تتكشَّفُ اليومَ واحدةٌ من أخطرِ الإشكاليّاتِ الوجوديَّةِ التي يواجهُها الكيانُ اللُّبنانيُّ منذُ تأسيسِه. الأزمةُ لم تعُدْ مجرَّدَ أزمةِ سلوكِ سياسيٍّ، واستِباحةٍ سِيادِيَّةٍ، أو انهيارٍ اقتصاديٍّ، وتعطُّلِ مؤسَّساتٍ، بل باتتْ أزمةَ معنى تتعلَّقُ بتعريفِ الدَّولةِ، والهويَّةِ، والسِّيادةِ، والولاءِ، وموقعِ الجماعاتِ داخلَ المجالِ الوطنيِّ العامِّ. هنا تحديداً يصبحُ لُبنانُ ساحةَ اشتباكٍ بينَ مشروعَيْنِ متناقضَيْنِ ظاهريّاً، لكنَّهما يلتقيانِ في العمقِ على تقويضِ مفهومِ الدَّولةِ الدُّستوريَّةِ الحديثةِ. مشروعُ الجماعاتِ الخائفةِ المغلقةِ، ومشروعُ الدَّولةِ السَّيِّدةِ الجامعةِ.
دَخلَ لُبنانُ منذُ سنواتٍ في مرحلةِ الانكشافِ الشَّاملِ. إستُبيحَتِ السِّيادةُ، وتفكَّكَ القرارُ الوطنيُّ، وتحوَّلتِ المؤسَّساتُ إلى هياكلَ هشَّةٍ عاجزةٍ عن إنتاجِ السُّلطةِ الفعليَّةِ، فيما تمدَّدتِ الولاءاتُ العابرةُ للحدودِ على حسابِ الهويَّةِ الوطنيَّةِ الجامعةِ. ومع كلِّ انهيارٍ إضافيٍّ، عادَتِ الأسئلةُ الكبرى إلى الواجهةِ. هل أخطأَ لُبنانُ في صيغتِهِ؟ هل فشلَ العيشُ المشتركُ؟ هل سقطَ الميثاقُ الوطنيُّ؟ وهل باتَ الحلُّ في الفدراليَّاتِ الطّائفيَّةِ أو في إعادةِ إنتاجِ الكياناتِ المغلقةِ؟
غيرَ أنَّ المقاربةَ العلميَّةَ الهادئةَ تفرضُ الفصلَ بينَ فشلِ المنظوماتِ الحاكمةِ وبينَ فشلِ فكرةِ لُبنانَ نفسها. فالمشكلةُ لم تكنْ يوماً في التعدُّديَّةِ، بل في غيابِ الدَّولةِ القادرةِ على إدارةِ هذهِ التعدُّديَّةِ ضمنَ إطارِ السِّيادةِ والدُّستورِ والقانونِ. وما سقطَ فعليّاً ليسَ فكرةَ لُبنانَ، بل فكرةَ الدَّولةِ فيهِ. فحينَ تُختَزَلُ المؤسَّساتُ بالمحاصصةِ، ويُختَطَفُ القرارُ الوطنيُّ بالمحاورِ الإقليميَّةِ، وتُحتَكَرُ الطّوائفُ من زعاماتِ الخوفِ الجماعيِّ، يصبحُ الانهيارُ نتيجةً طبيعيَّةً لا استثناءً تاريخيّاً.
في هذا السِّياقِ تحديداً، يتقاطعُ ما يُعرَفُ بـ "حلفِ الأقليّاتِ" مع "عسكرَةِ الأديانِ" والتّفتيتِ الطّائفيِّ والمشاريعِ المذهبيَّةِ المغلقةِ. هذهِ المشاريعُ، رغمَ اختلافِ شعاراتِها وأيديولوجيّاتِها، تقومُ جميعُها على فلسفةِ الخوفِ. الجماعةُ هنا لا ترى نفسَها شريكاً في دولةٍ، بل كياناً مهدَّداً يحتاجُ إلى حمايةٍ خاصَّةٍ وسلاحٍ خاصٍّ وجغرافيا خاصَّةٍ وسرديَّةِ نجاةٍ منفصلةٍ عن الآخرينَ. هكذا يتحوَّلُ الدِّينُ من فضاءٍ روحيٍّ وأخلاقيٍّ إلى أداةِ تعبئةٍ سياسيَّةٍ وأمنيَّةٍ وعسكريَّةٍ.
من هنا تحديداً يمكنُ فهمُ التَّقاطعِ البنيويِّ بينَ نماذجَ تبدو متناقضةً بالكاملِ. يهوديَّةُ الدَّولةِ في المشروعِ الصّهيونيِّ، وولايةُ الفقيهِ بوصفِها مشروعاً فوقَ وطنيٍّ، والتنظيماتُ الجهاديَّةُ الدَّاعشيَّة الراديكاليَّةُ، وبعضُ الطّروحاتِ اللُّبنانيَّةِ التي تدعو إلى كياناتٍ طائفيَّةٍ أو فدراليَّاتٍ مذهبيَّةٍ مغلقةٍ. جميعُها ينطلقُ من فرضيَّةٍ واحدةٍ. الجماعةُ فوقَ المواطنةِ، والهويَّةُ الدِّينيَّةُ فوقَ الهويَّةِ الوطنيَّةِ، والخوفُ فوقَ الدُّستورِ، والقوَّةُ فوقَ القانونِ.
المشكلةُ الأخطرُ أنَّ هذهِ المشاريعَ تحتاجُ دائماً إلى عدوٍّ كي تستمرَّ. فالخوفُ ليسَ عرضاً جانبيّاً فيها، بل شرطُ بقائِها. لذلكَ تتحوَّلُ الجماعاتُ إلى كياناتٍ قلقةٍ تعيشُ على إدارةِ التهديدِ المستمرِّ، وتتحوَّلُ القياداتُ إلى مديري خوفٍ جماعيٍّ بدلَ أن تكونَ صانعةَ دولةٍ. هنا يصبحُ السَّلامُ تهديداً لهذهِ البُنى أكثرَ ممَّا تصبحُ الحربُ تهديداً لها، لأنَّ انتهاءَ الخوفِ يُسقِطُ مبرِّراتِ وجودِها.
في الحالةِ اللُّبنانيَّةِ، تبدو هذهِ الإشكاليَّةُ أكثرَ تعقيداً. لُبنانُ تاريخيّاً لم يُبنَ كدولةِ أقليّاتٍ -رغم السَّرديَّة السَّائِدة - بل كمساحةِ تعدُّديَّةٍ حضاريَّةٍ قائمةٍ على الشَّراكةِ والتوازنِ والعيشِ المشتركِ. لكنَّ الحروبَ الأهليَّةَ المتعاقبةَ، والتدخُّلاتِ الخارجيَّةَ، وفشلَ بناءِ دولةِ السِّيادةِ والقانونِ، دفعتْ قطاعاتٍ واسعةً إلى الانكفاءِ نحوَ العصبيّاتِ الأوَّليَّةِ. مع تراجعِ الثِّقةِ بالدَّولةِ، ارتفعَ منسوبُ الحديثِ عن الفدراليَّةِ والتقسيمِ والكياناتِ الخاصَّةِ بوصفِها مخارجَ للخوفِ الوجوديِّ.
غيرَ أنَّ الخلطَ بينَ اللامركزيَّةِ الإداريَّةِ الموسَّعةِ، وبينَ الفدراليَّاتِ الطّائفيَّةِ يشكِّلُ واحداً من أخطرِ أشكالِ التبسيطِ السياسيِّ اليومَ. اللامركزيَّةُ الإداريَّةُ الموسَّعةُ، كما نصَّ عليها "اتّفاقُ الطّائفِ"، ليستْ مشروعَ تقسيمٍ ولا توزيعَ سيادةٍ، بل آليَّةُ تحديثٍ إداريٍّ وإنمائيٍّ داخلَ دولةٍ واحدةٍ موحَّدةٍ. هدفُها تقريبُ القرارِ من المواطنينَ/ات، وتعزيزُ الإنماءِ المتوازنِ، وتخفيفُ الاختناقِ الناتجِ عن المركزيَّةِ المفرطةِ. أمَّا تحويلُها إلى ترجمةٍ للخوفِ الطّائفيِّ أو إلى مدخلٍ للفصلِ الجغرافيِّ بينَ الجماعاتِ، فيحوِّلُها عمليّاً إلى إعادةِ إنتاجٍ مقنَّعةٍ للحربِ الأهليَّةِ.
ذلكَ أنَّ أيَّ نقاشٍ حولَ تطويرِ النِّظامِ الإداريِّ أو الدُّستوريِّ يبقى ناقصاً إذا لم ينطلقْ أوَّلاً من استعادةِ السِّيادةِ ووحدةِ القرارِ الوطنيِّ واحتكارِ الشَّرعيَّةِ للسِّلاحِ. لا يمكنُ بناءُ دولةٍ حديثةٍ في ظلِّ ازدواجيَّةِ السُّلطةِ، ولا يمكنُ إنتاجُ مواطنةٍ فعليَّةٍ في ظلِّ ولاءاتٍ عابرةٍ للحدودِ، ولا يمكنُ الحديثُ عن إصلاحٍ بينما تبقى المؤسَّساتُ مجرَّدَ أدواتِ نفوذٍ ومحاصصةٍ.
إنَّ جوهرَ الأزمةِ اللُّبنانيَّةِ لا يكمنُ في التنوُّعِ، بل في عجزِ الدَّولةِ عن تنظيمِ هذا التنوُّعِ ضمنَ عقدٍ وطنيٍّ سياديٍّ عادلٍ. لذلكَ فإنَّ أخطرَ ما يمكنُ أن يقعَ فيهِ لُبنانُ هو الانتقالُ من أزمةِ دولةٍ ضعيفةٍ إلى شرعنةِ فكرةِ اللّادولةِ نفسها. عندها يتحوَّلُ التّفتيتُ إلى قدرٍ، وتتحوَّلُ الجماعاتُ إلى كياناتٍ متقابلةٍ تديرُ حدودَها بالخوفِ والسِّلاحِ والارتهانِ الخارجيِّ.
التَّجاربُ الإقليميَّةُ تؤكِّدُ هذهِ الحقيقةَ بوضوحٍ. العراقُ، وسوريا، واليمنُ، وليبيا، جميعُها تحوَّلتْ إلى ساحاتِ تفكُّكٍ حينَ سقطتْ فكرةُ الدَّولةِ الجامعةِ لمصلحةِ الجماعاتِ المسلَّحةِ والهويّاتِ المغلقةِ. حتى النّموذجُ الإسرائيليُّ نفسُهُ، رغمَ تفوُّقِهِ العسكريِّ، يعيشُ قلقاً وجوديّاً دائماً لأنَّ بناءَ الدَّولةِ على فلسفةِ الخوفِ يُنتِجُ خوفاً دائماً لا استقراراً دائماً.
في المقابلِ، لا يمكنُ إنكارُ أنَّ ثمَّةَ حاجةً فعليَّةً إلى إعادةِ تأسيسِ الدَّولةِ اللُّبنانيَّةِ على قواعدَ جديدةٍ أكثرَ عدالةً وفعاليَّةً وحداثةً. لكنَّ إعادةَ التأسيسِ هذهِ لا تعني هدمَ فكرةِ لُبنانَ، بل إنقاذَها من الانهيارِ. لا يعني إسقاطَ التعدُّديَّةِ، بل تحريرَها من الطّائفيَّةِ السياسيَّةِ. لا يعني ذلك إلغاءَ الجماعاتِ، بل منعَ تحوُّلِها إلى بدائلَ عن الدَّولةِ. ولا تعني الانفصالَ عن الشَّرقِ الأوسطِ، بل إنتاجَ نموذجٍ مختلفٍ داخلهِ يقومُ على المواطنةِ والحيادِ الإيجابيِّ والدُّستورِ واحتكارِ السِّلاحِ. من هنا، يصبحُ الرِّهانُ الحقيقيُّ في لُبنانَ اليومَ رهاناً على الدَّولةِ لا على الجماعاتِ. على استعادةِ معنى السِّيادةِ لا على توزيعِ الخوفِ. على بناءِ مؤسَّساتٍ قادرةٍ لا على إعادةِ تدويرِ الانهيارِ. وعلى الانتقالِ من منطقِ العصبيّاتِ المغلقةِ إلى منطقِ المواطنةِ المفتوحةِ.
إنَّ سقوطَ "حلفِ الأقليّاتِ" لا يكونُ عبرَ انتصارِ أكثريَّةٍ على أقليَّةٍ، بل عبرَ سقوطِ فلسفةِ الخوفِ نفسها. كما أنَّ إنهاءَ "عسكرَةِ الأديانِ" لا يعني إقصاءَ الدِّينِ عن المجالِ العامِّ، بل تحريرَهُ من التسييسِ والتوظيفِ الأمنيِّ والعسكريِّ. عندما يتحرَّرُ الإنسانُ من إدارةِ الخوفِ الجماعيِّ، يصبحُ ممكناً الانتقالُ من كياناتِ القلقِ إلى دولةِ المواطنةِ المتجدِّدةِ.
لا يحتاجُ لُبنانُ إلى مزيدٍ من المتاريسِ الفكريَّةِ أو الجغرافيَّةِ أو المذهبيَّةِ. بل يحتاجُ إلى دولةٍ. دولةٍ مواطنةٍ دستوريَّةٍ سيِّدةٍ حرَّةٍ عادلةٍ، تستعيدُ احتكارَ الشَّرعيَّةِ، وتُعيدُ بناءَ الثِّقةِ، وتحتضنُ التعدُّديَّةَ بوصفِها ثراءً حضاريّاً لا خطوطَ تماسٍّ متقابلةً. المعركةُ الحقيقيَّةُ ليستْ بينَ طائفةٍ وأخرى، ولا بينَ جماعةٍ وأخرى، بل بينَ منطقِ الدَّولةِ ومنطقِ اللّادولةِ. بينَ مشروعِ المواطنةِ ومشروعِ الجماعاتِ المغلقةِ. وبينَ مستقبلٍ يُبنى على الشَّراكةِ والسِّيادةِ والقانونِ، ومستقبلٍ يُبنى على الخوفِ والتفتيتِ والارتهانِ. ذلكَ أنَّ العيشَ المشتركَ ليسْ شعاراً أدبيّاً في لُبنانَ، بل حقيقةٌ حضاريَّةٌ. أمَّا السِّيادةُ النّاجزةُ تحتَ مظلَّةِ دَولةِ المواطنةِ الدُّستوريَّةِ، فهي المدخلُ الوحيدُ لإنقاذِ الكيانِ واستعادةِ معنى الوطنِ.




