لم يكن ينقص "الصيغة الملغومة" لقانون العفو العام إلّا أن تصطدم بجدار المُزايدات الطّائفية والمذهبية، لتنفجر الشرايين السياسية بعدما اشتعلت شرايين الأرض بالإطارات والاحتجاجات. وبعد ساعات قليلة من إعلان نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب عن "توافقٍ نيابيّ واسع" حول مسودة القانون، تهاوت هذه القلعة الورقيّة من التفاهمات عند أول منعطفٍ جنائي- سياسي. هذا ما دفع رئيس المجلس النيابي نبيه برّي إلى سحب الفتيل مؤقتًا، وتأجيل الجلسة التشريعيّة التي كانت مُقرّرة يوم غدٍ الخميس، إلى موعدٍ آخر تحت شعار "التوافق".
الانقسام والتأجيل
جاء بيان المكتب الإعلامي للرئيس برّي حاملًا صيغة العتب والتحذير في آن واحد. كان القصد الأساسيّ من اقتراح القانون، بحسب الرئاسة الثانية، "إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة بوصفه ركنًا من أركان الدولة القانونية"، وعلاجًا لأزمة السجون الكارثيّة والتأخير المُزمن في إصدار الأحكام. لكن الرياح في البرلمان والشارع جرت بما لا تشتهي سفن اللجان المُشتركة. إذ سرعان ما تحول الملف إلى منصة تسجيل للنقاط السياسية، واستدعاء لغة الحريض الطائفي والمذهبي على الأرض.
تقول مصادر "المدن" إن أحد الأسباب التي دفعت الرئيس بري لتأجيل الجلسة هو ورود معلومات عن توجه قدامى القوة المسلحة والمتعاطفين معهم إلى قطع الطرقات، احتجاجًا على شمول قانون العفو "قتلة العسكريين"، وذلك في مواجهة الخطوات التصعيدية التي كان ينوي أهالي الموقوفين الإسلاميين القيام بها للضغط من أجل إخلاء سبيل أبنائهم.
وبورصة المخاوف أشارت إلى ارتفاع احتمالات الانزلاق في الشارع، في ظلّ الانقسام السياسي والحرب الإسرائيلية والأزمة المعيشية، فدفعت بري إلى التريث حفاظًا على الاستقرار.
تشير معلومات "المدن" إلى أنّ "التوافق" الذي رُوّج له لم يكن سوى قشرة خارجية صلبة أخفت تحتها انقسامًا عميقًا. بمُجرّد دخول البحث في تفاصيل المواد المُقترحة، تفجّرت المزايدات السياسية. إذ إنّ بعض الكتل المسيحيّة مثل التيار الوطني الحرّ، رفعت شعار عدم العفو عمّن سمتهم "المتورطين بقتال الجيش".
إذ كان رئيس التيار جبران باسيل قد غرّد قبل أسبوعين بالقول: "مع العفو عن الهاربين إلى إسرائيل لأننا أصدرنا لهم قانونًا ولم يطبق. ولكن الأكيد أننا ضد العفو عن كل من قتل جندياً لبنانياً"، مشيراً إلى أن "إعفاء السوريين الذين قتلوا عناصر من الجيش باتصال أو بتواطؤ من السلطة اللبنانية لا يبرر إعفاء اللبنانيين الذين أقدموا على عملية قتل العسكريين".
هذا الكباش النيابي أدّى إلى فرز المواقف ضمن خطوطٍ طائفية، وتحول النقاش من البحث عن "العدالة وطيّ صفحة سياسيّة ماضية" إلى ما يمكن تسميته "تصفية حسابات سياسية". وهذا ما جعل مشروع القانون يبدو وكأنّه "قنبلة موقوتة" داخل "ساحة النجمة" قابلةٌ للانفجار في الشّارع.
فجوة التوقيف والمحاكمة
تكشف الأرقام المُتداولة عمق المأساة خلف قضبان السّجون والنّظارات على الرغم من "الكباش" السياسي. إذ يبلغ مجموع السجناء والموقوفين في لبنان 8590 سجينًا. الصّدمة الكبرى أنّ غالبية هؤلاء من الموقوفين الذي لم تصدر بحقّهم أحكام بعد، حيث يصل عدد الموقوفين إلى 5996 موقوفًا، في مقابل 1023 محكومًا فقط. بينما يتوزّع 1797 بين موقوفين ومحاكمين بأحكامٍ تائهةٍ بين الرّكام القضائي.
تؤكّد هذه الفجوة الهائلة أنّ سجون لبنان تحوّلت إلى مراكز احتجاز مفتوحة بانتظار محاكمات مؤجّلة، وهو ما يُفسّر الغليان والانتفاضة الغاضبة التي شهدتها غُرف ومباني سجن رومية المركزيّ، والتي تُرجمت في الشارع بقطع للطرقات الحيوية في العاصمة بيروت وصولًا إلى طرابلس وعرسال وخلدة من قبل أهالي "الموقوفين الإسلاميين" الذين اشترعوا بخديعة الصّيغة المطروحة.
فخ التشريع ومحدودية الاستفادة
تكشف الأرقام أنّ الصّيغة المُقترحة لقانون العفو العام كانت تحملُ "ألغامًا"، بحسب ما يقول مصدر نيابيّ لـ"المدن".
بحسب المصدر فإنّ المتهمين بملفّات المخدّرات يُعتبرون الفئة الأكثر استفادةً من مشروع القانون، الذي لا يعدل بـ"ملف الإسلاميين". فالعدد التقديري للسجناء المشمولين بالعفو يبلغ 2800 سجنٍ تقريبًا يُضاف إليهم 310 يستفيدون من تخفيض العقوبات المنصوص عليه، ليكون مجموع المستفيدين كليًّا أو جزئيًّا 3126 سجينًا.
تعني هذه الأرقام أنّ أكثر من نصف القابعين في السّجون كانوا سيبقون خلف القضبان، إمّا بسبب استثناءات "إدغام الأحكام" واللبس القانونيّ بمن ميّز الحكم الصادر بحقّه، أو بسبب لائحة الاستثناءات الواسعة.
كذلك فإنّ ملف العقد السيّاسية المُمثل في قضايا "الإرهاب" يُظهر أن عدد السجناء وفقًا للقانون رقم 11 الصادر عام 1958، يقتصر على 228 سجينًا، وهو الملفّ الذي استُخدِم كـ"فزّاعة طائفية"، إذ جرى تصوير القانون وكأنه إخلاء سبيل جماعيّ للمتهمين بـ"الإرهاب"، بينما في الحقيقة يُعالج ملفات المئات من الموقوفين العاديين بتهم المخدّرات والجنح والذين يمثلون الثقل الأكبر داخل الزنازين.
لغم المزايدات يفرمل الاندفاعة
مع اقتراب لحظة الحقيقة التشريعيّة، سارعت القوى السياسية إلى "التخندق" وراء خطوطها الحمر التقليديّة. استعادت بعض هذه القوى لغة التجييش المذهبي والمناطقي. تحوّل ملف الإسلاميين إلى "بعبع" سيّاسي يتبادل الأطراف التُهم حوله بالتهاون بالأمن أو الغبن الطّائفي.
أما ملف "المبعدين إلى إسرائيل"، فقد بدا بدوره شاهدًا على العُقم التشريعي. إذ إنّ إحالة الملف إلى القانون الصادر سنة 2011 لم تكن سوى محاولة لترحيل هذه "المشكلة"، كون هذا القانون ينام في الأدراج لغياب مراسيمه التطبيقيّة نتيجة "الفيتوات" المُتبادلة.
وجد رئيس المجلس نفسه، أمام هذا المشهد الانقساميّ، مضطّرًا لفرملة الاندفاعة النيابية تجنّبًا لانفجارٍ أكبر في الشّارع. ففضّل تأجيل الجلسة تحت لافتة "البحث عن التوافق الوطني".
كذلك، فإنه في الساعات الأخيرة لوح بعض النواب بمقاطعتهم جلسة يوم غد، وأشارت مصادر "المدن" إلى أن نواب الطائفة السنية يسعون مع الكتل المسيحية إلى مقاطعة الجلسة، لعدم تمرير القانون، خصوصًا بعد الاعتراضات على بندي الادغام وإخلاء سبيل أي موقوف بعد مرور 14 سنة سجنية على توقيفه. ورأت مصادر نيابية متابعة لـ"المدن" إلى أن إرجاء الجلسة يعني إعادة النظر من جديد في صيغة القانون المقترح، وإعادة فتح أبواب البرلمان اللبناني لمناقشته عبر اللجان لحل كل العقد الموجودة فيه، وأضافت إلى أن التأخر في إصدار قانون العفو العام يعني تلقائيًا إضافة أزمة جديدة في الشارع اللبنانيّ الذي يعاني أصلًا من عشرات الأزمات.
هكذا، يثبت تطيير جلسة إقرار قانون "العفو العام" أنّ المنظمة التشريعيّة في لبنان لا تزال عاجزة عن صياغة قانون مُجرّد من الحسابات الفئويّة. وأنّ أيّ نصّ يُطبخ لتسجيل مكاسب سيّاسيّة سُرعان ما يلهب الشّارع، ليبقى آلاف السجناء والموقوفين بلا أحكامٍ، يدفعون ثمن بلدٍ "أحوج ما يكون للتضامن"، لكنّه غارقٌ في "بازار المزايدات" التي لا تنتهي.




