من المفترض أن يدخل لبنان هدنة جديدة مدتها 45 يوماً، بحيث تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات ردّ حزب الله عليها. لكنّ الجميع بقي بانتظار ما ستحمله الساعات المقبلة لجلاء غموض المحاولات الرامية إلى تثبيت وقف النار، في ظلّ استمرار الالتباس الذي يشوب النتائج المعلنة للجولة الثالثة من المفاوضات، وسط تزايد الخشية من بقاء الوضع الميداني على حاله بين الإنذارات والغارات الإسرائيلية المتواصلة على البلدات الجنوبية. وشهدت ساعات ما بعد منتصف الليل عمليات تمشيط إسرائيلية وقصفًا مدفعيًا استهدفا عددًا من البلدات جنوبًا، فيما استمر تحليق المروحيات فوق القنطرة.
ونشطت المساعي لتحقيق وقف نار شامل في لبنان بالتزامن مع التهديدات الأميركية والإسرائيلية بشنّ جولة جديدة من الحرب على إيران. وقد نشر دونالد ترامب صورة على منصة "تروث سوشيال" تُظهر سفناً حربية في مضيق هرمز، مرفقة بعبارة: "الهدوء ما قبل العاصفة".
وهو ما عزّز لدى حزب الله الشعور بوجود مسعى لفصل مسار لبنان عن إيران، حيث كتب المسؤول في الحزب بلال اللقيس أن الحديث عن هدنة على جبهة لبنان ليس أكثر من "مناورة إسرائيلية - أميركية بهدف فصل جبهات المقاومة وتفريقها"، مضيفاً: "ربما يخططون لشيء ضد إيران".
وعلمت "المدن" أن لبنان شهد مساع جدية للوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار، عبر تحركات وضغوط دبلوماسية تهدف إلى دفع إسرائيل نحو الالتزام به، وفي حال تحقق هذا المسار، فإن حزب الله سيكون ملتزمًا أيضًا بوقف النار.
وفي حال تعثر هذه الجهود، ستنتقل الاتصالات إلى محاولة تكريس خفض تصعيد تدريجي يحد من وتيرة المواجهات. إلا أن الشكوك لا تزال قائمة حيال مدى التزام إسرائيل بأي تفاهم محتمل أو استمراريته.
ويوم أمس، استمرت إسرائيل في عدوانها، إذ شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات على بلدة يحمر الشقيف، في وقت تتعرض فيه بلدات كفرتبنيت وأرنون ويحمر الشقيف، والعباسية وتبنين وفرون وتعرضت طريق أرنون - كفرتبنيت وقاعقعية الجسر لقصف مدفعي مركّز. كما نفذت قوات الاحتلال عمليات نسف في الخيام استهدفت أحياءً سكنية ومنازل داخل البلدة.
حزب الله: لا للإملاءات أو الضغوط
وأعلن حزب الله اللبناني رفضه "أي إملاءات أو ضغوط" خارجية ضمن مسار التسوية مع إسرائيل، كما دعا الحكومة إلى وقف "التنازل المجاني"، في وقت يستمر فيه خرق وقف إطلاق النار الهش بين الجانبين. وقال في ذكرى 17 أيار إنه "يرفض أي إملاءات وضغوط ووصايات أمريكية أو غيرها تحاول فرض مسار ومصير يطعن بسيادة لبنان". وطالب الحكومة وقف ما سماه بـ"مسلسل التنازل المجاني والتفريط في الحقوق وكرامة الوطن"، داعيا السلطة إلى التعاون في سبيل "تحقيق الثوابت الوطنية ووقف العدوان بشكل نهائي وكامل".
ويبدو التشكيك بالنوايا الإسرائيلية في الالتزام بالهدنة مبرَّراً، في ظل الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لها تحت عنوان "حق الدفاع عن النفس"، وهو ما جعل الهدنة الحالية هشّة، بل حوّلها إلى فرصة لإسرائيل لاستكمال عدوانها، ومواصلة سياسة تدمير المنازل، واستهداف المسعفين، وإفراغ القرى من سكانها، عبر الاستمرار في توجيه الإنذارات المتتالية، وكان آخرها الإنذار الذي وجّهته اليوم إلى سكان 9 بلدات جنوبية (قعقعية الصنوبر، كوثرية السياد، المروانية, الغسانية، تفاحتا، ارزي (صيدا)، البابلية، أنصار (النبطية)، البيسارية)، فيما تتواصل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في وزارة الخارجية الأميركية.
امتحان جديد يدخله لبنان اليوم بالتوازي مع الإعلان عن الهدنة الجديدة. فعقب جلسة مفاوضات استمرت يومين وعلى جلسات متتالية، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن إسرائيل ولبنان اتفقا على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، إن الجولة الثالثة من المحادثات بين إسرائيل ولبنان أسفرت عن الاتفاق على تمديد وقف الأعمال العدائية المبرم في 16 نيسان/أبريل لمدة 45 يوماً، بهدف إتاحة المجال لتحقيق مزيد من التقدم.
وكشف أن الخارجية الأميركية ستستأنف المسار السياسي للمفاوضات في جولة رابعة يومي 2 و3 حزيران/يونيو المقبل، فيما سيُطلق مسار أمني في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في 29 أيار/مايو، بمشاركة وفود عسكرية من الجانبين.
وأوضح أن واشنطن تأمل أن تسهم هذه المناقشات في تحقيق "سلام دائم" بين البلدين، والاعتراف الكامل بسيادة كل طرف ووحدة أراضيه، إضافة إلى ترسيخ الأمن على طول الحدود المشتركة.
من جهته، قال الوفد اللبناني، في بيان، إن الأطراف اتفقت على تمديد وقف إطلاق النار "للسماح ببدء المسار الأمني برعاية الولايات المتحدة في 29 أيار/مايو، ولتعزيز الزخم السياسي الذي تحقق في الأيام الأخيرة".
وأضاف أن "مساراً سياسياً رسمياً" أُطلق خلال المحادثات، في خطوة قال إنها تعزز فرص التوصل إلى "حل سلمي دائم"، مشيراً إلى أن الجولة المقبلة من المفاوضات ستُعقد يومي 2 و3 حزيران/يونيو المقبل في مقر الخارجية الأميركية بواشنطن.
كما أوضح الوفد أن الولايات المتحدة ستعمل على تعزيز التنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل عبر مسار أمني يُفترض أن ينطلق في البنتاغون نهاية الشهر الجاري.
وأكد الوفد اللبناني تمسّك بيروت بما وصفه بـ"الركائز الأساسية"، وفي مقدمتها استعادة السيادة على كامل الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، والإفراج عن المعتقلين، واستعادة رفات الضحايا.




