ثلاثية الخوف والتخويف والاستقواء في لبنان

عبد الرؤوف سنوالسبت 2026/05/23
7 أيار 2008 (Getty)
بني لبنان الكبير على أساس الخوف المتبادل (الصورة من أحداث 7 أيار 2008، Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يمكن فهم التاريخ السياسي اللبناني من دون تفكيك ثلاثية الخوف والتخويف والاستقواء. فالخوف في لبنان ليس شعورًا عابرًا، بل ذاكرة جماعية متوارثة، تغذّيها الحروب والمجازر والتحولات الديموغرافية والوصايات الخارجية. أما التخويف، فهو تحويل ذلك الخوف إلى خطاب سياسي تعبوي، تستخدمه القيادات الطائفية لحشد جماعاتها وشدّ عصبها. وفي المقابل، يمثل الاستقواء انتقال الخوف من مستوى الهواجس إلى مستوى الفعل: استقواء بالخارج، أو بالسلاح، أو بالديموغرافيا، أو بالموقع الدستوري، أو بالشارع. وهكذا، لم تكن الطوائف اللبنانية تخاف فقط بعضها من بعض، بل كانت تستثمر خوفها لتخيف الآخرين في الوطن في معظم الأحيان، وتستقوي عليهم.

 

بدأت هذه الحلقة بالمجازر الطائفية في جبل لبنان وإنشاء نظام المتصرفية في العام 1861، حين أسهم اعتماد التمثيل الطائفي في تحويل الطائفة من جماعة اجتماعية إلى وحدة سياسية. فبدلاً من أن تكون التحالفات عابرة للطوائف، صارت الطائفية المجتمعية ترفد الطائفية السياسية، وتستمد منها شرعية الخوف والتخويف. حصل الموارنة، بوصفهم الأكثرية في جبل لبنان، على أسبقية في المناصب، فيما بقي المسلمون أقلية عددية وسياسية. لذلك رفض الموارنة لاحقًا الدستور العثماني في العام 1908، خوفا من عودة الحكم العثماني المباشر، لأنهم رأوا فيه تهديدًا لمكتسبات المتصرفية وشبه استقلالها.

ومع سقوط السلطنة العثمانية، عاش المسلمون، ولا سيما السنّة، انتقالًا قاسيًا في الهوية السياسية: من الانتماء إلى الدولة العثمانية، حيث كانوا جزءًا من الأمة صاحبة السيادة، إلى العروبة بوصفها قاسمًا مشتركًا مع بعض المسيحيين في مؤتمر باريس في العام 1913، ثم إلى القبول بلبنان الكبير في العام 1920. ومن هنا، تولّد خوف إسلامي من التحول إلى أقلية داخل كيان رأى كثيرون منهم أنه أنشئ أساسًا للمسيحيين، في مقابل خوف مسيحي، خصوصًا ماروني، من عروبة مختلطة بالإسلام. وبذلك، بني لبنان الكبير على أساس الخوف المتبادل. وبينما اندمج المسلمون ببطء وتدرج في لبنان الكبير، ملأ المسيحيون، وخاصة الموارنة المراكز الإدارية في الدولة الناشئة.

 

ومن هنا، لم يكن التطلع السنّي إلى الوحدة مع سوريا مجرد خيار عقائدي، بل كان أيضًا محاولة لتحسين الموقع داخل لبنان الكبير. غير أن هذا التطلع أنتج تخويفًا مسيحيًا معاكسًا: الخوف من الذوبان في بحر ديموغرافي وثقافي إسلامي. وقد ظهرت هذه الحساسية بوضوح في أزمة ترشيح محمد الجسر لرئاسة الجمهورية في العام 1932، إذ بدا للمسلمين أن النظام يمنع وصول مسلم إلى الرئاسة الأولى ولو كان قريبًا من الانتداب، بينما رأى مسيحيون في ذلك خطرًا على هوية الكيان. وفي هذا السياق، رفض الموارنة تعيين سلطات الانتداب شارل دباس الأرثوذكسي رئيساً للجمهورية في العام 1926، كونهم الطائف الأكثر عدداً. 

ولم يكن الخوف اللبناني سياسيًا فقط، بل ديموغرافيًا أيضًا. فالنظام الطائفي ربط التمثيل السياسي والإداري بصورة غير مباشرة بأحجام الجماعات، وهذا ما جعل كل تبدل سكاني يُقرأ كتهديد في موازين القوة داخل الدولة. ومن هنا، فإن أعداد أتباع الطوائف التي أتت متقاربة تقريباً في إحصاء العام 1930، جعلت الطوائف في حالة تنافس في ما بينها، ليس حباً بالأكثرية، بل لارتباط ذلك بوضعهم في الدولة. وقد تغنى المسلمون بتزايد أعدادهم، واعتبره قسم منهم عنصرًا يبرر المطالبة بإعادة توزيع السلطة والمناصب بما يتناسب مع "الواقع الديموغرافي الجديد". في المقابل، خاف المسيحيون، وخصوصًا منذ حرب العام 1975، من الهجرة المسيحية الكثيفة وتراجع نسبتهم العددية، لأن ذلك لم يكن يعني بالنسبة إليهم مجرد خسارة بشرية، بل تراجعًا في النفوذ السياسي والدستوري والانتخابي. لذلك تكاثرت مناشدات الكنائس، ولا سيما البطريركية المارونية، لأبنائها بعدم الهجرة والتمسك بالأرض، خوفًا من اختلال التوازنات الداخلية لمصلحة المسلمين، ثم لاحقًا لمصلحة الشيعة بصورة خاصة، عندما أخذ حزب الله يشتري أراضي المسيحيين المهاجرين في مناطق حساسة. وهكذا تحولت الديموغرافيا نفسها إلى أحد مصادر التخويف المتبادل والاستقواء السياسي في لبنان.

 

وبعد الاستقلال، لم يلغِ الميثاق الوطني المخاوف بين الطوائف، بل ضبطها مؤقتًا، في ظل قيادات سياسية مسيحية وإسلامية توافقت على لبنان المستقل. وحين صعدت الناصرية والوحدة المصرية- السورية، تحولت العروبة المسيّسة إلى وسيلة استقواء سنّي على الداخل اللبناني. فذهاب عشرات الآلاف من المسلمين، خصوصاً السنّة، إلى دمشق في شباط 1958 لم يكن مجرد احتفال عاطفي بعبد الناصر، بل رسالة سياسية إلى المسيحيين بأن العمق العربي صار على حدود لبنان. وكان انفتاح كميل شمعون على الغرب كتعبير عن خوف مضاد من عروبة مسيسة واستقواء معاكس، أجج مخاوف المسلمين. وهكذا انفجرت الحرب القصيرة في العام 1958 بوصفها اختبارًا مبكرًا لحدود الميثاق ببعده الخارجي.

ثم جاءت المقاومة الفلسطينية لتدفع الثلاثية (الخوف والتخويف والاستقواء) إلى ذروتها. فبعد هزائم الأنظمة العربية أمام إسرائيل بين العامين 1948 و1967، تحولت فلسطين إلى بديل رمزي وسياسي. ووجد المسلمون، والسنّة خصوصًا، في المقاومة رافعة لتحسين موقعهم في مواجهة المارونية السياسية. وقد بدل السلاح الفلسطيني المتفلت، ولا سيما بعد "اتفاق القاهرة" في العام 1969، وظيفة لبنان وتوازناته: من دولة خدمات وانفتاح واقتصاد حرّ إلى ساحة مواجهة. فلا دولة في العالم تسلم سيادتها وجغرافيتها لقوة ميليشياوية تتموضع على حدودها مع عدو يتربص بها. عندها شعر المسيحيون بأن الدولة التي عملوا على الحفاظ عليها وتطويرها وجعلها "سويسرا الشرق" في مقابل عالم عربي مكبّل غالبيته بالأنظمة العسكرية، تفلت منهم، وأن رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش وموقعهم في النظام باتت كلها مهددة من قبل المسلمين. 

 

منذ ذلك الحين، بدأ التسلح والتسلح المضاد، وتحوّل الخوف من العسكرة، والعسكرة إلى حرب. وفي حالة كلبنان، كان بإمكان الجيش اللبناني أن يضبط الأمن، لولا المعارضة الإسلامية واليسارية التي رفضت زج الجيش في الصراع الداخلي، والادعاء أنه في خدمة المارونية السياسية. هكذا، اندلعت حرب العام 1975، وانهارت السياسة أمام السلاح. انتقل التخويف إلى استقواء متبادل: المسلمون واليسار بالمقاومة الفلسطينية، المسيحيون أولًا بإسرائيل التي لم تلبيهم، ثم بسوريا التي دخل جيشها إلى لبنان لتحقيق طموحات تاريخية في الباطن، بينما في الظاهر للقبض على الطوائف ووقف صراعات على حدودها قد تنعكس عليها. هذا الاستقواء الطوائفي، أتاح لسوريا عقد صفقة مع إسرائيل عبر الولايات المتحدة لتقاسم النفوذ في لبنان مغلفاً بالصراع معها (اتفاق الخط الأحمر). وهكذا لم يعد الخوف بين اللبنانيين فقط، بل صار خوفًا من الاحتلال السوري نفسه الذي استغل الخلافات بين الطوائف ليستقوي عليها كلها، خصوصًا المسيحيين الذين اكتشفوا أن استقواءهم به تحول إلى وصاية خانقة.

أما الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 فأعاد إنتاج الخوف بأشكال جديدة. فقد حاول بعض الموارنة الاستقواء بإسرائيل لإعادة ترتيب لبنان لمصلحتهم، لكن هذا الاستقواء ارتد عليهم في الجبل في أيلول 1983، حيث شعر الدروز بالتهديد بعد تموضع القوات اللبنانية فيه بحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي. من هنا، انفجرت حرب الجبل بوصفها استئنافاً لذاكرة 1860، وإن عادت بلباس جديد. وفي المقابل، أدى الاحتلال الإسرائيلي إلى ولادة حزب الله مقاومةً لتحرير الجنوب، لكنه ربط الشيعة تدريجيًا بإيران، وفتح باب استقواء جديد، أكثر تنظيمًا وصلابة واستمرارية.

 

جاء اتفاق الطائف لينهي حرب لبنان، لكنه لم ينهِ الخوف. فقد رأى المسيحيون، خصوصًا الموارنة، أن نقل صلاحيات رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء أفقدهم موقعهم التاريخي، ثم زادت الوصاية السورية هذا الشعور تهميشًا وقهرًا. وفي المقابل، رأى السنّة والشيعة في الطائف تصحيحًا لموقعهم داخل الدولة. وهكذا أطفأ الطائف حربًا، لكنه أبقى ذاكرات الخوف معلّقة فوق النظام.

ومنذ العام 2000، وبسبب تلاعب السوري بقوانين الانتخابات و"تعيين" رؤساء الجمهورية والوزراء، ومصّ الاقتصاد اللبناني، وجعل نبيه بري رئيساً لمجلس النواب منذ العام 1992، بدأ خوف المسيحيين من الوصاية السورية يتحول إلى خطاب سيادي، قاده البطريرك صفير المطالب برحيل سوريا عن لبنان. فحصل تقارب بين السنّة والموارنة تكلل بلقاء الحريري البطريرك في آذار 1998. وقد عمل الحريري بسياسته الرزينة على تبديد مخاوف المسيحيين المعروفة تجاه مشاريع المسلمين السنّة مع الخارج، وجعل العروبة ثقافية معتدلة مع انفتاح اقتصادي على العالم العربي، وخصوصاً الخليجي. لكن السنّة لم يلتحقوا بقوة بالمسيحيين إلا بعد صدام رفيق الحريري مع النظام السوري في العام 2004 على خليفة التمديد لإميل لحود لرئاسة الجمهورية، مع الإشارة إلى صدور "قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية" عن الكونغرس الأميركي قبل ذلك في العام 2003. عندها نشأ تقاطع سنّي-مسيحي واسع حول السيادة والدولة. 

 

غير أن خروج سوريا من لبنان عقب اغتيال الحريري، كشف عن قوة أخرى كانت تتحضر لملء الفراغ: حزب الله، الذي تحوّل سلاحه، بعد التحرير في العام 2000، من سلاح مقاومة إلى سلاح تقرير داخلي بتبعية كاملة لولاية الفقيه. ثم جاءت حرب العام 2006، واجتياح بيروت في 7 أيار 2008، الذي شكل استقواء لا نظير له في الحياة السياسية اللبنانية، حتى في حرب لبنان، فضلاً عن دوره في الحرب السورية ابتداء من العام 2012، وفي حرب غزة منذ 2023، وإسناد إيران بعد اغتيال خامنئي، في العام 2026، لتكرّس خوفًا سنّيًا ومسيحيًا مشتركًا من سلاح الحزب، لا بوصفه سلاحًا عسكريًا فقط، بل بوصفه سلطة فوق الدولة، وكاسحة للهوية اللبنانية وثقافة اللبنانيين.

وهنا تبلغ الثلاثية ذروتها: الشيعة المؤيدون للحزب يرون في سلاحه رافعة حماية وقوة وموقع، بينما يرى السنّة والمسيحيون والدروز فيه أداة استقواء داخلي وتبعية لمحور إقليمي. وبذلك لم يعد الخوف اللبناني خوف طوائف من بعضها فقط، بل خوفًا من اختطاف الدولة نفسها الذي تحقق على يد حزب الله، وتحويل استقوائه إلى هيمنة. فكل طائفة حين تخاف ويُستقوى عليها تبحث عن سند خارج الدولة؛ وكلما استقوت بسندها، زاد خوف الآخرين منها. وهذه هي الحلقة القاتلة في لبنان: لا دولة بلا طمأنة، ولا طمأنة بلا حصرية السلاح والقرار، ولا خروج من التخويف والاستقواء إلا بقيام دولة عادلة يشعر فيها الجميع بأنهم محميون بالقانون، لا بطوائفهم ولا بمحاور الخارج.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث