يتقدّم ملفّ "الميكانيزم" اليوم إلى واجهة النقاش اللّبنانيّ بوصفه عنوانًا لمعركة أوسع على مرجعيّة إدارة الجنوب. خلف المصطلح التقنيّ، تدور مواجهة سياسيّة وأمنيّة حول الجهة التي تملك حقّ تفسير القرار 1701، وآليّة التعامل مع الخروقات، وشكل الترتيبات التي تريد إسرائيل فرضها بعد الحرب. وفي الواقع، ثمّة وقائع ميدانيّة تتقدّم على النصوص، وضغط أميركيّ يحاول إعادة تركيب قواعد الاشتباك، ومسعىً إسرائيليّ لدفع لبنان نحو تنسيق مباشر، أو شبه مباشر، تحت عنوان أمنيّ لا سياسيّ.
والحقّ، فإنّ النقاش حول "الميكانيزم" لم يعد بمجمله نقاشًا إداريًّا داخل لجنة أمنيّة، بل صار مؤشّرًا إلى تراجع مرحلة كاملة، وصعود مرحلة أخرى. مرحلة تريد فيها واشنطن أن تكون صاحبة الكلمة الأولى، وربما الوحيدة، بعد أن همّشت الدور الفرنسيّ، ودفعت بالملف اللبنانيّ إلى مساحة أكثر التصاقًا بالحسابات الإسرائيليّة والإقليميّة، ولا سيّما الملف الإيرانيّ.
لبنان، في المقابل، يحاول التمسّك بما بقي من مظلّة دوليّة. يتمسّك بـِ "الميكانيزم"، وبالقرار 1701، وبفكرة أن يكون الجيش اللبنانيّ شريكًا في معالجة أيّ خرق أو اشتباه، بدلاً من أن تتحوّل إسرائيل إلى جهة تقرّر وتنفّذ وتضرب من دون مراجعة أحد. لكنّ السؤال الأكثر واقعية اليوم: هل لا تزال هذه الآلية قادرة على فعل شيء، أم تحوّلت إلى إطار شكليّ تجاوزه الميدان؟
قواعد اشتباك جديدة لا تشبه 1701
في موازاة المحاولات اللبنانيّة لتثبيت وقف إطلاق النار، التي لا تبدو إسرائيل في وارد التجاوب الجديّ معها، تتكوّن خلاصة أساسيّة: واشنطن تسعى إلى تكريس قواعد اشتباك جديدة، أقرب إلى العودة إلى معادلة ما قبل 2 آذار 2026. أي أن يوقف حزب الله إطلاق النار بصورة كاملة، ويمتنع عن تنفيذ أيّ عمليات تستهدف القوات الإسرائيلية، في مقابل أن توقف إسرائيل عمليات التقدّم والتوغّل والغارات التي تهدف إلى توسيع نطاق احتلالها أو تثبيت حضورها داخل مزيد من البلدات.
لكنّ هذه المعادلة، كما تُطرح أميركيًّا، ليست متوازنة تمامًا. فالولايات المتحدة تمنح إسرائيل ما تسمّيه تل أبيب "حقّ الدفاع عن النفس"، وهو تعبير فضفاض يمكن أن يشمل استهداف أيّ حركة لحزب الله، أو أيّ موقع تشتبه إسرائيل بوجوده أو بنشاطه. هنا تكمن المشكلة: وقف النار يصبح مطلوبًا من طرف، فيما تبقى يد الطرف الآخر مفتوحة تحت عنوان الوقاية والردع.
لذلك يحاول لبنان إعادة الاعتبار إلى "الميكانيزم". فبدلاً من أن تقصف إسرائيل موقعًا تشتبه بأنه مخزن سلاح أو نقطة عسكرية، يمكنها، نظريًّا، أن تنسّق عبر الآلية مع الجيش اللبنانيّ، وأن يُصار إلى التحقّق ميدانيًّا. هذه الصيغة تحفظ، في الحدّ الأدنى، دور الدولة والجيش، وتمنع إسرائيل من تحويل الاشتباه إلى قرار عسكريّ فوريّ. لكنّ المشكلة أن الثقة الإسرائيلية والأميركية بهذه الآلية تراجعت إلى حدّ كبير.
من إطار مراقبة إلى هامش سياسيّ
في حديثه لـِ "المدن"، يقرأ الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ العميد المتقاعد حسن جوني هذا التحوّل بوضوح. فهو يرى أن "الميكانيزم" لم تتمكّن، منذ البداية، من أداء المهمّة التي أُنشئت من أجلها بعد اتفاق تشرين الثاني 2024. الاجتماعات كانت قليلة، والنشاط تراجع سريعًا، والأميركيون تعاملوا مع الجيش اللبنانيّ بضغط واضح، وبقدر كبير من عدم الثقة بفاعلية الآلية.
وفق جوني، لم يقتنع الإسرائيليون بجدّية "الميكانيزم"، ولا بقدرتها على مراقبة تطبيق الاتفاق. كما أن الدور الفرنسيّ داخلها جرى تعطيله عمليًّا، لمصلحة تفرد أميركيّ بالإدارة. وبذلك، تحوّل الحضور الفرنسيّ إلى حضور غير مؤثّر، فيما باتت واشنطن صاحبة القرار الفعليّ في إدارة الملف.
هذا التراجع لم يأتِ من فراغ. فشل الدولة اللبنانية في بسط سلطتها الكاملة في الجنوب، كما يقول جوني، ساهم في إضعاف صورة الآلية، ومنح إسرائيل ذريعة للقول إنّ الإطار القائم لم يعد كافيًا. وبالتوازي، فرضت إسرائيل وقائع ميدانية تتجاوز القرار 1701 نفسه: حديث عن مناطق عازلة، وجود داخل الأراضي اللبنانية، وترتيبات أمنية جديدة. في هذه اللحظة، يصبح "الميكانيزم" بالنسبة إلى إسرائيل إطارًا متجاوزًا، لا أداة صالحة لإدارة المرحلة المقبلة.
واشنطن تزيح باريس عن الطاولة
تراجع الدور الفرنسيّ هو أحد أكثر وجوه المرحلة دلالة. فلبنان يحاول الاستعانة بفرنسا وبحلفائه العرب لإحداث توازن في مواجهة الزخم الأميركيّ- الإسرائيليّ. غير أنّ باريس تبدو، حتى الآن، بعيدة عن مركز القرار. لا لأنها غائبة تمامًا عن لبنان، بل لأن طبيعة الملف تغيّرت.
يشرح جوني أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر انخراطًا في الصراع منذ السنة الأولى تقريبًا، خصوصًا بعد ارتباطها المباشر بإدارة الحرب ونتائجها. ومن هنا، تريد واشنطن الانفراد بإدارة الملفات المتصلة بالجنوب، ولا ترغب في مشاركة فرنسا بدور أساسيّ، خصوصًا أن المسألة اللبنانية باتت مرتبطة، في القراءة الأميركية، بالملف الإيرانيّ وبحزب الله لا بلبنان كدولة فقط.
فرنسا تملك حضورًا تاريخيًّا ودبلوماسيًّا في لبنان. يكون دورها أقوى عندما يكون النقاش حول الدولة اللبنانية، المؤسسات، الاستقرار السياسيّ، أو المبادرات الدبلوماسية. أما حين يصبح الملف جزءًا من شبكة أوسع تشمل حزب الله وإيران وإسرائيل والردع الإقليميّ، يتقدّم الدور الأميركيّ تلقائيًّا، لأنه الأقدر على التأثير في إسرائيل، والأكثر ارتباطًا بالمفاوضات الإقليمية الكبرى.
اجتماع 29 أيار: الجيش بين الضغط والتفادي
على هذه الخلفية، يتحضّر لبنان للاجتماع العسكريّ في 29 أيار في وزارة الحرب الأميركية. الاجتماعات الداخلية تتكثّف على مستوى قيادة الجيش ومع رئيس الجمهورية، أولًا لتشكيل الوفد، وثانيًا لدراسة الاحتمالات والخيارات. فالمسألة لا تتصل بحضور بروتوكوليّ، بل بتحديد موقع الجيش في المرحلة المقبلة.
حزب الله، في المقابل، يراقب بحذر. السؤال لديه واضح: هل تستمر الضغوط الأميركية لدفع الجيش إلى مواجهة الحزب والعمل على تفكيك سلاحه؟ إذا حصل ذلك، فإن لبنان سيكون أمام احتمال صدام داخليّ بالغ الخطورة. أما الدولة فتحاول البحث عن صيغة صعبة: تجنّب الصدام، تحقيق تقدّم ما على مسار حصر السلاح، ومنع إسرائيل من استخدام التعثّر الداخليّ ذريعة لتوسيع الحرب.
لكنّ هذه الصيغة لا يمكن أن تنجح بمعزل عن المسار الإقليميّ والدوليّ، خصوصًا المحادثات الإيرانية- الأميركية. فالسلاح في لبنان لم يعد ملفًا لبنانيًّا صرفًا، كما أن الجنوب لم يعد ساحة محلية فقط. أي تفاهم داخليّ يحتاج إلى غطاء إقليميّ، وأي ضغط خارجيّ بلا تفاهم قد يدفع البلاد إلى أحد خطرين: استمرار الحرب الإسرائيلية واتساعها، أو انفجار الصراع الداخليّ.
ما بعد "الميكانيزم"
"الميكانيزم" سقطت عمليًّا بعد شبهة سقوطها نظريًّا. في وقت لا يزال لبنان يحتاج إليها كإطار يحفظ دور الجيش والقرار 1701، فيما الولايات المتحدة تبدو ماضية نحو صيغة أخرى، أقرب إلى تفاوض أمنيّ مباشر.
هنا تكمن العقدة. لبنان يريد آلية تمنع إسرائيل من فرض الأمن بالنار. إسرائيل تريد ترتيبات تمنحها حرية الحركة. واشنطن تريد إدارة الملف من دون شريك فرنسيّ فاعل. أما الجيش اللبنانيّ فيقف بين الضغط الخارجيّ والحساب الداخليّ.
أما في الجنوب، فلم تعد المشكلة فقط في من يطلق النار ومن يوقفه. المشكلة في من يكتب القواعد. حتى الآن، يبدو أن واشنطن تحاول كتابتها وحدها، فيما يحاول لبنان ألّا يُستدرج إلى توقيعها تحت النار.




