تمر المنطقة بمرحلة حرجة وحساسة تعيد فيها الماكينة الإعلامية والسياسية الإسرائيلية إنتاج سرديات قديمة بلباس جديد. وتتركز هذه المحاولات اليوم حول الطائفة المعروفية في لبنان وسوريا، عبر استغلال الأزمات الراهنة والتباينات السياسية الداخلية، بهدف رسم صورة مشوهة للموحدين الدروز، من خلال تصويرهم كـ "كيان منفصل" يبحث عن مظلة حماية خارجية، أو كأدوات وظيفية لحراسة حدود الاحتلال التوسعية.
أولاً: فك الاشتباك المفاهيمي.. لغط "السلام" ووهم "التطبيع"
يواجه الرأي العام اليوم تضليلاً متعمداً يخلط بين رغبة المجتمعات في الاستقرار وبين مسار التطبيع. من هنا، يصبح من الضروري تفكيك هذا اللغط السائد عبر التمييز الحاسم بين مفهومين:
* مبدأ السلام والاستقرار: وهو مطلب وطني لبناني بامتياز، يسعى إلى بناء دولة المؤسسات، وحماية المجتمع من استنزاف الحروب المفتوحة والمدمرة. وهو خيار يمثل حاجة حيوية للازدهار الاجتماعي والاقتصادي، وهو محل إجماع وطني لا ينفصل عن الرغبة في صون الكيان اللبناني.
* مسار التطبيع والاستسلام: هو مشروع تحاول البروباغندا الإسرائيلية تسويقه، بعيد كل البعد عن الاستقرار الداخلي، ويذهب أكثر لكونه رغبة في الانبطاح أو التخلي عن الثوابت.
ثانياً: دحض الأسطورة.. قراءة في التاريخ المنسي
لطالما ارتكزت الاستراتيجية الصهيونية على مفهوم "تفتيت المكونات"، ومحاولة تعزيز ما يُسمى "حلف الدم" لفصل الدروز عن سياقهم العربي والوطني. غير أن القراءة المعمقة للتاريخ خاصة لدروز الداخل المحتل تدحض هذه الأطروحة بشكل قاطع.
إن المواقف التاريخية والراهنة للموحدين الدروز —منذ عهد الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش وصولاً إلى النهج السيادي لكمال جنبلاط— تؤكد أن التمسك بمنطق الدولة لا يعني بأي شكل من الأشكال المهادنة مع الاحتلال. فالوعي الجمعي الدرزي يفرق بوضوح بين السعي لاستقرار الوطن، وبين الانزلاق نحو سلام زائف يقضم الهوية والكرامة والأرض.
وبالعودة إلى الأبحاث والوثائق التاريخية التي قدمها المحامي والباحث سعيد نفاع، يتبين زيف الادعاء القائل بمهادنة الدروز للمشروع الصهيوني في بداياته؛ إذ تشير الوقائع إلى انخراط دروز فلسطين المبكر في مواجهة الاستيطان الأول (كما حدث في معارك المطلة والجاعونة)، وصولاً إلى مشاركتهم الفاعلة في جيش الإنقاذ قبل نكبة 1948. وهذه الشواهد لا تؤكد فقط موقفا تاريخيا بل تعكس قناعة ثابتة بالحفاظ على الأرض والمحيط، ورفضا لمنطق "الأقليات المستقوية بالخارج"، مدركين أن أي حماية تأتي من كيان احتلالي هي مشروع ارتهان وتبعية يسلب المجتمع هويته وقيمه الأصيلة. إذ هذه الأمثلة ليست مجرد وقائع تاريخية، بل تعكس تموضعا سياسيا ثابتا لهذا المكوّن ضد أي مشروع انفصالي.
ثالثاً: الاستثمار في التباينات ومشاريع "حراس الحدود"
تنتهز إسرائيل كل اهتزاز أمني أو معيشي في سوريا أو لبنان، محاولةً تقديم نفسها كـ "منقذ" للدروز، مستغلةً الخلافات الداخلية لترويج فكرة "الإدارة الذاتية" أو النزعات الانفصالية.
إلا أن القراءة الواقعية للمشروع الإسرائيلي تكشف أن الهدف ليس حماية الطائفة، بل تحويلها إلى "منطقة عازلة" (Buffer Zone) بشرية، لحماية الأمن الإسرائيلي عبر زج الدروز في مواجهة محيطهم. والواقع داخل كيان الاحتلال نفسه يقدم الدليل الأبرز؛ فإقرار "قانون القومية" العنصري عام 2018 أثبت للجميع أن إسرائيل لا ترى في غير اليهود سوى أدوات وظيفية مؤقتة.
خاصة وأن الأصوات المعارضة التي تعلو فوق كل الادعاءات الزائفة بالحماية، إن كان على لسان الزعيم الروحي لطائفة الدروز في الكيان الشيخ موفق طريف الذي قال جهارة إن "تضحيات أبناء الطائفة في سبيل أمن إسرائيل تقابل بسياسات حكومية مجحفة"، إضافة إلى اعتقال ناشطين دروز من الجولان السوري المحتل على خلفية احتجاجات ضد مشروع التوربينات الهوائية، كل ذلك وغيره الكثير من الاعتداءات ومصادرة أراضي الدروز في الجليل والكرمل والجولان، وهدم المنازل تحت ذرائع شتى، لا يعكس بأي شكل من الأشكال بأن تكون هذه السلطة حريصة على مستقبل الدروز في جبل لبنان أو جبل العرب، فما يجري داخل اسرائيل نفسها يفضح خطاب "الحماية" الموجّه إلى الدروز خارجها.
المنظومة القيميّة في مواجهة التفتيت
إن محاولات عزل الدروز عن امتدادهم المقاوم للاحتلال هي قراءة قاصرة تسقط أمام الوقائع. فالموقف من قضية فلسطين والاحتلال ليس مجرد خيار سياسي، بل هو متجذر في المنظومة القيمية التوحيدية القائمة على "صدق اللسان وحفظ الإخوان". وحفظ الإخوان بمفهومه الشامل يتجلى في التمسك بالعمق العربي والوطني، ورفض الانخراط في مشاريع تفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية متناحرة تضمن تفوق الاحتلال.
يبقى الموحدون في لبنان وسوريا شركاء أساسيين في أوطانهم، يطالبون بالاستقرار والأمن وبناء دولة القانون، لكنهم يرفضون بشكل قاطع أن يختزلوا لكونهم أداة في مشروع صهيوني قام أساساً على التشريد، التهجير، الهيمنة والاجرام، وتحويل مبدأ "السلام" كقيمة انسانية محقّة إلى خطاب سياسي منعزل عن واقع لن يكون في سلاما حقيقيا مع مجرم لا يفقه شيء لا بالإنسانية ولا بالأخلاقيات الفردية والمجتمعية لأي كان.
