عقوبات بخدمة المفاوضات: توقع لوائح إضافية تتوغّل في المؤسسات

مانشيت - المدنالجمعة 2026/05/22
Image-1779463474.Jpg
تكتسب الهجمة المالية الأميركية أهميتها القصوى من توقيتها المباشر (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

أحدثت حزمة العقوبات الأخيرة التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية عاصفة سياسية وأمنية غير مسبوقة هزت أركان الوسط الرسمي والقيادي في بيروت. والخطورة الاستثنائية لهذه اللائحة لا تكمن فقط في الأسماء الواردة فيها، بل في كونها المرة الأولى التي تقوم فيها واشنطن بـ"التوغل" في عمق الأجهزة العسكرية والأمنية والإدارية اللبنانية، متجاوزةً الخطوط الحمر التقليدية التي طالما حمت تلك المقار تحت عنوان "الحفاظ على استقرار المؤسسات".

وتواترت اليوم معلومات مفادها أن هذه الحزمة ليست سوى أول الغيث في مسار تدحرجي للوائح قادمة. ويبدو واضحاً أن الولايات المتحدة قررت استخدام سلاح العقوبات كرافعة أساسية لإحداث تحولات جذرية في الواقع السياسي وتوازن القوى، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات المصيرية في واشنطن بجناحيها العسكري في البنتاغون (29 أيار) والسياسي في الخارجية الأمريكية (2 و3 حزيران).

وفي تقدير مصادر سياسية أن واشنطن تريد خلق حالة من "الرعب الإداري والسياسي" داخل مؤسسات الدولة، بحيث يصبح أي مسؤول، قاضٍ، ضابط، أو مدير عام، مجبراً على الاختيار بين الحفاظ على موقعه أو الاستمرار في تسهيل ملفات الحزب. هذا الأسلوب يريد منه الأميركيون شل قدرة حزب الله على التغلغل داخل مفاصل الدولة اللبنانية، ويفرض توازناً جديداً للقوى يميل لمصلحة القوى المناوئة للسلاح.

وتكتسب الهجمة المالية الأميركية أهميتها القصوى من توقيتها المباشر. فهي تأتي لتشكل "المطرقة الدبلوماسية" التي ستواكب وفد لبنان المفاوض برئاسة السفير سيمون كرم والوفد العسكري. فالمفاوض اللبناني سيذهب إلى البنتاغون وهو يدرك أن واشنطن قد جردت الداخل من هامش المناورة إلى حد كبير. ولم يعد بإمكان الدولة رفع شعار "الخصوصية اللبنانية" أو "الاستقرار الأهلي" للتهرب من تنفيذ الترتيبات الأمنية المطلوبة، في ظل الحديث عن طرح أميركي صريح للمشاركة الميدانية الفاعلة في إنهاء حالة السلاح في الجنوب وبيروت والبقاع. ويواجه لبنان الرسمي والقيادي اليوم واقعاً سياسياً محكوماً بالحسم. فالرهان على كسب الوقت بات مستحيلاً: إما انخراط الدولة الكامل في المسار الأمني والمساهمة في تفكيك حالة حزب الله وفق الرؤية الأميركية، وإما وضع لبنان فريسة للحرب التوسعية الإسرائيلية.

 

قضية الجوازات المزورة تعود من الباب القضائي

بالتوازي مع الضغط الخارجي، بدأت ملفات أمنية داخلية حساسة تعود إلى الواجهة، وفي مقدمتها ملف جوازات السفر المزورة الذي يتجه إلى إعادة فتحه والتوسع في التحقيقات المرتبطة به. فبحسب معلومات "المدن"، لم تكن أزمة جوازات السفر خلال عامي 2021 و2022 مجرد أزمة إدارية مرتبطة بشح الجوازات البيومترية، بل تحولت إلى بيئة استغلها مزورون لاختراق الإجراءات الإدارية والأمنية.

وتشير المعطيات إلى أن التلاعب لم يكن في الجواز نفسه، بل في المستندات والبيانات الأولية المستخدمة لاستخراجه. واستفادت شبكة تضم ثلاثة عناصر من الأمن العام من آلية "الشعبة الخاصة" واللوائح الاستثنائية الصادرة حينها لإضافة أسماء جديدة إلى القوائم الرسمية مقابل مبالغ مالية.

وتكتسب إعادة فتح الملف أهمية إضافية مع اتجاه التحقيقات إلى تحديد الحجم الفعلي للاختراق، وما إذا كانت القضية تقتصر على أكثر من ستين جوازاً مكتشفاً أو أنها تتجاوز ذلك إلى شبكات أوسع، إضافة إلى تحديد المسؤوليات وكشف ما إذا كانت هناك أطراف أخرى مرتبطة بالملف.

 

تصعيد الجنوب... ومسيّرات تربك الشمال

ميدانياً، استمرت الغارات الإسرائيلية بوتيرة مرتفعة على عدد من مناطق الجنوب، وطالت دير قانون النهر وتبنين ومجدل زون والنبطية ومحيط صور ومناطق أخرى، في وقت برزت غارة دير قانون النهر مع سقوط عدد من الشهداء بينهم الصحافي أحمد الحريري، ما أعاد تسليط الضوء على اتساع دائرة الاستهدافات الإسرائيلية.

في المقابل، واصل حزب الله تنفيذ عمليات ميدانية استهدفت مواقع وتجمعات إسرائيلية، بينها استهداف منصة للقبة الحديدية وتجمع لجنود داخل ثكنة برانيت بواسطة مسيّرات "أبابيل"، بالتزامن مع استمرار تأثير المسيّرات على الجبهة الشمالية الإسرائيلية.

وفي الشمال الإسرائيلي، تحدثت "يديعوت أحرونوت" عن استمرار حالة الاستنفار في مستوطنات كريات شمونة ومرغليوت ومسغاف عام خلال عطلة العيد، بعد إطلاق مسيّرات من جنوب لبنان وانفجار عدد منها قرب الحدود داخل الأراضي الإسرائيلية. وقال الجيش الإسرائيلي إنه اعترض هدفين جويين أطلقا من لبنان، فيما أقرّ بسقوط "أهداف جوية مشبوهة" قرب الحدود، في مشهد يعكس استمرار الاستنزاف الأمني للجبهة الشمالية.

 

"معاريف": المنطقة الأمنية تعيد تجربة الحزام

وفي قراءة إسرائيلية لما يجري جنوباً، اعتبرت صحيفة "معاريف" أن ما يحدث يعيد إنتاج تجربة "الحزام الأمني" السابقة بصورة مختلفة. وبحسب الصحيفة، عاد حزب الله إلى تكتيكات حرب الاستنزاف والكمائن والعمليات المحدودة التي تعتمد على استهداف نقاط الضعف لدى الجيش الإسرائيلي من دون الحاجة إلى انتشار واسع للقوات.

ورأت الصحيفة أن "المنطقة الأمنية" الجديدة لا تحقق الهدف الذي أنشئت لأجله والمتمثل بحماية مستوطنات الشمال، معتبرة أن الجيش الإسرائيلي لا يملك حتى الآن أهدافاً حاسمة قادرة على إنهاء المواجهة، في وقت تتزايد فيه أعباء الجبهات المفتوحة عليه من غزة إلى سوريا ولبنان.

وفي ظل تزامن العقوبات الأميركية، والضغط العسكري المتواصل، وإعادة فتح ملفات أمنية داخلية حساسة، تبدو المرحلة الحالية مرحلة ضغط متعدد المسارات، يتجاوز استهداف الأطراف السياسية إلى محاولة إعادة رسم التوازنات داخل مؤسسات الدولة نفسها، بالتوازي مع مسار تفاوضي يتحرك تحت النار.

 
Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث