ من بحر الصين والمحيط الهندي، مرورًا بباكستان وبحر العرب والخليج، وصولًا إلى شرق المتوسط. وفي ظل التقارب المتزايد بين الهند وإسرائيل والولايات المتحدة، تبدو الصين أكثر حرصًا على تثبيت شبكة توازنات مقابلة، قوامها باكستان، والانفتاح على إيران، والحفاظ على الاستقرار مع المملكة العربية السعودية.
وخلال التوترات الهندية-الباكستانية الأخيرة، برز مجددًا الحضور العسكري الصيني غير المباشر عبر اعتماد إسلام آباد المتزايد على أنظمة وتسليح صينية متطورة، في وقت يتعمق فيه التعاون الدفاعي والتكنولوجي بين نيودلهي وتل أبيب. وضمن هذا المشهد الأوسع، لا يبدو التحرك الصيني بين طهران والرياض منفصلًا عن حسابات الطاقة فقط، بل أيضًا عن التوازنات البحرية والاستراتيجية الممتدة من الخليج إلى بحر العرب.
قمة ترامب – شي: الخليج يدخل قلب التنافس العالمي
تدرك بكين أن أمن الطاقة لم يعد مجرد مسألة شراء نفط، بل حماية طرق عبوره أيضًا. ولعل قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ الأخيرة في بكين عكست هذا التحول بوضوح. فرغم غياب الاختراقات الكبرى، بدا أن الملف الإيراني وأمن مضيق هرمز حاضرين بقوة في النقاشات الأميركية-الصينية، إلى جانب التجارة والذكاء الاصطناعي وتايوان. وقد أظهرت القمة أن بكين لم تعد تتعامل مع استقرار الخليج بوصفه شأنًا إقليميًا بعيدًا، بل كجزء مباشر من أمن الاقتصاد الصيني نفسه.
كما بدا واضحًا أن الصين تسعى إلى تثبيت موقعها ليس فقط كشريك تجاري للولايات المتحدة، بل كقوة مساهمة في إدارة التوازنات الدولية ومنع الانفجار في الممرات الحيوية للاقتصاد العالمي.
كما تدرك أن نجاح "الحزام والطريق" يحتاج إلى شرق أوسط قابل للحياة، لا إلى منطقة تعيش على إيقاع الحروب المفتوحة والانهيارات المستمرة.
ومن هنا، يصبح الاتفاق السعودي-الإيراني جزءًا من رؤية أوسع، لا مجرد وساطة ظرفية. فالصين لا تريد أن ترث الولايات المتحدة كشرطي عسكري للخليج، لكنها تريد منع انهيار البيئة الاستراتيجية التي تحتاجها تجارتها واستثماراتها وممراتها البحرية.
ويزداد هذا التحول أهمية مع تزايد النقاش داخل الولايات المتحدة نفسها حول حدود القوة العسكرية الأميركية في الخليج بعد الحرب مع إيران. فالتقييمات الجديدة للأضرار، وحجم الضربات الإيرانية على البنية التحتية والقواعد والممرات البحرية، دفعت كثيرين في واشنطن إلى إعادة طرح سؤال أساسي: هل لا تزال القوة الجوية والبحرية الأميركية قادرة وحدها على إنتاج هيمنة سياسية مستقرة في الخليج؟
وقد لا تكون أخطر نتائج الحرب حجم الدمار المباشر، بل التآكل التدريجي لصورة الردع الأميركي غير القابل للتحدي. فحين تبدأ دول الخليج نفسها بإعادة حساباتها، ويتحول الاحتواء وإدارة المخاطر إلى أولوية تتقدم على فكرة الحسم العسكري، تصبح الحاجة إلى التهدئة والتوازن أكثر إلحاحًا، ليس فقط بالنسبة إلى إيران أو دول الخليج، بل أيضًا بالنسبة إلى الصين التي بات أمن اقتصادها مرتبطًا مباشرة باستقرار هذه المنطقة.
الموانئ بدل حاملات الطائرات
وهنا تحديدًا يظهر الفرق العميق بين المقاربتين الأميركية والصينية. فالولايات المتحدة بنت نفوذها في الشرق الأوسط على الردع العسكري والتحالفات الأمنية الصلبة. أمّا الصين، فتحاول بناء نفوذها عبر ربط الاستقرار بالاقتصاد والبنية التحتية والمصالح المتبادلة.
لكن هذه المقاربة تحمل في داخلها تناقضًا أساسيًا. فكلما توسعت المصالح الصينية في المنطقة، ازدادت حاجة بكين إلى حماية الاستقرار الإقليمي، وكلما ازدادت هذه الحاجة، اقتربت الصين تدريجيًا من السياسة والأمن والصراعات التي حاولت طويلًا تجنب الانخراط المباشر فيها.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.
فالصين تريد شرق أوسط مستقرًا بما يكفي لحماية مصالحها، لكنها لا تريد دفع كلفة الاستقرار بالطريقة التي دفعتها الولايات المتحدة طوال عقود. تريد التأثير من دون احتلال، والنفوذ من دون قواعد عسكرية واسعة، والحضور من دون التورط الكامل في حروب المنطقة.
ومع ذلك، لا تبدو بكين مستعدة للذهاب بعيدًا في تحويل هذا الدور إلى تحالفات صلبة أو التزامات أمنية مباشرة. فالصين التي لم تتخلَّ عن إيران خلال الحرب، لم تتحول أيضًا إلى مظلة حماية عسكرية لها. وهي تحاول، حتى الآن، الحفاظ على توازن دقيق بين شراكتها مع طهران، وعلاقاتها الاقتصادية الضخمة مع الخليج، ورغبتها في تجنب مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.
لكن الشرق الأوسط نادرًا ما يسمح لقوةٍ كبرى بالبقاء مجرد شريك اقتصادي محايد. ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم ما إذا كانت الصين ستصبح لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، بل ما إذا كانت ستستطيع الحفاظ على دورها كقوة توازن وتهدئة، أم أنها ستجد نفسها، مع الوقت، مضطرة للدخول أعمق فأعمق في هندسة الأمن الإقليمي نفسه.
وربما هنا تحديدًا تبدأ المرحلة الجديدة في علاقة الصين بالشرق الأوسط: ليس بوصفها قوة تبحث عن الهيمنة، بل كقوة تخشى أن تؤدي الفوضى إلى تهديد المشروع العالمي الذي تبنيه بصمت منذ سنوات.




