في العادة، تبدو أسماء المفاوضين تفصيلًا تقنيًا في أي عملية تفاوضية. لكن في لحظات التحوّل الكبرى، تكشف سيرة المفاوض أحيانًا طبيعة المشروع الذي يقف خلفه أكثر مما تكشفه البيانات الرسمية نفسها. فالدول لا تختار ممثليها الكبار عشوائيًا، بل ترسل عبرهم رسائل سياسية وفكرية تعكس كيف ترى الصراع، وكيف تفهم الأمن، وما الذي تعتبره قابلًا للتفاوض أصلًا.
من هنا، لا تبدو المقارنة بين يحئيل ليتر وسيمون كرم مجرد مقارنة بين شخصيتين ديبلوماسيتين، بل بين مدرستين مختلفتين في تعريف الدولة والسيادة والأمن والمنطقة نفسها.
حين اختار الرئيس جوزاف عون سيمون كرم لرئاسة الوفد اللبناني، بدا واضحًا أن لبنان لا يختار مجرد ديبلوماسي مخضرم، بل شخصية تختصر مسارًا سياسيًا كاملًا في لبنان ما بعد الطائف: الدولة، السيادة، القانون، والعلاقة المعقدة بين الحرب والسلم والسلاح. وفي المقابل، تبدو شخصية يحئيل ليتر اختصارًا لمسار إسرائيلي معاكس تقريبًا: صعود العقيدة الاستيطانية من هامش السياسة إلى قلب الدولة.
ليتر ليس ديبلوماسيًا تقليديًا خرج من المدرسة البيروقراطية الإسرائيلية الكلاسيكية، بل هو ابن اليمين القومي- الديني الاستيطاني. هاجر من الولايات المتحدة إلى إسرائيل عام 1978 بدافع أيديولوجي، وانخرط مبكرًا في المشروع الاستيطاني في الخليل، وكان من أشد المعارضين لاتفاق أوسلو، لا بوصفه اتفاقًا سياسيًا سيئًا فحسب، بل باعتباره تنازلًا عن تصور كامل للأرض والسيادة والهوية.
والأهم ربما أن ليتر ينتمي إلى ظاهرة أوسع داخل إسرائيل الحديثة: جيل من الأميركيين اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل بدوافع عقائدية، ثم أصبحوا أكثر تشددًا من كثير من الإسرائيليين أنفسهم. إنه نتاج تزاوج بين اليمين الأميركي المحافظ، والصهيونية الدينية، والحركة الاستيطانية. وهذا ما يفسر علاقته الوثيقة بواشنطن، وقدرته على مخاطبة البيئة الجمهورية والإنجيلية الأميركية، بالتوازي مع تمسكه الصلب برؤية أمنية ـ توراتية للصراع.
حتى اهتمامه الأكاديمي لم يكن منفصلًا عن رؤيته السياسية، إذ انشغل بكيفية تداخل الدين والتاريخ مع مفهوم الدولة والسيادة. وهنا تحديدًا يصبح فهم شخصية ليتر ضروريًا لفهم إسرائيل الحالية نفسها: دولة تتجه أكثر فأكثر نحو مزج الأمن بالعقيدة، والسيادة بالتاريخ الديني، والقوة العسكرية بالحق التوراتي.
ولعل أكثر ما يختصر هذه المسافة الرمزية أن الرجل شارك جنديًا في اجتياح لبنان عام 1982، ثم يعود اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، جزءًا من البيئة السياسية التي تدير التفاوض مع لبنان. كأن الصراع، بالنسبة إلى جزء من النخبة الإسرائيلية الحالية، ليس سلسلة حروب منفصلة، بل مسارًا واحدًا متصلًا تُستكمل فصوله بأدوات مختلفة.
في المقابل، يأتي سيمون كرم من عالم سياسي وفكري مختلف تمامًا. رجل قانون، وسفير سابق في واشنطن، ومن أبناء المدرسة اللبنانية التي رأت في اتفاق الطائف إطارًا لإعادة بناء الدولة واستعادة السيادة بعد الحرب الأهلية. انخرط في قرنة شهوان، عام 2000، مع كوكبة من رجال الفكر والسياسة الموارنة، مثل سمير فرنجية وفارس سعيد وجان عزيز، وارتبط بمناخ 14 آذار المستقل والسيادي، كما انخرط في المناخ المعارض لسوريا ولحزب الله منذ انطلاقته الأولى، وكان من الأصوات التي اعتبرت أن استعادة القرار اللبناني تمر عبر حصرية السلاح بيد الدولة، وربط لبنان بمؤسسات الشرعية الدولية لا بالمحاور الإقليمية. وكان ذلك حين كانت المؤسسات الدولية وازنة، وكانت الدول لا تزال تقف عند قراراتها إلى حدّ بعيد.
كرم لا يمثل خطابًا ثوريًا أو شعبويًا، بل المدرسة اللبنانية التقليدية التي ترى أن الأمن يُبنى عبر المؤسسات والقانون والديبلوماسية، لا عبر تعدد مراكز القرار العسكري. ومن هنا، فإن اختياره لا يعكس فقط رغبة في إدارة تفاوض تقني، بل محاولة لتقديم لبنان بوصفه دولة تريد التحدث بلغة الشرعية والسيادة، لا بلغة الحرب المفتوحة.
لكن المفارقة الأعمق ربما لا تكمن فقط في اختلاف الرجلين، بل في اختلاف البيئتين اللتين يخرجان منهما. فإسرائيل الحالية، رغم انقساماتها الداخلية العنيفة، والتي قد تصبح أكثر عنفًا بعد وقت ليس بطويل، تبدو أكثر وضوحًا أيديولوجيًا من أي وقت مضى. تعرف ما الذي تريده أمنيًا واستراتيجيًا، من المنطقة كلها لا من لبنان فحسب، حتى لو اختلف الإسرائيليون على الوسائل والأولويات.
أما لبنان، فيدخل التفاوض فيما لا يزال مختلفًا على تعريف الحرب نفسها: هل كانت حرب إسناد؟ حرب دفاع؟ حربًا إقليمية؟ حربًا استباقية؟ أم حربًا فُرضت على الدولة اللبنانية من خارج قرارها؟ وفي كل سؤال شيء من الحق وشيء من المشروعية، إلى حدّ ما. وهو مختلف أيضًا على معنى السيادة، وحدود المقاومة، وحق الدولة في احتكار السلاح والقرار الأمني.
ومن هنا، لا تبدو المفاوضات الجارية مجرد تفاوض بين دولتين، بل بين ذاكرتين متناقضتين أيضًا.
فبالنسبة إلى ليتر، لبنان جزء من تاريخ طويل من المواجهة الأمنية مع “الخطر الشمالي”، ومن تجربة شخصية بدأت منذ اجتياح 1982. أما بالنسبة إلى جزء يعتد به من اللبنانيين، وخصوصًا داخل البيئة الشيعية، فذاكرة 1982 نفسها تحمل معنى مختلفًا تمامًا: الاحتلال، والدمار، والتهجير، وولادة فكرة حزب الله، أو المقاومة الإسلامية، بعد خروج المقاومة الفلسطينية من المشهد، بوصفها ردًا على غياب الدولة وعجزها.
وفي المقابل، يحمل سيمون كرم ذاكرة لبنانية أخرى: الحرب الأهلية، الطائف، الوصاية السورية، ثم محاولة إعادة بناء الدولة بعد عام 2005 على قاعدة السيادة وحصرية القرار الشرعي. وهكذا، لا يدخل المتفاوضون إلى الطاولة فقط بأوراق سياسية وأمنية، بل أيضًا بذاكرات متصادمة حول معنى الخطر والأمن والدولة نفسها.
وفي جوهر المقارنة بين الرجلين، لا يظهر فقط فارق سياسي، بل فارق في تعريف السيادة نفسها.
بالنسبة إلى كرم، السيادة ترتبط بالدولة والمؤسسات والقانون الدولي واحتكار القوة الشرعية. أما عند ليتر، كما لدى جزء كبير من اليمين الإسرائيلي الحالي، فالسيادة ترتبط بالأرض والتاريخ والعقيدة وميزان القوة. أحدهما يفاوض من داخل فكرة الدولة، والآخر يفاوض من داخل فكرة المشروع.
ولعل ما تسرّب أخيرًا عن مسودة "إعلان النيات" المقترح يكشف بوضوح أن المفاوضات لا تدور فقط حول وقف النار أو تثبيت الحدود، بل حول إعادة تعريف مفهوم السيادة اللبنانية نفسها: من يحتكر القوة؟ من يضبط الجنوب؟ ما هو دور الجيش؟ وما هي طبيعة التوازن الأمني الجديد الذي يُراد للبنان أن يدخل فيه؟ فلبنان يبدو كأنه يفاوض لإنهاء الحرب، فيما تبدو إسرائيل، مدعومةً برؤية أميركية أوسع، كأنها تفاوض على شكل لبنان التالي للحرب، سياسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا.
لهذا، لا تبدو المشكلة الأساسية في مبدأ التفاوض نفسه. فالتفاوض ليس خيانة، كما أن الحرب الدائمة ليست استراتيجية قابلة للحياة. حتى أكثر النزاعات دموية في العالم انتهت، في لحظة ما، إلى طاولات تفاوض. لكن نجاح أي تفاوض يفترض فهمًا دقيقًا لطبيعة الطرف الآخر، ولموازين القوى، وللهوية الفكرية والسياسية التي تحكم من يجلسون إلى الطاولة.
حين يفاوض طرفٌ يعتبر الأرض واحتلالها عقيدة، فيما الطرف الآخر لا يزال مختلفًا داخليًا على تعريف الدولة والقرار الوطني والسلاح والسيادة، تصبح الطاولة نفسها انعكاسًا لاختلال أعمق بكثير من مجرد ميزان القوة العسكري.
في النهاية، قد لا تكون المشكلة الأساسية أن لبنان وإسرائيل يتفاوضان من موقعَي قوة غير متكافئين فحسب، بل أن كل طرف يتحدث أصلًا عن دولة مختلفة في التشكيل، وعن سيادة يختلف مفهومها بين الاثنين، وعن سلام يبغي كل طرف من خلاله أهدافًا مختلفة؛ أي ليس سلامًا بمعنى: أنت في دارك وأنا في داري.
وحين تدخل الدول المفاوضات من دون اتفاق حتى على معنى الدولة نفسها، يصبح الحديث عن وقف الحرب والهدنة أفضل بكثير من الحديث عن بناء سلام قابل للحياة… حتى تأتي لحظة يصبح فيها السلام واردًا بتكافؤ أكبر.




