في وثائق الاتصالات اللبنانية- الاسرائيلية، محضر جلسة بين الشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب ووزير الدفاع الإسرائيلي آرييل شارون، بعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل وانتخاب شقيقه أمين رئيساً للجمهورية. اللقاء عقد بعد أشهر من ولاية الرئيس الجديد وكانت الاتصالات مع الإسرائيليين تتم عبر الموفدين الأميركيين فيليب حبيب أو موريس درايبر مساعده. وهذا الأمر لم يرق للإسرائيليين، يريدون اتصالاً مباشراً مع الرئيس وحواراً مباشراً حول مستقبل العلاقة بين لبنان واسرائيل، منطلقين من قناعة أنهم ساعدوا بشيراً للوصول إلى الرئاسة، بعد أن ساعدوا حزبه والقوات اللبنانية في مراحل الحرب الأهلية، وعلى القاعدة ذاتها عبر "أمين" إلى الرئاسة مكان شقيقه. طبعاً كان ثمة مناخ داخلي لبناني وآخر خارجي ساعد كثيراً في وصوله.
شارون قال للشيخ بيار في اللقاء المذكور: "من دون اتفاق وإجراءات أمنية لن ننسحب. ويجب أن يكون اللقاء مباشراً مع الرئيس. هل يجوز بعد أشهر من انتخابه والتفاوض يتم بالواسطة من خلال الأميركيين؟ لعبتهم ليست لعبتنا. نريد اتصالاً مباشراً". أجاب الجميل الأب: "هذا يخرب لبنان الآن. وما كان يقوله أمين وهو قادر عليه قبل أن يصبح رئيساً لم يعد قادراً على فعله اليوم. وثمة خصوصية في لبنان نريد المحافظة عليها".
أجاب شارون: "إذا لم يحصل اللقاء سننسحب إلى الدامور. ومن الجبل. ولا يهمنا أي شيئ آخر! وسنقيم قوة عسكرية حول سعد حداد في الجنوب. ولدينا اتفاق مع "القوات اللبنانية". وإذا غيّرت رأيها والتزمت موقف الرئيس الجميل سنغيّر".
لم ينجح الشيخ بيار في إقناع شارون بخصوصية لبنان والشراكة مع المسلمين، وضرر اللقاء المباشر مع الرئيس الذي لا يستطيع أن يمرّر أي شيئ من دون رئيس الحكومة شفيق الوزان، وفي حال سقطت الحكومة، لا يمكن إيجاد شخصية سنية بديلة عنه. وهذا يعني "سينتهي لبنان". ردّ شارون: "قدمنا 500 قتيل و2500 جريح". فسأله الشيخ بيار: "هل تريد أن تنشأ حرب بيننا وبين المسلمين"؟ فردّ: "أتينا إلى لبنان ليكون حراً لا ليكون عبداً لعرفات أو العرب أو أي أحد آخر". فردّ الشيخ بيار: "ولكن لن يبقى لبنان. سيصبح إمارة لكم أو للعرب". قال شارون: "خرجنا من الحرب ضد المخربين وأعطينا فرصة للبنان بكلفة باهظة وتكادون تفقدون هذه الفرصة. الرئيس الذي يخشى الاتصال معنا لا يستحق أن يكون رئيساً"!
كان الضغط كبيراً والكلام قاسياً والتهديد واضحاً. ثمة إصرار على تفاوض مباشر مع الرئيس وليس ثمة اعتبار للمخاطر والأضرار بالنسبة لإسرائيل، هي التي قاتلت وضحّت وهيأت الظروف الملائمة لوصول بشير وأمين إلى سدة الرئاسة وعزّزت موقع القوات اللبنانية، وبالتأكيد هي لا تفعل شيئاً بالمجّان. الشيخ بيار ذكّر "ضيفه" بأن حزبه "قاتل وقدّم 5000 شهيد، ولا نريد أن نقطع العلاقة معكم". وعلّق على رفض التواصل من خلال الأميركيين: "كان ثمة رأي سائد أن إسرائيل هي ولاية أميركية" أما أنا فأقول: "أميركا هي ولاية اسرائيلية". بمعنى لا داعي لهذه المشكلة وأنتم الطرف الأقوى. مع ذلك كان إصرار من شارون: "لا نريد السعودية وأميركا وسيطين. والحوار لا يكون من خلال أحد من الدولتين. بل يكون مباشراً مع رئيس الجمهورية". وفي سياق الإشارة إلى التعقيدات التي واجهت الرئيس الجميل قال الشيخ بيار: "لقد كانت حساباتكم قائمة على أساس أنكم قادرون على حسم معركتكم خلال خمسة أيام فاستغرقت أسابيع". ليس ثمة شيئ يقنع شارون، الذي تحدث عن المتاعب التي يلاقيها في الداخل ويحمل وزرها وحيداً تقريباً.
إذا توقفنا عند ما تفعله إسرائيل مع لبنان، والضغط على المسؤولين، والإصرار على اللقاء المباشر، وتبسيط الأمور أنه بمجرد اللقاء مع الرئيس تحلّ كل المشاكل، وعدم الاكتراث لخصوصية لبنان الثابتة، لكن المهدّدة اليوم أكثر من الماضي، وتكرار القول: "نحن من خلّصكم وخلّّص العرب من الأعداء المشتركين"، لوجدنا أن لا شيئ تغيّر أو يتغّير في العقلية الاسرائيلية. إسرائيل هي إسرائيل. الفارق الوحيد "المخرّب" في نظر إسرائيل كان فلسطينياً، "الإرهابي" في نظرها اليوم والخطر المحدق بالجميع هو حزب الله. لكن هذا لبناني. وهنا خطأ حساب جديد: كان المتوقع إسرائيلياً حسم المعركة بسرعة على قاعدة ما أنجز في المرحلة الأولى من حرب "إسناد غزة" (شعار المعركة التي فتحها حزب الله)، لكن ما ظهر في الإسناد الثاني (إيران، بعد اغتيال مرشدها، وانتقاماً له) لا يزال يفاجئ إسرائيل، ولبنان يدفع الثمن، وأميركا تطلق يد نتانياهو وتترك البلد ملعباً له. أما المتغيّر الأكبر فهو في المنطقة من العراق إلى سوريا إلى حرب اليمن إلى موقف عربي مفكّك ورهانات عربية على إسرائيل واتفاقات إبراهيمية معها، وتطبيع بالعلن والسرّ، وتخلّ عن لبنان بسبب دور إيران في المنطقة وحزب الله في لبنان، مروراً بغيره في الجوار، إضافة إلى حرب الإبادة المفتوحة ضد الفلسطينيين من غزة إلى الضفة ومشروع "إسرائيل الكبرى"، حلم نتانياهو تحت شعار تغيير الشرق الأوسط كله.
الإنقسام في لبنان خطير، وإسرائيل أصرّت على التفاوض المباشر وحصلت عليه. والضغط لا يزال قائماً ليكون اللقاء مباشراً مع رئيس الجمهورية. وهذا لم يحصل بعد، والابتزاز مفتوح والشروط لا تنتهي والعنوان الثابت تماماً كما كان يقول شارون "إذا لم يكن اتفاق وإجراءات أمنية فلن ننسحب". وعملية التدمير الواسع المبرمج لقرى الجنوب وإقامة قواعد عسكرية ثابتة فيه وقتل كل عناصر الحياة على الأرض وممارسة العقاب الجماعي ضد الجنوبيين لمنعهم من العودة إلى ديارهم مستمرة.
العودة إلى تاريخ إسرائيل العدواني، ومحطات التفاوض معها، وأساليبها ومكرها ضرورية لمعرفة التعاطي معها. المشكلة ليست في التفاوض المباشر أو غير المباشر، عندما تكون الدولة -أي دولة- واثقة من نفسها، وجاهزة بفرق عمل قوية متماسكة تضم الخبراء والاختصاصيين وذوي الإرادات الصلبة. سوريا فاوضت إسرائيل مباشرة أكثر من مرة أيام حافظ الأسد وهو الذي كان أكثر تشدداً. حاورها ولم يوقّع اتفاقاً. لكن قبل وفاته أسرّ للأمير بندر بن سلطان الذي كان مواكباً المفاوضات، وبعد الجولة الأخيرة منها في جنيف مع الرئيس الأميركي السابق كلينتون، إثر تعثّر المفاوضات المباشرة فقال: "معروف عني يا بندر أنني ألتقط اللحظة أو الفرصة. لقد جاءتني الفرصة ولم ألتقطها". وكان ما كان بعده وما نحن عليه الآن. المقصود هنا ليست المشكلة في التفاوض، المشكلة في معرفة إدارة التفاوض والتقاط أي فرصة. أسئلة كثيرة تطرح اليوم حول المعرفة، الخبرة، وحدة الموقف والرؤية، وإدارة المعركة في ظل ميزان قوى مكسور لمصلحة اسرائيل، وأميركا ترامب تطلق يدها حتى الآن.
أكتب هذه الكلمات والعالم يحبس أنفاسه، يترقّب ما ستسفر عنه المفاوضات بين أميركا وإيران في ظل الحديث عن قرب إعلان اتفاق، وسيكون وقف إطلاق نار على كل الجبهات بما فيها لبنان، فهل سيُلزم ترامب إسرائيل به هذه المرة؟ وهل ستغيّر إسرائيل عاداتها؟ وهل سيستفيد لبنان المفاوض من التجارب السابقة معها لتحصين موقفه وموقعه؟




