لم تكد واشنطن تُعلن تمديد الهدنة في لبنان خمسةً وأربعين يومًا، حتى تولّت إسرائيل ميدانيًّا نعيَها بالغارات والإنذارات والتوغّلات والخطف وتحليق المسيّرات، من الجنوب إلى جبل لبنان وصولًا إلى سماء بيروت. وبينما كان لبنان الرسميّ يراهن على ضغط أميركيّ يُلزم تل أبيب بوقف شامل لإطلاق النار، كانت الوقائع على الأرض تقول العكس: عدوانٌ مستمرّ، شهداء في القرى والبلدات، مبانٍ تُدمَّر بعد إنذارات ليلية، جثامين تنتظر إذن "الميكانيزم" لسحبها، ومفاوضات أمنية تُحضَّر في واشنطن في 29 الجاري تحت النار. في المشهد نفسه، يتقدّم ملفّ البديل عن "اليونيفيل"، ودور الجيش اللبنانيّ، ومصير لجنة "الميكانيزم"، والضغط الأميركيّ باتجاه تنسيق أمنيّ لبنانيّ، إسرائيليّ مباشر، فيما يعلو داخليًّا صوت الاعتراض على التفاوض قبل وقف النار. أمّا إسرائيليًّا، فالصورة ليست أقلّ ارتباكًا: سجالات داخل الجيش حول مهمّات "عبثية" في جنوب لبنان، خشية متزايدة من مسيّرات "حزب الله"، ونقاش سياسيّ، أمنيّ حول توسيع الضربات، والعودة إلى الاغتيالات، والتمسّك بما تسمّيه إسرائيل "الحزام الأمنيّ".
الهدنة بوصفها أداة ضغط لا وقف نار
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في أنّ إسرائيل خرقت الهدنة، بل في أنّها أعادت تعريفها ميدانيًّا. فهي قبلت، أو لم تعترض علنًا، على تمديدٍ أميركيّ لها، لكنها تصرّفت كأنّ هذا التمديد لا يقيّد عملياتها. بهذا المعنى، لم تعد الهدنة إطارًا لوقف النار، بل تحوّلت إلى غطاء سياسيّ يسمح لإسرائيل بمواصلة القصف مع تحميل لبنان (وحزب الله) المسؤولية.
هذا السلوك يحمل رسالة مزدوجة. الأولى للبنان، ومفادها أنّ أيّ تفاوض لن يجري من موقع توازن، بل تحت ضغط النار والنزوح والخسائر. والثانية لواشنطن، ومفادها أنّ إسرائيل تحتفظ لنفسها بحقّ تفسير أيّ تفاهم وفق حاجاتها الأمنية، لا وفق نصوصه أو ضماناته.
الأخطر أنّ الدولة اللبنانية لم تنجح في فرض معادلة بسيطة: لا تفاوض أمنيّ قبل وقف نار واضح ومتحقّق ومراقَب. وحين يعجز لبنان عن انتزاع وقف للنار، يصبح دخوله في بحث الترتيبات الأمنية مخاطرة سياسية، لأنّه يمنح إسرائيل ما تريده قبل أن تقدّم هي ما يُفترض أن تلتزم به أولًا.
واشنطن راعية أم ضاغطة؟
يظهر الدور الأميركيّ في هذه المرحلة ملتبسًا. فمن جهة، تتولى واشنطن إعلان التمديد والتواصل والوساطة. ومن جهة ثانية، لا تبدو قادرة، أو راغبة في إلزام إسرائيل بوقف عملياتها. وهذا الالتباس يضرب جوهر الرهان اللبنانيّ على الضغط الأميركيّ.
فالولايات المتحدة لا تتحرك كوسيط محايد بين طرفين، بل كراعٍ لترتيبات أمنية تريد أن تُنتج واقعًا جديدًا في الجنوب. ولذلك يصبح السؤال مشروعًا: هل الهدف الأميركيّ هو وقف العدوان، أم إدارة نتائجه بما يخدم إعادة صياغة الوضع الأمني على الحدود؟
من هنا، تبدو الاتصالات اللبنانية في واشنطن محدودة الجدوى ما لم تقترن بشرط سياسيّ واضح: تثبيت وقف النار أولًا، ثم البحث في أيّ ترتيبات. أما القبول بمواصلة المسار الأمني بينما تستمر الغارات، فيعني عمليًّا أنّ لبنان يقبل بالتفاوض على شروط ما بعد الحرب قبل أن تنتهي الحرب نفسها.
الاجتماع الأمني المرتقب في واشنطن لا يبدو تفصيلًا تقنيًّا. إنّه، في جوهره، محاولة لنقل النقاش من وقف العدوان إلى هندسة الوضع الجنوبي بعده. هنا تكمن خطورته. فإسرائيل تريد أن تبحث في الانسحاب، والحدود، ودور الجيش، والبديل عن "اليونيفيل"، وآليات الرقابة، من موقع القوّة العسكرية لا من موقع الالتزام باتفاق.
أيّ اتفاق أمنيّ يُناقَش تحت النار سيكون محكومًا بميزان القوة الميداني، لا بالتوازن السيادي. وهذا يعني أنّ إسرائيل ستحاول إدخال مطالبها القصوى في صيغة تبدو تقنية: تنسيق مباشر، توسيع صلاحيات "الميكانيزم"، تقليص دور "اليونيفيل"، وربط حركة الجيش اللبناني بمعايير أمنية تقرّرها تل أبيب أو واشنطن.
المعضلة أنّ إدخال الجيش اللبناني في هذا النوع من الترتيبات قد يضعه أمام اختبار خطير. فالجيش هو مؤسسة وطنية جامعة، وأيّ محاولة لدفعه إلى دور يتجاوز حماية الحدود والسيادة نحو تنسيق عملانيّ مباشر مع إسرائيل ستفتح شرخًا داخليًّا عميقًا، وتضع المؤسسة العسكرية في قلب انقسام سياسي لا مصلحة للبنان فيه.
موقف "حزب الله" ومأزق الداخل
موقف "حزب الله"، كما عبّر عنه النائب حسن فضل الله، يقوم على رفض المفاوضات المباشرة تحت النار، والتمسّك بالمقاومة والدبلوماسية غير المباشرة. سياسيًّا، هذا الموقف يستند إلى نقطة قوة واضحة: لا يمكن مطالبة طرف لبنانيّ بالتزامات إضافية فيما إسرائيل تواصل القصف وتفرض وقائع ميدانية.
لكنّ المأزق اللبنانيّ أوسع من موقف الحزب وحده. فهناك انقسام داخليّ حول معنى التفاوض، وحدود دور الجيش، وطبيعة العلاقة مع واشنطن، وكيفية إدارة الصراع مع إسرائيل. وإذا لم يُضبط هذا الانقسام ضمن تفاهم وطنيّ، فقد يتحول من خلاف سياسيّ إلى أزمة حكم وسيادة.
الأهم أنّ الدولة لا تستطيع أن تطلب وحدة داخلية بينما تتخذ خيارات مصيرية بلا توافق. ولا تستطيع أن تطلب من اللبنانيين الثقة بمسار تفاوضي لا يُنتج وقف نار. لذلك، فإنّ أيّ تفاوض لا يستند إلى إجماع داخليّ عريض سيبقى هشًّا، وسيمنح إسرائيل فرصة إضافية للعب على التناقضات اللبنانية.
القراءة الإسرائيلية: تصعيد لا تسوية
ما يصدر عن الإعلام والنقاشات الإسرائيلية يكشف أنّ تل أبيب لا ترى في الهدنة نهاية للحرب، بل مرحلة لإعادة التموضع. فالدعوات إلى توسيع الضربات نحو الضاحية والبقاع، والحديث عن العودة إلى الاغتيالات، والتمسك بـ"الحزام الأمني"، كلّها مؤشرات إلى أنّ إسرائيل تفكر في إدارة حرب طويلة بوسائل متقطعة.
في المقابل، يكشف انتقاد ضباط وجنود إسرائيليين للقيادة العسكرية عن مأزق آخر. فالميدان الجنوبي لم يعد آمنًا للجيش الإسرائيليّ، وتهديد المسيّرات بات عنصر استنزاف فعليًّا. وهذا يفسّر جانبًا من الاندفاعة الإسرائيلية نحو اتفاق أمني: تل أبيب تريد أن تحصّل بالتفاوض ما تعجز عن ضمانه بكلفة مقبولة عسكريًّا.
لذلك، لا ينبغي قراءة التصعيد الإسرائيليّ بوصفه دليل ثقة كاملة، بل بوصفه مزيجًا من فائض قوة ومأزق ميداني. إسرائيل تضرب لأنها تستطيع، لكنها تفاوض لأنها لا تستطيع حسم الجبهة نهائيًّا. وهذه هي الفجوة التي يجب أن يبني عليها لبنان موقفه، بدل أن يتصرف كطرف مهزوم سلفًا.
المعادلة اليوم واضحة: إسرائيل تريد تفاوضًا تحت النار، واشنطن تريد ترتيبًا أمنيًّا قابلًا للتسويق، ولبنان الرسميّ يبحث عن وقف نار عبر الوسيط نفسه الذي لا يضغط بما يكفي على المعتدي. أمّا الداخل اللبنانيّ، فيقف أمام اختبار منع تحويل الجيش إلى أداة في هندسة أمنية تخدم إسرائيل، ومنع تحويل "الميكانيزم" إلى بديل منحاز عن "اليونيفيل"، ومنع تمرير اتفاق أمنيّ قبل وقف العدوان.
الخطر ليس فقط في استمرار القصف، بل في أن يتحوّل القصف إلى وسيلة تفاوض. عندها لا يعود لبنان يناقش كيفية حماية سيادته، بل كيفية تكييف سيادته مع الشروط الإسرائيلية. وهذه هي اللحظة التي تستدعي موقفًا رسميًّا أكثر صلابة: لا اتفاق أمنيّاً قبل وقف نار شامل، لا تنسيق مباشراً مع الاحتلال، لا بديل عن إطار أمميّ واضح، ولا دور للجيش خارج عقيدته الوطنية الجامعة.
فالهدنة التي لا توقف النار ليست هدنة، والتفاوض الذي يجري تحت القصف ليس تفاوضًا، والسيادة التي تُدار بالضغوط ليست سيادة. لبنان لا يحتاج إلى مسار يجمّل الاختلال، بل إلى قرار سياسيّ يعيد ترتيب الأولويات: وقف العدوان أولًا، ثم التفاوض من موقع دولة لا من موقع ضحية تبحث عن إذن لدفن شهدائها.




