في الكواليس العسكرية والسياسية، تتسارع التحضيرات بين اليرزة وبعبدا استعداداً للاجتماع الأمني المرتقب في واشنطن نهاية الشهر الجاري، وسط تكتم شديد يحيط بأسماء الضباط اللبنانيين المشاركين، وحساسية متزايدة تحكم مسار التفاوض الأمني بين لبنان والولايات المتحدة في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة.
وتكشف مصادر عسكرية لـ"المدن" أن تركيبة الوفد العسكري اللبناني الذي سيتوجه إلى واشنطن في التاسع والعشرين من أيار أُنجزت بالتنسيق المباشر بين قيادة الجيش ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي شدّد، إلى جانب قائد الجيش، على اعتماد خطاب وطني موحد ومتجانس بين أعضاء الوفد، مع التمسك الكامل بالثوابت اللبنانية خلال الاجتماعات المرتقبة.
ورغم امتناع المصادر عن كشف أسماء الضباط المشاركين، تؤكد أن الاختيار جاء وفق معايير تتصل بطبيعة المرحلة والرسائل التي يرغب لبنان في إيصالها، لا وفق الاعتبارات التقليدية أو الأقدمية العسكرية.
أسماء بارزة خارج الوفد
وبحسب معلومات "المدن"، فإن رئيس قطاع جنوب الليطاني العميد الركن نيكولا تابت، الذي كان يشارك في لجنة "الميكانزم" ويشرف على تطبيق خطة انتشار الجيش جنوب الليطاني، لن يكون ضمن الوفد المتوجه إلى واشنطن. لكنّ الرئيس عون اختار عدم مشاركة تابت في اجتماع البنتاغون.
كذلك، تقول معلومات "المدن" أنّ مدير التخطيط في الجيش اللبناني العميد جورج صقر لن يشارك في اجتماعات البنتاغون المرتقبة، خلافاً لما تم تداوله مؤخراً، على الرغم من حضوره البارز في زيارة قائد الجيش الأخيرة إلى واشنطن ومشاركته في الاجتماعات كافة، إضافة إلى خبرته المعروفة في مجالات التخطيط والتكنولوجيا العسكرية.
وتشير المصادر العسكرية إلى أن جميع ضباط المؤسسة العسكرية "على نفس الموجة"، إلا أن طبيعة المرحلة فرضت اختيار شخصيات محددة تتلاءم مع المناخ السياسي والأمني المحيط بالمفاوضات، مؤكدة أن التنسيق بين بعبدا واليرزة لا يزال مفتوحاً عبر اجتماعات واتصالات متواصلة بين الرئيس جوزاف عون وقيادة الجيش لاستكمال التحضيرات النهائية.
لا خيار سوى التفاوض
في المقابل، ينقل زوار رئيس الجمهورية عنه تأكيده أن "لا خيار سوى الاستمرار في التفاوض"، وتؤكّد المعلومات أنّ الرئيس عون غير مطمئن لتعامل الحزب مع أي اتفاق قد يعمل على تطبيقه بالجنوب باعتبار ان الرئيس يرى أنّ الحزب ينتظر الاشارات من ايران ما إذا عادت الحرب الأميركية الايرانية على حد ما نقله زوار بعبدا عن الرئيس. وتتعامل فيه دوائر بعبدا بحذر شديد مع تسريب أي معطيات مرتبطة بالمفاوضات الجارية، باعتبار أن المرحلة دقيقة وتتطلب أعلى درجات الانضباط السياسي والإعلامي.
وتفيد معلومات "المدن" بأن الجانب الأميركي يشدد بدوره على ضرورة التعامل بموضوعية ودقة مع المعلومات المتصلة بالمفاوضات، خصوصاً تلك التي تتناولها وسائل الإعلام اللبنانية، في ظل المسار الأمني الموازي للمسار السياسي.
وفي هذا الإطار، تعتبر الرئاسة اللبنانية أن المسار الأمني المطروح حالياً يشكل استكمالاً للمسار السياسي المرتبط بترتيبات الجنوب اللبناني، رغم استمرار العقبة الأساسية المتمثلة بعدم التزام إسرائيل الكامل بوقف إطلاق النار.
وتؤكد مصادر بعبدا أن لبنان سيواصل الضغط والتفاوض من أجل تثبيت وقف النار، بالتوازي مع المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة الأسرى، واستعادة الأراضي المحتلة.
هواجس من دور الجيش
لكن التحدي الأكثر حساسية يبقى مرتبطاً بكيفية تطبيق أي اتفاق على الأرض، في ظل وجود حزب الله وانتشاره الميداني في الجنوب.
وتكشف معلومات "المدن" أن التعاون بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي في ملف نزع سلاح حزب الله كان من بين أبرز النقاط التي ناقشها الجانب الإسرائيلي خلال الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن.
وتربط مصادر سياسية رفيعة هذا الطرح بمبادرة أميركية سابقة قُدمت للرئيس جوزاف عون قبل اندلاع حرب إسناد إيران، عرضت خلالها واشنطن مساعدة لبنان في معالجة ملف سلاح حزب الله عبر دعم خطة انتشار الجيش، لا سيما شمال الليطاني، بالتوازي مع استهداف إسرائيلي للبنى التحتية العسكرية الثقيلة.
ورغم استمرار البحث في هذا الطرح بدعم أميركي، تؤكد مصادر سياسية أن رئيس الجمهورية يدرك خطورة زج الجيش اللبناني في أي مواجهة مباشرة مع البيئة الحاضنة لحزب الله، لما قد يتركه ذلك من تداعيات داخلية خطيرة، في وقت لا يزال فيه مشروع "المنطقة العازلة" مطروحاً بقوة من الجانب الإسرائيلي.
حزب الله: رفض للتفاوض المباشر
في موازاة ذلك، يتمسك حزب الله بموقفه الرافض لأي تفاوض مباشر مع إسرائيل، معتبراً أن نتائج هذا المسار لا تعنيه بشكل مباشر.
وتشير مصادر في الحزب لـ"المدن" إلى أن هذا الخلاف يشكل أحد أسباب القطيعة السياسية الرسمية القائمة حالياً بين بعبدا وحارة حريك، وهو الموقف نفسه الذي يكرره رئيس مجلس النواب نبيه بري.
وبعد خفض مستوى تمثيل الحزب في الاتصالات السياسية من رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد إلى النائب حسن فضل الله، على خلفية اعتبارات أمنية تتعلق برعد، لم يُحدد حتى الآن أي موعد رسمي للقاءات جديدة بين الجانبين.
ومع ذلك، تكشف المعلومات أن التواصل غير المباشر لا يزال قائماً خلف الكواليس، ولا سيما عبر قنوات مفتوحة بين الجانبين، في محاولة لمنع انهيار خطوط التواصل بالكامل، بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الإقليمية والأمنية في المرحلة المقبلة.




