هدنة الجنوب متشظية و"العفو العام" مأزوم

مانشيت - المدنالأحد 2026/05/17
Image-1779018693.Jpg
الغارات الإسرائيلية على الجنوب استمرت، و"حزب الله" واصل إعلان عملياته (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

وسط غبار الغارات الإسرائيليّة المتواصلة على بلدات الجنوب، وتحت سقف هدنةٍ أُعلن تمديدها خمسةً وأربعين يومًا، يدخل لبنان امتحانًا سياسيًّا وأمنيًّا هو الأشدّ والأقسى. فالبلد لا يفاوض فقط على وقف نار، بل على معنى السيادة، ودور الجيش، وحدود القرار الرسمي، ومستقبل العلاقة بين الدولة و"حزب الله"، في لحظة إقليميّة مفتوحة على احتمالات التصعيد. وفي الداخل، لا تبدو ساحة النجمة بعيدة عن ميدان النار، إذ يطلّ مشروع قانون العفو العام بوصفه اختبارًا موازيًا لقدرة السلطة على معالجة ملفّ السجون، من دون تحويل العدالة إلى بازار طائفيّ أو تصفية حسابات مقنّعة.

بهذا المعنى، لا يمكن فصل مسار التفاوض اللبناني - الإسرائيلي، برعاية أميركيّة، عن مسار العفو العام. في الملفّين معًا، تقف الدولة أمام السؤال نفسه: هل تملك قرارها، أم تُدار تحت ضغط الخارج والشارع والطوائف والسلاح والأزمات؟ وهل تستطيع إنتاج تسويات وطنيّة، أم تكتفي بتدوير الانفجار؟

 

هدنة لا توقف الحرب

التمديد الجديد لوقف إطلاق النار، الساري منذ 17 نيسان، لا يعني أنّ الحرب انتهت. فالغارات الإسرائيليّة على الجنوب استمرّت، و"حزب الله" واصل إعلان عمليّاته العسكريّة، فيما بقيت الهدنة أقرب إلى إدارة للنار منها إلى إطفاءٍ لها. ما جرى في واشنطن، بعد الجولة الثالثة من المباحثات بين الوفدين اللبنانيّ والإسرائيليّ، لم يكن اتفاق سلام، ولا تسوية نهائيّة، بل محاولة أميركيّة لتثبيت سقف اشتباك مضبوط، يسمح لإسرائيل بمواصلة ضرب أهداف في الجنوب، ويمنعها، وفق القيود الأميركيّة المنسوبة إلى الرئيس دونالد ترامب، من توسيع القصف إلى بيروت والبقاع.

هنا تكمن خطورة المرحلة. فلبنان يطلب وقفًا شاملًا ونهائيًّا للنار، وانسحابًا إسرائيليًّا كاملًا، وعودة الأهالي، وإعادة الإعمار، وتحرير الأسرى، بينما تريد إسرائيل ثمنًا سياسيًّا وأمنيًّا مقابل أيّ تهدئة: ترتيبات حدوديّة، تنسيقًا عسكريًّا، وضمانات تُقيّد حركة "حزب الله" وتعيد تشكيل الجنوب بما يطمئن تل أبيب. وبين الهدفين، تحاول واشنطن صناعة مسار طويل يبدأ بالهدنة ولا ينتهي بالضرورة عندها.

 

"إعلان النوايا": تفاوض على ما بعد النار

لم يكن البيان المختصر عن تمديد الهدنة خلاصة ما دار في واشنطن. فالمطروح فعليًّا أوسع بكثير، ويتعلّق بما يُسمّى "إعلان النوايا" بين لبنان وإسرائيل. هذا الإعلان، وفق ما رشح من معلومات، يتجاوز وقف النار إلى بنود تتصل بدور الجيش اللبناني، وآليّات التنسيق الأمني، ومستقبل الجنوب بعد الانسحاب الإسرائيلي، ودور "الميكانيزم"، وموقع "اليونيفيل"، وحدود التدخّل الأميركيّ في إدارة الأمن الحدودي.

الوفد اللبناني أصرّ على تعديل معظم البنود المطروحة، وقدّم مقاربة تنطلق من خصوصيّة لبنان ومصلحته، لا من الرؤية الأميركيّة، الإسرائيليّة للوضع. غير أنّ المشكلة لا تكمن فقط في النصوص، بل في ميزان التفاوض. فإسرائيل تتعامل مع لبنان كما لو أنّه في موقع الضعيف، وتسعى إلى فرض إملاءات تحت عنوان "أمن الحدود الشماليّة"، بينما تخشى بيروت أن يتحوّل أيّ تنازل تقنيّ إلى التزام سياسيّ طويل الأمد.

الأخطر أنّ إسرائيل حاولت دفع الأمور نحو تنسيق مباشر بينها وبين الجيش اللبناني، مع تقليص دور لجنة "الميكانيزم"، واستبعاد فرنسا و"اليونيفيل" من التمثيل الفعلي. وقد نجح لبنان، حتى الآن، في إعادة إدراج اللجنة ضمن النقاش، لكنّ الضغط الأميركيّ لا يزال حاضرًا، ويميل إلى اختصار الأطراف وتسهيل التفاهمات الأمنيّة المباشرة.

من هنا، فإنّ الاجتماع الأمني المقرّر في 29 أيار في وزارة الدفاع الأميركيّة، "البنتاغون"، سيكون محطة حسّاسة. لبنان سيمثّله وفد عسكريّ من قيادة الجيش، ومن المؤكد أنّ المؤسسة العسكريّة ستذهب بورقة عمل تستند إلى ما أنجزته في الجنوب، وجدول زمني للمهامّ الممكنة. لكنّ السؤال يبقى سياسيًّا قبل أن يكون عسكريًّا: هل تملك السلطة قرارًا موحّدًا يمنع توريط الجيش في صيغة تُفخّخ الداخل؟

 

"حزب الله": رفض التطبيع وحسابات إيران

في ذكرى 17 أيار، أعاد "حزب الله" تثبيت موقفه الرافض لأيّ "إملاءات أو ضغوط أو وصايات خارجيّة" تدفع لبنان نحو تفاوض مباشر أو اتفاق سلام مع إسرائيل. بالنسبة إليه، أيّ مسار من هذا النوع يمنح تل أبيب مكاسب سياسيّة وأمنيّة مجّانيّة، ويضع لبنان أمام تنازلات تمسّ ثوابته الوطنيّة.

لكنّ موقف الحزب لا يقف عند حدود الداخل. فهو لن يفصل مساره عن إيران، وهذا ما يجعل الهدنة هشّة أكثر. فإذا عادت المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، فإنّ كلّ ما يُبنى اليوم في واشنطن قد يسقط دفعة واحدة على حدود الجنوب. لذلك، فإنّ تمديد الهدنة ليس ضمانة، بل مهلة اختبار، تتقاطع فيها الحسابات اللبنانيّة مع الإقليميّة والدوليّة.

 

المسيّرات تقلق إسرائيل

تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو عن مسيّرات "حزب الله"، ولا سيّما العاملة بالألياف، تكشف حجم القلق داخل المؤسسة الأمنيّة الإسرائيليّة. نتنياهو تحدّث عن الحاجة إلى صبر وإجراءات دفاعيّة متواصلة، وأشار إلى أنّه حذّر منذ سنوات من خطر المسيّرات المتفجّرة وإمكان استخدامها في الاغتيالات وساحات القتال. كما لفت إلى دروس الحرب في أوكرانيا، وإلى طلبه إقامة "مظلّات حماية" فوق الدبابات للحدّ من قدرة المسيّرات على استهداف الآليّات.

الكلام هو اعتراف بأنّ المواجهة تغيّرت، وأنّ التفوّق الإسرائيليّ لم يعد كافيًا لإلغاء مخاطر الحرب غير التقليديّة. ومع الحديث الإسرائيليّ عن مقتل نحو عشرين جنديًّا وضابطًا بنيران ومسيّرات "حزب الله" منذ استئناف الحرب مطلع آذار، يصبح واضحًا أنّ إسرائيل لا تفاوض فقط تحت عنوان وقف النار، بل تحت ضغط تهديد عسكريّ جديد تريد تفكيكه سياسيًّا وأمنيًّا.

 

العفو العام: معركة العدالة المؤجّلة

في المقابل، يدخل مشروع قانون العفو العام نفقًا جديدًا من الكباش البرلمانيّ. لم تعد الأزمة محصورة بالتوازنات الطائفيّة التقليديّة، بل تحوّلت إلى معركة أرقام دقيقة حول سقف العقوبات، ولا سيّما الأشغال الشاقة المؤبّدة. اجتماع مكتب نائب رئيس مجلس النواب إلياس أبو صعب، يوم الإثنين 18 أيار، مع ممثلي الكتل الكبرى، يبدو "الخرطوشة" الأخيرة قبل الذهاب إلى اللجان المشتركة أو نعي المشروع سياسيًّا.

العقدة الأساسيّة هي: خمس عشرة سنة أم عشرون؟ النواب السنّة، الممثّلون في الاجتماع بالنائب نبيل بدر، يضغطون لخفض سقف المؤبّد إلى خمس عشرة سنة. بالنسبة إليهم، اعتماد سقف العشرين سنة يجعل القانون بلا أثر فعليّ على الشارع الذي يطالب به، إذ لا يفتح الباب إلّا أمام خروج عدد محدود جدًّا من السجناء. أمّا خفض السقف إلى خمس عشرة سنة، فيُعطي القانون مفعولًا سياسيًّا واجتماعيًّا واضحًا، خصوصًا في بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع (راجع "المدن").

 

دولة تُفاوض على نفسها

لبنان اليوم أمام امتحان مزدوج. في واشنطن، يُطلب منه أن يثبت أنّه دولة قادرة على ضبط حدودها من دون أن يتحوّل جيشها إلى أداة في دفتر شروط إسرائيليّ. وفي بيروت، يُطلب منه أن يثبت أنّه دولة قادرة على معالجة ملفّ السجون بعقل العدالة لا بمنطق الثأر والطوائف.

ما بين هدنة الجنوب وعفو السجون، العنوان واحد: الدولة. فإذا تفاوضت من موقع الضعف، خسرت سيادتها. وإذا شرّعت تحت ضغط الشارع وحده، خسرت عدالتها. أمّا إذا نجحت في تثبيت الجيش مؤسسةً وطنيّة، وفي تحويل العفو إلى معالجة إنسانيّة وقانونيّة لا صفقة سياسيّة، فقد تملك فرصة نادرة للخروج من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء القرار. وحتى ذلك الحين، سيبقى لبنان معلّقًا بين نار لا تنطفئ، وعدالة لا تصل، وسياسة تعرف كيف تؤجّل الانفجار أكثر ممّا تعرف كيف تمنعه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث