خرج الجنوب من أيدي أهله، وخرج الجنوبيون من هدأة الانتساب إلى جغرافيا تقيم على خط الزلزال. الخروج وَصْفٌ حرفي غير مجازي، إذْ عندما تنزل الريحُ منزلَ المقيم، يصير البيت قبْضَ ريح، وعندما يُقتلعُ ترابُ الهدوء، تصيرُ الجغرافيا أضغاث سكينة.
لا مكان للسياسة الاستطرادية، في حضرةِ المقتلة المباشرة اليومية، ولا مطرح لصخب الشعار، في مواجهة عصف الانفجار، ومن الكذب الواضح، بل من الوقاحة الجليّة، مداراة المأساة بشعارات المؤاساة، ومن الخداع البيّن حجب أحابيل السياسة خلف أقنعة "القداسة".
على امتداد الشهور الدامية، وفي مواكبة أيام الهول والشدّة، ما زال خطاب الارتجال التعبوي هو الخطاب، وما زال خطاب الإدانة المعاكس هو الخطاب أيضاً، وما زالت الاستكانة التي تلامس التسليم بالقضاء والقدر، هي الاستكانة. والحال، من المسؤول؟ وما السياسات؟ وما المرتجى؟ ثلاثة أسئلة غير حصريّة، تقصد ثلاثة أجوبة حصريّة، وفي كل حصريّةٍ وضوح لا التباس فيه، وقول مباشر من دون همهمة، ومن دون مناورة بلاغيّة التفافية، ومن دون ذهاب إلى المؤامرة العالمية، أو التذكير بحقيقة أهداف وأطماع الصهيونية. لماذا؟ لأن الذهاب إلى الإحاطة الشاملة، أو ما يسمى الظرف العالمي والإقليمي، أُشْبِعَ قولاً وشرحاً وتفسيراً، لذلك صارت العودة إلى هذا الظرف، ضَرْباً من الهروب من الواقع المباشر، وصنفاً من صنوف تبرئة "الذمَّة"، ومدخلاً إلى إرادويّة يتقنها صنّاع "الثورات" المصطنعة، وممرّاً إلى "واقعيّة" يُجيدُها ثُوّار "رَضِيْتُ من الغنيمة بالإياب".
بعد هذا الاستطراد الضروري، عودةٌ إلى الموضوع. من المسؤول؟ سؤال عام، ينطوي على مسؤوليات أساسية ثلاث هي الآتية:
1- المسؤولية الإيرانية:
تتحمل السياسة الإيرانية المسؤولية عن موضوعين رئيسيين؟ الأول، هو عدم تقديرها لمعنى المتغيرات العالمية المحيطة بدورها، خصوصاً تلك المتعلقة بالسياسات الأميركية، والثاني، هو استخفافها بالمخاطر الحقيقية الماثلة في البلدان حيث "أذرعها ووكلائها".
المتغيّر العالمي الأميركي الأساسي الذي لم تستشعر إيران أهميته، هو ذاك الذي انتقل من حالة إضعاف "الإسلامية السنيَّة"، ومدّ اليدّ إلى "الإسلامية الشيعيّة" بعد "غزوة بن لادن" وأصحابه، إلى حالة تقليم امتدادات الشيعية الإيرانية، بعد أن تغيّرت الأحوال على مستوى الإسلام السياسي، عموماً، بشقيه السنّي والشيعي. في السياق هذا، استنفدت إيران دورها لدى من فتح لها باب العراق، ومن تغاضى عن نشاطها في لبنان وسوريا واليمن وفلسطين...
استنفاد الدور لم يقابل من الجانب الإيراني برسالة إلى "الراعي" الأميركي تقول: لقد فهمنا القصد، وبديلاً من ذلك، اعتمدت سياسات سهّلت لراعي الأمس فتح النار على "رفيق" الماضي، بدعوى منع تهديده المباشر، النووي وغير النووي.
في هذا السياق، وارتباطاً بسوء تقدير الموقف، ألقت إيران بوكلائها في "الأتون"، فبالغ حزب الله، بصفته الذراع الأقوى في حرب إسناده "لمرجعيته" المركزية، وقنَّن الوكيل العراقي، وشارك باحتساب دقيق الوكيل اليمني، وكما هو معلوم، كان "الفلسطيني" خارج القدرة على المشاركة بعد أن نالَ ما ناله من قتل وخراب.
في ترجمة ذلك لبنانيّاً، وفي معاينته جنوبيّاً، يجب القول بصراحة ووضوح، إن السياسة الإيرانية لم تضع في اعتبارها كل تعقيدات "المسألة" اللبنانية، ولم تُقِمْ وزناً لحقيقة المخاطر الكيانيّة المحدقة بالشيعة، وبكل اللبنانيين.
2- المسؤولية الشيعيّة:
أ- مسؤولية حزب الله: خالف حزب الله مقتضيات الاستقرار اللبناني، ففتح حرب إسناد غزّة، وألحق بها حرب إسناد إيران. هذه المخالفة من قبل "الحزب" تستدعي مخالفة لها من قبل المعارضين والمعترضين على لغة السياسة، وعلى أفعال الميدان.
سياسيّاً، وكما سبق ذكره، اهتزَّت القناعة بشعار "الحرب" الاستباقية الإسرائيلية المتوقّعة، وضَمُر التسليم بحيثيات السياسات التي تسوّغ للحزب ما يقدم عليه من ممارسات. جملة الحزب التي تبدأ بـِ "لو لم نقم بذلك..." جملة افتراضية، واستباق جملة "لو" بجملة "هاجمنا"، لم تمنع العدو من تنفيذ ما يخطّط له، بل هي ساهمت في "إهداء" العدو وضعيّة "الشرعية" الدفاعية، بعد أن جاء الهجوم من الجهة اللبنانية.
الآن، وانسجاماً مع الضرورات التي تضع الخلافات جانباً، يقع على عاتق "حزب الله" تحديدَ مساحة اشتباكه مع العدو، ضمن حدود الأرض الجنوبية التي أعيد احتلالها، وعلى عاتقه إخلاء القرى والبلدان من مقاتليه ونقل خطوط تحركه إلى خارج المناطق المأهولة، هذا يعني اعتماد إدارة اشتباك تختلف عن تلك التي يديرها الحزب حتى الآن. هل ذلك ممكن؟ على الحزب أن يجيب بعد طرح سؤاله على ذاته، لكن التجارب التي سبقت سنة 1978 وسنة 1982، تثبت أن ذلك قيد الإمكان، هذا بشهادة القتال الذي أدارته القوى الوطنية في تلك الأيام، من دون اللجوء إلى الأماكن السكنية، وباعتماد خطوط التلال والأودية والمساحات غير المكشوفة.
وكاستجابة لتقدير الظرف، ظرف إعادة احتلال أجزاء من الجنوب، على حزب الله أن يضبط لغته، خصوصاً لغة أولئك المصنفين نواباً عن "الشعب" كله، يبدأ ضبط اللغة من "لو" فلا يفترض نائب موقّر، "لو لم نقاتل لوصل الاحتلال إلى بيروت...".
تكراراً، هذا افتراض، ورفضاً، هذا إنكار لحقيقة القتال الذي خاضه المقاتلون الوطنيون في كل المواقع، في الجنوب... وفي بيروت التي حوصرت لمئة يوم إلاّ قليلاً. إلى جانب هذه "اللو" على الحزب زجر كل لغة تخوينية تصدر عن محازبيه، أو عن بعض من "نجوم" الإعلام الذين استنبتوا على عجل من بين أطلال الحياة السياسية اللبنانية.
ب- مسؤولية حركة المحرومين: من أحكام الظرف اللبناني الصعب، استدعاء اسم حركة المحرومين لتذكير الرئيس نبيه برّي أنه وريث "سيّد" خطابها، وأنه المؤتمن على هذا الخطاب. ملاحظتان أساسيتان في سياق التذكير.
الملاحظة الأولى: أنه وفي الأساس، كانت الشيعيّة المدنية المطلبية، فكان الحرمان شعار تحركها، وكان طلب العدالة الاجتماعية هدفها، وكانت "الدولة" هي المعنية بالمطالبة، وعليها تقع مسؤولية التصدي لمسألة "التوازن" بين اللبنانيين.
الملاحظة الثانية: أن اسم حركة أمل، بما هي أفواج المقاومة اللبنانية، كان في مضمونه انتماء وطنيّاً داخليّاً، وكان اتصالاً عروبيّاً بفلسطين، أي أن بيان الحركة وتبيينها كان لبناني اللغة، وعربي اللسان.
بناءً عليه، ما زالت الدعوة العاقلة إلى التمييز بين حزب الله وحركة "المحرومين- أمل"، قائمة وضرورية، ولمن شاء بحثاً، سيجد فروقات بين الطرفين الشيعيين لجهة النشأة والسلوك والوجهة والأهداف.
تأسيساً على "أعلاه"، تقع على كاهل الرئيس برّي، بصفتيه الحركية والرسمية، مسؤولية إنقاذ ما يجب، وما يمكن إنقاذه، من الشيعة والشيعية، هذا الإنقاذ ينطوي على الكتلة الأهلية في سلامتها وفي سلامة أرزاقها وممتلكاتها واستقرارها... مثلما ينطوي على الكتلة ذاتها، في انتسابها اللبناني الحقيقي الذي دافعت عنه طويلاً، وفي سعيها إلى اللبنانية المتوازنة العادلة، التي لا تقتصر على الشيعة فقط، بل تصل إلى بيوت كل المحرومين.
إنقاذ ما يمكنه، عنوانه ركوب مركب كل ما يلزم من أقوال ومن أفعال ومن سياسات، طلباً لمنع الاحتلال المعادي من التمدّد إلى قرى وبلدات ومدن جنوبية إضافية. في هذا السياق، هناك مسلكان ماثلان للعيان: الأول هو الحرص على أعلى درجات التنسيق والتفاهم مع رئيس الجمهورية والحكومة، والتوافق على الخطوط العامة الملزمة للسياسات، والتفاهم حول ما يُعلن وحول ما لا يُعلن، والمشاركة في اعتماد أساليب تتراوح بين "التشدّد" والاستجابة المدروسة، بحيث توظف كل أوراق الإدارة السياسية اللبنانية وفق متعرّجات الوضع الدولي والداخلي والإقليمي... من دون أن يكون في ذلك حرج، ما دامت الأهداف النهائية واضحة ومتوافق عليها لدى أقطاب مرجعيّة المسؤوليّة الرسمية.
المسلك الثاني الذي يجب طرق بابه، هو مسلك تنظيم ورعاية عودة جزئية إلى البلدات والقرى غير المحتلّة. قد يبدو الأمر صعباً، وربما هو كذلك، لكن معالجة هذه الصعوبة قد تكون ممكنة من خلال عدد من الخطوات التي تبدأ من: تحديد عدد العائدين، وليكن قليلاً، إلى الطلب من اليونيفيل حماية هذه العودة دولياً، والطلب من الجيش حمايتها وطنيّاً، ثم إعلان قرى وبلدات العودة الجزئية، أماكن خالية من السلاح ومن المقاتلين.
يستطيع الرئيس برّي القيام بالمحاولة، ولديه من الحيثيّات الأهليّة والوطنيّة والدوليّة والرسميّة، ما يستند إليه، وما يجعله مرجعاً لهكذا محاولة. هل في ذلك ضرر للطرف الشيعي الآخر؟ لا نفترض ذلك، خصوصاً وأن هذا الطرف مطالب بنقل إدارته الحربية إلى حيث يجب أن تكون. وهل في ذلك واجب على الرئيس برّي؟ هذا هو الأمر، وهذا هو العبء الوطني الملقى على "الرئيس"، بصفته رئيس مجلس نواب لبنان.
هل يقتصر الأمر على المسؤوليات الشيعية؟ ليس ذلك بالطبع، إذن، ماذا عن مسؤوليات اللبنانيين الآخرين؟ وماذا عن الكلام الذي لا يساعد على سلوك مسالكِ إنقاذ اللبنانية والوطنية، بل يفاقم مصاعب السير على هذه المسالك؟




