النقطة المتميزة، الفريدة والمتقدمة، التي تحصلت في جولة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الثالثة التي انعقدت في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، هي أنها تمت بعيدا عن عدسات الكاميرات.
بل إن الصورة الوحيدة التي نقلت كانت من مسافة كفيلة بأن تظهر المشاركين من دون أن تقترب منهم وتوضح سحناتهم أو تقربها. بمعنى أنها كانت صورة إثبات وجود فقط لا غير.
هذه الصورة الفوتوغرافية المتعمدة بهذه الطريقة، توحي وتدل على احترام الذات، والتماسك أمام الآخرين، مهما بلغت قوتهم وتفوقهم وجبروتهم وسيطرتهم.
بطبيعة الحال، فان من طلب هذا النوع من الصور قصد القول، إننا هنا نفاوض ولا نحتفل ونستعرض شخصياتنا بالمناسبة وبهذه المفاوضات. وهو أسلوب يهدف إلى إثبات الوجود من دون بهرجة أو احتفالية مبالغ فيها.
باستثناء ذلك، فإن كل ما رافق هذه الجولة كان مخيباً للآمال والمنتظر والمتوقع من اللبنانيين.
صدر البيان بعد جولتين من المباحثات، ليقدم تمديد واقعة ما يسمى وقف النار لمدة 45 يوماً مساء الجمعة، من دون أن ينتبه المتابعون، وخصوصاً من يرعى ويتابع ويهتم بالوفد اللبناني، أن سريان وقف النار يبدأ فجر الاثنين المقبل، الموافق فجر 17 أيار/ مايو وليس ليل الجمعة 15 أيار.
تجاهل، أو عدم الانتباه إلى هذا التفصيل البسيط، وشرحه للرأي العام، كان يشكل نقطة مهمة. لأن أغلبية المواطنين المعنيين في لبنان لم يكونوا على دراية بأن فجر الاثنين كان موعد انتهاء الهدنة التي كانت حددت قبل ثلاثة أسابيع، وكانت تنتهي في هذا التاريخ وليس مساء الجمعة بعد نهاية جولة المفاوضات.
مقصد الكلام، أن الرأي العام اللبناني، بقي متوتراً ينتظر مهلة وقف النار، من دون أن يصدر أي بيان رسمي يوضح أن الموعد هو فجر الاثنين وليس مساء الجمعة، حيث عاد الوضع إلى تدهوره.
صحيح أننا نتحدث عن فرق ساعات، وأيام وتفاصيل بسيطة. لكن ترك المواطنين اللبنانيين، من دون أي إيضاح أو بيان، ليومين متتاليين لتحديد موعد بدء الهدنة، يدل على إهمال وعدم اهتمام أو معرفة أو اكتراث كافٍ ومطلوب، في مثل هذه المناسبات. خصوصاً من الجهات المتابعة المعنية الراعية للمفاوضات، وهو إهمال ما بعده إهمال.
الانطباع العام في البلاد، أن جلسات المفاوضات المباشرة لا تقدم ولا تؤخر، كأنها لا تتم أو تحصل. وهذا ما يعزز الانطباع والقناعة أن رئيس الجمهورية جوزاف عون، على شجاعته واندفاعه، قد أقدم على إطلاق مبادرة المفاوضات المباشرة، من دون دراسة كاملة أو متروية.
ماذا حصل لبنان مقابل هذه الخطوة؟
تقدم نحو البحث عن السلام والتهدئة والاستقرار، أي ما يريده أي مواطن لبناني. لكن هذا الأمر، ابتعد عنه ولم يقترب منه.
حقق لبنان خطوة إلى الأمام، بفصل مسار مفاوضاته عن مسار مفاوضات إيران. وهذا امر جيد وخطوة متقدمة، لكنه لم يقبض من الأميركيين وحلفائهم الإسرائيليين أي نقطة إيجابية أخرى حتى الآن.
ما أقدم عليه رئيس الجمهورية، لم يكن متفرداً وشجاعا فقط، وهو من حقه، وصلب صلاحياته، بل كان متسرعاً ومن دون ترو ودراسة كافية. بدليل المعاملة غير المهتمة، التي يلقاها لبنان من الأميركيين والإسرائيليين، الذين يتمادون بالدلع وزيادة الملاحظات والتطلب والمبالغة في الشروط.
كل ما يجري بالنسبة للمواطنين المرتبكين المضروبين على رؤوسهم، أساسه أن إطلاق النار لا يزال مستمراً. وإسرائيل غير متوقفة عن تصعيد عدوانها وحربها ضد لبنان ومواطنيه، في الجنوب والبقاع، بحجة القضاء على حزب الله، الذي يبادلها الصواريخ والقذائف والطائرات والمسيرات الانقضاضية.
الانطباع العام، أن لبنان في وضع شبه مسحوق في هذه المفاوضات. صحيح أن هناك أسباباً جوهرية ترسخ ورسخت ضعف أوضاع لبنان، وخصوصاً بعد مبادرة حزب الله إلى توريط البلاد والمواطنين والشيعة بشكل خاص، في حرب إسناد إيران، من دون استعداد ضروري وجاد وموافقة أحد في لبنان. لكن الصحيح أيضاً، أن رعاية وإدارة المفاوضات والإشراف عليها، من قبل الجهات الرسمية في لبنان، والطرف المعني بإدارتها ليست على المستوى المطلوب.
ليس المقصود هنا، رئيس الوفد السفير سيمون كرم، الذي يتمتع بالمواصفات والإمكانيات، والخلفية المطلوبة والمناسبة لهذه المفاوضات، بل المقصود بصراحة إدارة المفاوضات المشرفة على الموضوع.
بإمكان رئاسة الجمهورية، القائدة والمشرفة على المفاوضات، تساندها رئاسة الحكومة، وبالتنسيق معها، أن تستغل الجفاء والمسافة الكبيرة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا وإسرائيل المنبوذة، لكي تروّج وتضغط لإظهار وجهة نظر لبنان والإجرام الإسرائيلي الذي يتعرض له لبنان من قبل توحش إسرائيل.
هناك قرى تجرف وتمحى عن الخريطة ولا أحد يسمع فيها أو يعرف عنها، مع أننا في دولة كاملة المواصفات.
بإمكان لبنان أن يناور قليلاً، ويدعي أنه غير موافق و"زعلان"، وغير قابل باستمرار هذا الأسلوب في الاستخفاف به ولو على سبيل المناورة!
لا يكفي القول إن حزب الله قد جلب لنا النار إلى ديارنا، وهذا صحيح. لكن بإمكان لبنان الرسمي فضح هذه الممارسات والتشهير بها، لدى وسائل الإعلام العالمية والرأي العام العالمي. إسرائيل تعاقب كل الشعب اللبناني وكل الجنوب والبقاع والضاحية جراء فعلة حزب الله.
انطباع متكون بشكل قوي، يوحي كأن لبنان خجلُ أو متردد من إبراز وجهة نظره أمام الإعلام العالمي، بل أن الجانب اللبناني يتصرف بتهذيب "زائد عن اللزوم" في واشنطن، كأنهم "تلاميذ راهبات" وليسوا وفداً مفاوضاً يدافع عن بلده ويشرح قضيته.
يبدو لبنان كأنه "مستح بحاله وبقضيته" مع أن إسرائيل ترتكب الفظائع، من دون أن يقدم لبنان على استغلال فرصة وجوده في واشنطن، لشرح قضيته ومعاناة شعبه والانتهاكات والجرائم الاسرائيلية، أمام وسائل الإعلام العالمية في واشنطن. فيما السفير الإسرائيلي، يعقد مع كل جلسة للمفاوضات، مؤتمراً صحافياً لشرح وجهة نظره ومطالب بلاده، ويعرض ما تريده بلاده.
الواقع، أن لبنان ضعيف الإمكانات العسكرية والاقتصادية، لكن هو ليس ضعيف الموقف، بعد القرارات التي أعلنت عنها الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، وغيرها من القرارات المهمة والجريئة تجاه حزب الله.
ما الذي يمنع لبنان من الحديث والشرح الدائم في مقاربة إعلامية بسيطة، لتسليط الأنظار والأضواء، وفضح الممارسات الإسرائيلية تجاه الجنوب وأهل لبنان، والمجازر التي ترتكبها.
هناك من يتصرف، كأن هذه الأرض ليس لها أصحاب يدافعون عنها ويهتمون بها.
الانطباع السائد بأن لبنان حريص على مسايرة الأميركيين وعدم إغضابهم، لدرجة أنه خجل من الحديث عن قضيته وشرحها، كي لا تغضب عليه أميركا! وهذا موقف غير حكيم. فلبنان إذا شرح وجهة نظره وقام بحملة دعائية في أميركا وأوروبا سيلقى من يدعمه ويسانده. وهناك أجواء مساعدة لذلك.
نجح لبنان في مواجهة تداعيات عدوان العام 2006، من تحويل نفسه إلى ضحية أمام العالم، بعد أن كان المفتري، وفي استجلاب مساندة العرب وبعض الدوليين.
ليس مقبولاً أو مفهوماً الاستمرار بالأسلوب الراهن نفسه، والمقاربة الخجولة والخفرة في التفاوض. في أحيان كثيرة الشكل يؤثر على المضمون. قضيتنا قوية وليست ضعيفة، ولدينا طاقات يمكن تسخيرها واستخدامها إعلامياً ودبلوماسياً، فلماذا الاستحياء، والسكوت والتردد؟




