لا يُمكن فصل العقوبات الأميركيّة الجديدة التي فرضتها واشنطن على شخصيّات سياسيّة وعسكريّة لبنانيّة عن سياق الضّغط السّياسي المتصاعد على لبنان ومؤسّساته الرسميّة، ولا سيّما المؤسّسة العسكريّة، قبيل اجتماع التّنسيق الأمني المرتقب في البنتاغون في 29 الجاري.
فالقرار الأميركي من شأنه أن يُعقّد مسار المفاوضات، ويُحرج موقف الدّولة اللبنانيّة التي اختارت خوض هذا المسار سعيًا إلى إنهاء الحرب الإسرائيليّة على لبنان. ويتزامن هذا الضّغط السّياسي مع ضغط عسكري متواصل تمارسه إسرائيل عبر الغارات على الجنوب والبقاع، رغم إعلان واشنطن تمديد الهدنة لمدّة 45 يومًا، وفق ما أُعلن بعد جولة المفاوضات الثّالثة التي استضافتها العاصمة الأميركيّة.
وفي هذا الإطار، عرض رئيس الوفد اللبناني، السّفير السّابق سيمون كرم، نتائج الجولة الأخيرة أمام رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة نواف سلام، فيما تتواصل التّحضيرات لتشكيل الوفد الأمني الذي سيشارك في اجتماع البنتاغون.
تسعة أسماء على لائحة العقوبات
فرضت واشنطن عقوبات على تسعة أشخاص، بينهم سفير إيران في بيروت، ونوّاب من حزب الله، وضابطان لبنانيّان، بتهمة الارتباط بالحزب و"عرقلة عمليّة السّلام في لبنان".
وشملت العقوبات نوّاب حزب الله حسن فضل الله، وإبراهيم الموسوي، وحسين الحاج حسن، والوزير السّابق محمد فنيش، والسّفير الإيراني محمد رضا شيباني. كما طالت أحمد بعلبكي وعلي الصّفاوي، وهما شخصيّتان بارزتان في حركة أمل ومقرّبتان من رئيس مجلس النوّاب نبيه بري.
غير أنّ الأبرز في هذه العقوبات أنّها شملت أيضًا رئيس فرع الضّاحية الجنوبيّة في مخابرات الجيش، العقيد سامر حمادة، ورئيس دائرة الأمن القومي في الأمن العام، العميد خطّار ناصر الدّين، بتهمة مشاركة معلومات مع حزب الله.
رسائل إلى برّي والجيش
جاءت العقوبات عقب الجولة الثّالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وعشيّة الاجتماع الأمني المرتقب في البنتاغون، ما يطرح علامات استفهام، ولا سيّما في ما يتّصل بالمؤسّسة العسكريّة، حول طبيعة تعاطي واشنطن مع الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة.
وتربط أوساط سياسيّة هذه الخطوة بتشكيك أميركي في أداء الجيش في تطبيق خطّة حصر السّلاح، وبسعي واشنطن، وفق هذه الأوساط، إلى إبعاد الضبّاط الذين تربطهم علاقات تنسيق مع حزب الله، والدّفع نحو إنشاء وحدة خاصّة داخل الجيش تتولّى مهمّة نزع سلاح الحزب. غير أنّ أوساطًا رسميّة وسياسيّة وعسكريّة لبنانيّة تؤكّد أنّ هذا الطّرح غير وارد، وأنّه كفيل بتفجير الوضع الدّاخلي.
واعتبرت مصادر سياسيّة قريبة من الملف أنّ العقوبات تشكّل رسالة مباشرة إلى نبيه بري، على خلفيّة رفضه المفاوضات المباشرة مع إسرائيل أو تشكيل وفد أمني إلى اجتماع البنتاغون. كما رأت فيها رسالة ضغط إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بهدف قطع أيّ علاقة أو تنسيق بين المؤسّسة العسكريّة وحزب الله.
ردود إيرانيّة وأميركيّة ولبنانيّة
اعتبرت الخارجيّة الإيرانيّة أنّ العقوبات الأميركيّة "تصرّف مشين يهدف إلى تقويض سيادة لبنان وإثارة الفتنة داخله".
في المقابل، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إنّ "حزب الله منظّمة إرهابيّة ويجب نزع سلاحه بالكامل"، مؤكّدًا استمرار اتخاذ الإجراءات ضدّ المسؤولين الذين "يتسلّلون إلى مؤسّسات الدّولة ويمكّنون الحزب". وفي بيان منفصل، أعلنت وزارة الخارجيّة الأميركيّة مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدّي إلى تعطيل الآليّات الماليّة للحزب، ضمن برنامج "مكافآت من أجل العدالة".
أمّا حزب الله، فاعتبر في بيان أنّ العقوبات التي طالت نوّابًا منتخبين وضبّاطًا في الجيش والأمن العام ومسؤولين في الحزب وحركة أمل، تشكّل "محاولة ترهيب للشّعب اللبناني من أجل دعم العدوان الإسرائيلي على لبنان". ورأى أنّ الهدف منها هو فرض مشاريع الاستسلام التي تسعى واشنطن إلى تمريرها لمصلحة إسرائيل.
وأضاف الحزب أنّ هذه العقوبات "وسام شرف" للمشمولين بها، وأنّها "لن يكون لها أيّ تأثير عملي على خيارات المقاومة أو استمرار عمل مسؤوليها في خدمة النّاس والدّفاع عن السّيادة الوطنيّة". كما اعتبر أنّ استهداف الضبّاط اللبنانيّين عشيّة اللقاءات الأمنيّة في البنتاغون يمثّل "محاولة مكشوفة لترهيب المؤسّسات الأمنيّة الرسميّة وإخضاع الدّولة لشروط الوصاية الأميركيّة"، داعيًا السّلطة اللبنانيّة إلى الدّفاع عن مؤسّساتها الدستوريّة والأمنيّة والعسكريّة.
بدورها، اعتبرت حركة أمل أنّ العقوبات الأميركيّة بحقّ أحمد بعلبكي وعلي الصّفاوي "غير مقبولة وغير مبرّرة"، وأنّها تستهدف الحركة ودورها السّياسي الوطني في حماية الدّولة والمؤسّسات.
ضغط الغارات يتوسّع
ميدانيًّا، استمرّ التّصعيد الإسرائيلي في الجنوب، حيث أدّت غارة على بلدة حانويه إلى استشهاد أربعة مواطنين، فيما استهدفت غارات أخرى بلدات ياطر، وشوكين، وحداثا، والمنصوري، والقليلة. كما أعلنت وزارة الصّحّة اللبنانيّة إصابة تسعة أشخاص جرّاء ضربة إسرائيليّة استهدفت محيط مستشفى تبنين الحكومي، وأدّت إلى أضرار جسيمة فيه.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة هجمات ردًّا على ما وصفه بخروق إسرائيل وقف إطلاق النّار واعتداءاتها على القرى الجنوبيّة. وقال إنّه استهدف بمسيّرات وصواريخ 13 تجمّعًا لآليّات وجنود إسرائيليّين في دبل، والناقورة، ورشاف، والبيّاضة، ومحيط حداثا، ودير سريان، والقوزح، وطير حرفا.
كما أعلن الحزب تنفيذ "إغارة ناريّة واسعة" على تموضعات للجيش الإسرائيلي في بلدتي دبل ورشاف ومحيط حداثا، باستخدام مسيّرات وصليات صاروخيّة ثقيلة أُطلقت على دفعات متكرّرة. وأضاف أنّ مقاتليه استهدفوا بمسيّرة انقضاضيّة آليّة هندسيّة إسرائيليّة عند خلّة الرّاج في بلدة دير سريان، ما أدّى إلى إصابة مباشرة، وفق بيانه.
كذلك أعلن الحزب استهداف مدرّعة إسرائيليّة من طراز "نميرا" في بلدة دبل بواسطة مسيّرة انقضاضيّة من طراز "أبابيل"، مؤكّدًا إصابتها بشكل مباشر.




