تخيَّل أنك تسير في طريقك في شارع عام، وفجأة يخرج عليك رجل يحمل هراوة، يطالبك برسم مرور لمجرّد أن منزله يطل على الرصيف! هذا المشهد الاعتباطي ليس من وحي أفلام العصابات في الغرب الأميركي، بل هو الجوهر الحقيقي للاستراتيجية الإيرانية المعاصرة في مضيق هرمز.
فبينما تتوالى فصول المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى على إيقاع المفاوضات النووية المتعثّرة، والعقوبات، والاغتيالات، وحروب الوكلاء، قررت طهران أن تخلع قناع "الدولة" وتستحضر أرواح القراصنة البائدين، مطالبةً بـِ "أتاوة" مالية للسماح بمرور السفن التجارية عبر المضيق.
لقد تحولت جغرافيا إيران، بفعل هذا السلوك، من ميزة استراتيجية إلى أداة ابتزاز علني في مشهد شديد التعقيد؛ فطهران المحاصَرة بالعقوبات والضربات الموجعة، وجدت ضالتها في خنق مضيق هرمز وتحويله إلى "كشك جباية" إقليمي سيجبر القوى الكبرى على الركوع وتقديم التنازلات. لكن هذا التصرّف الفج لا يعكس قوة، بل ينم عن يأس سياسي يبحث عن شرعية مفقودة عبر أساليبٍ من زمن غابر.
التاريخ لا يعيد نفسه بل يتثاءب سخافة!
يبدو أن مستشاري "الحرس الثوري" قد أفرطوا في قراءة التاريخ القديم، لكنهم لسوء الحظ سقطوا في فخ سوء الفهم والتقدير.
في العصور الغابرة، وتحديدًا في الألفية الثانية قبل الميلاد، كانت مدينة "طروادة" الأسطورية تتربع على مضيق الدردنيل. لم تكن تملك جيشًا لا يُقهر، بل كانت تملك موقعًا جغرافيًا "جذابًا"، استغلّته لفرض أتاوات باهظة على السفن اليونانية المارّة نحو البحر الأسود لشراء الحبوب. ماذا كانت النتيجة؟ تكتَّل اليونانيون بعد نفاذ صبرهم، ونسجوا أسطورة "الحصان الخشبي" الشهيرة، ودمروا طروادة عن بكرة أبيها وحولوها إلى رماد. لم تكن حرب طروادة من أجل عيون الحسناء "هيلين" كما تزعم الأسطورة، بل كانت أول حرب عالمية من أجل "حرية الملاحة" وضد "الخوّة" البحرية!
الإمبراطورية الرومانية لم تكن أقل حزمًا مع هذا العبث. ففي القرن الأول قبل الميلاد، ظنَّ "قراصنة كيليكيا" (جنوب تركيا الحالية) أنهم باتوا ملوك البحر الأبيض المتوسط، فبدأوا باختطاف السفن الرومانية وفرض الفدية، حتى وصل بهم الأمر إلى اختطاف الشاب يوليوس قيصر نفسه! وعندما ضاقت روما ذرعًا بتوقف إمدادات القمح، لم ترسل لهم برقيات تنديد أو دعوات للحوار في جنيف؛ بل فوّضت القائد الفذ "بومبيوس" بصلاحيات مطلقة. وفي غضون ثلاثة أشهر فقط، اجتث هذا قراصنة كيليكيا من عرض البحر، وصلب منهم من صلب، لتتعلم البشرية درسًا مفاده: البحار ليست ملكًا لمن يقف على الشاطئ.
وفي العصور الوسطى، حاولت "مملكة هرمز" القديمة ذاتها لعب اللعبة نفسها، ففرضت ضرائب باهظة على تجارة التوابل والحرير الآتية من الهند. كانت النتيجة أيضًا سريعة وصادمة؛ إذ وصل البرتغاليون بقيادة "ألفونسو دي ألبوكيرك" عام 1515، واحتلوا المملكة، وأذاقوا حكامها وبال أمرهم لتأمين طرق تجارة الإمبراطورية.
التاريخ يعلمنا بوضوح: كل من حاول تحويل الممرات المائية الدولية إلى ملكية خاصة، انتهى به المطاف غريقًا في القاع أو مطرودًا من التاريخ.
سوابق أحدث
إذا كانت طهران ترى في الجغرافيا مبررًا للجباية، فلماذا لم تفعل دول أخرى ذلك؟
الدنمارك، على سبيل المثال، فرضت لقرون (من عام 1429 حتى 1857) ما كان يُعرف بـ"رسوم الساوند" (Sound Dues) على السفن المارة عبر مضائقها نحو بحر البلطيق. كانت الدنمارك في أوج قوتها، لكن "المجتمع الدولي" تكتل ضدها في النهاية. وبدلاً من إعلان الحرب، أُجبرت الدنمارك على توقيع "معاهدة كوبنهاغن عام 1857"، التي بموجبها ألغيت الرسوم تمامًا وتحول المضيق إلى ممر دولي حر، مقابل تعويض مالي رمزي دُفع لمرة واحدة. لم تتباكَ الدنمارك ولم تهدد بقطع كابلات البرق آنذاك، بل انصاعت لمنطق القانون الدولي.
أما تركيا، التي تتحكم بأهم مضائق العالم (البوسفور والدردنيل)، فقد نظمت سيادتها "اتفاقية مونترو لعام 1936". وبالرغم من أن الاتفاقية منحت أنقرة سيادة كاملة، إلا أنها فرضت عليها التزامًا صارمًا: حرية الملاحة المطلقة لجميع السفن التجارية من دون أي رسوم عبور، باستثناء خدمات رمزية اختيارية كالإرشاد الصحي والإنقاذ. لم نسمع يومًا أن تركيا هددت بإغلاق البوسفور لأنها تختلف مع روسيا أو أميركا أو حتى اليونان، لأن الدول المحترمة تعي الفرق بين "السيادة الوطنية" و"البلطجة الدولية".
في الخلاصة، تأسست فلسفة التجارة العالمية منذ قرون على مبدأ "حرية البحار" (Mare Liberum)، الذي يقوم على أن البحار والمضائق الطبيعية هي ملكية مشتركة للبشرية لا يجوز لأي دولة حظر العبور فيها.
جهل فاضح
من الواضح أن الفقيه القانوني في طهران يعاني من جهل فاضح. فهناك فارق قانوني وسيادي شاسع، تُدرّسه الجامعات في سنتها الأولى، بين المضائق الجغرافية الطبيعية والقنوات التي تشقّها الدول بجهدها ومالها.
فالقنوات مثل السويس أو بنما هي منشآت صناعية أشبه بطريق سريع حفرته دولة داخل سيادتها. تنظم الملاحة فيها اتفاقيات خاصة تفرض الدولة بموجبها رسومًا مالية مقابل خدمات المرور والصيانة .
أما المضائق الطبيعية، مثل هرمز أو باب المندب أو جبل طارق، فهي ممرات جغرافية تربط بحارًا ومحيطات، ويخضع المرور فيها لقواعد دولية مختلفة تمامًا، أبرزها مبدأ "المرور العابر" المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. أي أنّ الدولة المشاطئة للمضيق تملك حقوقًا أمنية وسيادية معيّنة، لكنها لا تملك حقّ منع أو عرقلة أو ابتزاز المرور الدولي الحرّ.
قرصنة على رصيف هرمز
تُعرّف القرصنة في القانون الدولي بأنها أعمال عنف أو احتجاز غير قانونية ترتكبها جهات "غير حكومية" لأغراض شخصية. لكن ما تفعله إيران يتجاوز هذا التعريف التقليدي إلى ما يمكن تسميته بـِ "القرصنة السيادية". عندما ينزل عناصر الحرس الثوري بالمظلات على ظهر ناقلة نفط تجارية بحجج واهية، ما الفرق بينهم وبين قراصنة الصومال؟ الفارق الوحيد هو أن قرصان الصومال يرتدي ملابس رثة ويتحدث باسم عصابته، بينما القرصان الإيراني يرتدي بزة عسكرية رسمية ويتحدث باسم "السيادة"!
أما التهديد بفرض رسوم على الكوابل البحرية للاتصالات، فهو قمة السريالية السياسية. هذه الكوابل ممدّدة في قاع الممر المائي لتأمين تدفق البيانات حول العالم. أن تطالب دولة برسوم للسماح بمرور "النبضات الرقمية" عبر مياه المضيق هو ابتزاز يذكرنا بفانتازيا قطّاع الطرق واللصوص في قصص "ألف ليلة وليلة".
دفاع عن النفس؟
تتذرع البروباغندا الإيرانية بأن هذه الإجراءات هي أداة "مشروعة وأخلاقية" للدفاع عن النفس في وجه الحصار والحرب الأميركية-الإسرائيلية. حسنًا، من الناحية الأخلاقية، كيف يكون تهديد مصالح دول آسيوية وإفريقية مسالمة (لا ناقة لها ولا جمل في الصراع)، وبينها حلفاء لطهران، دفاعًا عن النفس؟ عندما ترتفع كلفة التأمين البحري وتتسبب في زيادة أسعار الغذاء والطاقة على فقراء العالم في الشرق الأوسط والهند أو الصين أو اليابان، فإنها لا تقاوم أميركا، بل تحارب المجتمع البشري ككل.
أما من الناحية الاستراتيجية، فإن هذه الورقة ساهمت في تأليب كل المتضررين منها على إيران، ولا سيما الدول الجارة في الخليج، وأرعبت دولًا أخرى من تحويل المضائق حول العالم إلى ماكينات جباية سياسية ومالية!
فاتورة الحساب
يمر عبر مضيق هرمز نحو 21 مليون برميل نفط يوميًا؛ أي خمس الاستهلاك العالمي، بجانب ثلث الغاز المسال. إن أي إخضاع لهذا الممر للرغبات الإيرانية يكلف الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات يوميًا كخسائر مباشرة، ويرفع أقساط التأمين البحري بنسب فلكية تتراوح بين 400% إلى 600% تصل أحيانًا إلى 1000%، وهذا ما رفع سعر برميل النفط عالميًا بشكل طارئ بمعدل 35 دولاراً. سيشعل ذلك، إذا استمرّ، تضخمًا عالميًا لا يبقي ولا يذر.
والخطورة الحقيقية لا تكمن في سلوك طهران وحده، بل في كلفة تعميم هذه السابقة الخطيرة. إذا صمت العالم وقبل بـِ "تسوية" تمنح إيران أي سلطة جباية في هرمز، فإننا سنستيقظ غدًا على سيناريوهات مرعبة: سيقوم "الحوثيون" بفرض رسوم عند باب المندب، وسوف تغلق دول أخرى مضيق "مالاكا" في آسيا، وستعلن روسيا القطب الشمالي منطقة "دفع مسبق" مع ذوبان الجليد.
الحصان "الشبحي"
إنَّ القبول بهذا المنطق هو تدمير لفلسفة "حرية البحار" وعودة بالبشرية إلى عصر "الإقطاعيات البحرية" والفوضى البدائية، حيث تتحكم كل دولة شاطئية بحركة الملاحة والتجارة، وهو ما يهدد سلاسل الإمداد لدول كثيرة بشكل وجودي.
وإذا كانت طهران تطمح لمحاكاة طروادة، فهل فيها من يتذكر أن الحصان الخشبي ليس مصنوعًا هذه المرّة من حطب، بل قد يأتي على شكل أسراب مقاتلات شبحية تحمل، بالفعل، موتًا ودمارًا ملحميًا.. إنما، هذه المرّة، من دون هوميروس يُخبّر عنها!




