في الوقت الذي يتصاعد فيه الحديث عن تطوّر محتمل في مسار الحرب بين إيران والولايات المتّحدة، وسط تأكيد إيرانيّ متكرّر أنّ لبنان بند أساسيّ في أيّ تفاهم أو وقف للحرب، تواصل إسرائيل، في المقابل، تصعيدها الميداني ورفع سقف مواقفها السّياسيّة، من دون أيّ مؤشّرات إلى خفض وتيرة التّصعيد.
وعلى العكس، برزت مواقف إسرائيليّة متشدّدة وصلت إلى حدّ التّهديد بضرب عشرة مبانٍ في الضّاحية الجنوبيّة لبيروت مقابل كلّ مسيّرة تُطلق على إسرائيل، في مؤشّر إلى اتّجاه إسرائيلي نحو توسيع دائرة الرّدود، وربط الجبهة اللّبنانيّة بمسار المواجهة الإقليميّة الأوسع.
دعوة إلى إسقاط مبانٍ في بيروت
في هذا الإطار، دعا وزير الماليّة الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، خلال اجتماع الكابينيت السّياسي الأمني، إلى قصف وتدمير مبانٍ في بيروت، ردًّا على المسيّرات المتفجّرة التي يطلقها حزب الله ضدّ القوّات الإسرائيليّة في جنوب لبنان، وعلى بلدات حدوديّة في شمال إسرائيل.
ونقل موقع "واينت" الإلكتروني عن سموتريتش قوله لرئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتنياهو، إنّه "يجب إسقاط عشرة مبانٍ في الضّاحية الجنوبيّة لبيروت ردًّا على أيّ مسيّرة".
كما نقل عن زامير قوله إنّه "ينبغي وضع معادلة أخرى تشمل أيضًا استهداف مبانٍ في بيروت وصور من أجل أن نردع".
نتنياهو يردّ على سموتريتش
وفي معرض ردّه على اقتراح سموتريتش، خاطبه نتنياهو قائلًا: "ماذا تقترح؟ أنّه في كلّ مرّة تكون طائرة مسيّرة نسقط عشرة مبانٍ؟ وعندما تكون مسيّرة في غزّة نسقط عشرة مبانٍ في غزّة؟ وعندما تكون مسيّرة في يهودا والسّامرة نسقط عشرة مبانٍ في يهودا والسّامرة؟ وعندما تطلق منظّمة إجراميّة مسيّرة نسقط عشرة مبانٍ في الرّملة؟".
وردّ سموتريتش قائلًا: "نعم، بشكل قاطع. في الحرب ينتصرون بالرّدع وجباية ثمن. وعدم الرّدّ هو عقليّة 6 أكتوبر"، في إشارة إلى ما قبل هجوم 7 أكتوبر 2023.
وأضاف: "ارسم لي أين تريد نصب شبكات دفاعيّة في سماء البلاد. فوق كفار سابا ورعنانا، أم فوق الرّملة واللّد فقط؟".
سموتريتش: لا دفاع بلا ثمن رادع
وكرّر سموتريتش موقفه خلال زيارة لوحدة "الإدارة المدنيّة" التابعة للاحتلال في الضفّة الغربيّة، قائلًا: "مقابل أيّ مسيّرة متفجّرة يجب أن تسقط عشرة مبانٍ في بيروت".
وأضاف أنّه "لا يتمّ الرّدّ على تهديد استراتيجي بدفاعات فقط، وإنّما بتغيير المعادلة"، معتبرًا أنّ إسرائيل لن تتمكّن من "مدّ شباك فوق دولة إسرائيل كلّها، ولا حتّى بآلات إطلاق نار أوتوماتيكيّة".
وشدّد سموتريتش على أنّ "جباية ثمن رادع وغير تناسبي من العدوّ يجب أن تكون جزءًا من المجهود الدّفاعي عن جنودنا".
زامير يقترح ضرب مبانٍ في الضّاحية وصور
وكانت هيئة البثّ الإسرائيليّة قد أفادت بأنّ رئيس الأركان، إيال زامير، اقترح، خلال نقاش أمنيّ ضيّق عُقد اللّيلة الماضية، "مهاجمة المباني في ضاحية بيروت ردًّا على تهديد حزب الله بالطّائرات المسيّرة المتفجّرة".
ووصل زامير إلى الاجتماع بعد زيارة للقيادة الشّماليّة الإسرائيليّة، يوم الأحد، حيث أجرى تقييمًا ميدانيًّا للوضع، ووافق على خطط عمليّاتيّة لمواصلة القتال ضدّ حزب الله.
وفي وقت لاحق، زار زامير اللواء 401، وكان موجودًا في مقرّ اللواء لحظة مقتل الجندي سِرجنت نهوراي ليزر، نتيجة طائرة مسيّرة متفجّرة.
تل أبيب تقرّ بتأثير واشنطن
وفي سياق متّصل، نقلت هيئة البثّ الإسرائيليّة أنّ "الأميركيّين يُملون علينا جدول الأعمال، فنحن لا نملك أيّ استقلاليّة في لبنان لنفعل ما نشاء. كان ينبغي لنا أن نصل إلى هذه الاستقلاليّة، لكنّنا تخلّينا عن مقترحات من جهات أميركيّة سعيًا وراء تحرّكات دبلوماسيّة".
ويعكس هذا الكلام حجم التّباين داخل المؤسّستين السّياسيّة والأمنيّة في إسرائيل، بين من يدفع نحو توسيع الحرب على الجبهة اللّبنانيّة، ومن يرى أنّ هامش الحركة الإسرائيلي لا يزال مضبوطًا بالإيقاع الأميركي، خصوصًا في ظلّ التّداخل بين الجبهات ومسارات التّفاوض الإقليميّة.
دعوة إلى قطع الكهرباء واحتلال الزّهراني
بدوره، قال وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، إنّه "يُحظر تطبيع واقع المسيّرات المتفجّرة"، داعيًا نتنياهو إلى أن "يضرب بيده على طاولة الرّئيس الأميركي دونالد ترامب، ويبلغه بأنّ إسرائيل ستعود إلى الحرب في لبنان".
وأضاف بن غفير: "يجب قطع الكهرباء في لبنان، واحتلال الزّهراني، والعودة إلى الحرب بقوّة شديدة".
وكان بن غفير قد دعا، في تصريحات أخرى، إلى "احتلال الضّاحية الجنوبيّة لبيروت"، والعودة إلى ما وصفه بـ"حرب مكثّفة" ضدّ لبنان، عقب إطلاق طائرات مسيّرة تابعة لحزب الله باتّجاه مواقع إسرائيليّة وقوّات الجيش في الشّمال.
وفي المواقف الإسرائيليّة المتشدّدة أيضًا، اعتبر رئيس حزب "كاحول لافان"، بيني غانتس، خلال اجتماع كتلة حزبه في الكنيست، أنّه "إذا استمرّت المسيّرات المتفجّرة بالتحطّم في إسرائيل، فإنّه يُحظر أن تحلّق أيّ طائرة في بيروت".
بدوره، حذّر رئيس حزب "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان، من أنّ "هذه مسألة وقت حتّى نرى مسيّرات متفجّرة في تل أبيب والقدس".
وتؤكّد هذه المواقف أنّ السّاحة اللّبنانيّة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسيّة، حيث يتقاطع التّصعيد العسكري مع الحسابات الأميركيّة والإيرانيّة، فيما تواصل إسرائيل اختبار حدود المواجهة ورفع مستوى التّهديد.
وبين دعوات إسرائيليّة إلى ضرب بيروت وصور والضّاحية والزّهراني، وبين كلام واضح عن تأثير واشنطن في قرار الحرب، يبدو لبنان عالقًا مجدّدًا بين ميدان مفتوح على التّصعيد، ومسارات تفاوض إقليميّة لم تتّضح نتائجها بعد.




