حرب العناوين المستحيلة

أحمد جابرالسبت 2026/05/16
قصف إسرائيلي (Getty)
كيف ينقذ اللبنانيون ما تبقى (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تدور اليوميات اللبنانية في سياق عناوين سياسية تقارب الاستحالة، لكأن العناوين مرفوعة كرايات قتل وتعقيد وتداخل ومعضلات، ممّا يجعلها في نهاية المطاف، عناوين توظيفية، بالنظر إلى صعوبة تحققها، وإلى العقبات التي تمنع تجسيدها واقعاً يصبّ في نهر المهاجم، أو حالة تجفّف ما لدى المعتدى عليه من مصادر ريّ، سماوية كانت أو أرضيّة.

 

عنوان أميركي

كما هو معلوم شنّت السياسة الأميركية حربها على إيران تحت راية عناصر أربعة، تشكل مجموع أهدافها.

إسقاط النظام الإيراني كان الهدف الأول، ولنقل إنه كان العنوان الذي يقود إلى تحقيق الأهداف الباقية، التخصيب النووي، والسلاح الصاروخي الباليستي وإنها دور "الوكلاء" في البلاد العربية.

القيادة الأميركية، برايتها الترمبية، أرادت الفوز بما تسعى إليه من مآرب من الجو، وحاذرت وما زالت ملامسة الأرض، وامتدَّ الحذر ليضبط "توربينات" وبوصلات الأسلحة البحرية لتظلّ بعيدة من مرمى نيران الأسلحة الدفاعية الإيرانية. هذا هو المشهد ونتائج "الراية" القيادية الأميركية ماثلة للعيان.

"تحسمُ الحربُ عندما تطأ الأرض أقدام الجنود"، قول قديم للألماني كلاوزفيتز، فهل يظن عاقلٌ أن القول لم يصل إلى الكليّات الاستراتيجية الأميركية؟ وهل يخالط الشكُّ الذهن إذا قيل إن العسكري الاستراتيجي الأميركي قد تجنَّب الأرض، لإدراكه الأكيد أن في الأمر مغامرة خطيرة كبرى؟ الحقيقي أن التقدير السياسي – العسكري الأميركي لم يغب عنه القول، ولم يقع في حيرةٍ من الاختيار، لكنه اختار ما يقرب من المستحيل، وهو على دراية باستحالته، لأنه أراد لاختياره وظيفة محددة، تتيح له المناورة وتسمح له بقول الشيء وعكسه، في سياق واحد، هو سياق الوصول إلى الأهداف الأهم على امتداد مدى زمني مفتوح، يملك صاحب القرار توقيت ومفتاح إقفاله. هكذا صار العنوان الفعلي، إسقاط النظام، الذريعة الأهم التي أشاعها الأميركي، من الذين كانوا ضمن مسرح العمليات، لكنهم كانوا على مقاعد المشاهدين.

 

عنوان إسرائيلي

اختار الإسرائيلي عنوانه المستحيل فحدَّده بهدف نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته القتالية. رمى المخطِّط السياسي- العسكري إلى الجمع بين الانتماء إلى أهداف الهجوم الأميركي في إيران، وبين تحقيق أهدافه الخاصة، في إيران وفي لبنان.

انعقد اللقاء عند أساسيات الأهداف المشتركة لكل من أميركا وإسرائيل، واختلفت الأساليب، فانفردت إسرائيل بالمناورة البريّة في لبنان، وبالإنزال القتالي الاستخباري في إيران. كان في الأمر مغامرة "أرضية" فوق الأرض الإيرانية، وكان في الأمر توقع خسائر محسوبة في الميدان، لكن المسألة كانت تقتضي ذلك، فضرورات إسرائيل وجودية في حالة التهديد الآتي من إيران، وضروراتها أمنية كيانية، في حالة التوتر الدائم مع لبنان، لذلك كان على الساسة الإسرائيليين الإقدام على دخول أرض "المحظورات" السياسية والقتالية.

معادلة الضرورات- المحظورات، كانت وما زالت حالة إسرائيلية خاصة، لكنها ثانوية لدى صانع المناورة الأميركية.

استطراداً، ومقارنة بالوعي الأميركي لاستحالة تغيير النظام في إيران، يدرك "الإسرائيلي" استحالة اقتلاع حزب الله وتفكيك بنيته، لذلك، وفي سياق مشابه للحليف الأميركي، تديم إسرائيل عدوانها على لبنان متذرِّعة بسلاح حزب الله الذي تدرك أنها لن تستطيع تفكيكه، وتدرك وحليفتها أميركا، أن كلمة "الدولة" لا ترغب، ولا تستطيع، ولن تقدم على استخدام القوة في تجريد حزب الله من سلاحه. إذن وفي امتداد وطأة العنوانين الذريعتين، ماذا عن الحالة اللبنانية التي صارت مسرحاً لعدوانية إسرائيلية متدحرجة ومنابر لأهليّات داخلية أضاعت الكثير من مقوِّمات جدارتها الوطنية.

 

عناوين لبنانية

يصعب القول بوحدانية عنوانٍ أهليّ لبناني، وازدادت صعوبة القول بعد افتتاح حرب الإسناد الأولى من قبل حزب الله، بعد طوفان الأقصى وتشير الوقائع إلى أن طريق الحدّ من التعقيدات صار أكثر وعورة.

تتوزع اللبنانيات عناوين تامّة غير منقوصة، تمام كل عنوان يساوي حاصل تعريف أصحابه له، ويساوي واقع التفاهم حوله والإقفال عليه.

إشارة إلى الواقع الموزّع، وإلى شعاراته العناوين. خطابٌ أول، هو خطاب "المقاومة" المقترن بنشاطها الميداني، له أول مقفل متصل بختامٍ موصول. هذا الخطاب يحمله كل الناطقين باسم المقاومة من مراكزهم الرسمية ومن مواقعهم الاجتماعية. تدور ترجمات الخطاب في الميدان، وتنتهي فيه، ويتم إبلاغ الآخرين بواسطة بيانات عملياتية حربية، مثلما يتم تذكيرهم بواسطة بيانات سياسية وبأكثر من تصريح شفوي وبأكثر من إطلالة إعلامية.

خطاب ثانٍ، هو خطاب المعارضين والمعترضين على مبتدأ كلام المقاومة وعلى خبره. يجتمع تحت راية الخطاب هذا جمع من المقاربات تختلف في حدّة لهجتها، وتتفاوت في علوّ نبرتها، لكنها تلتقي في محطة مشتركة اسمها محطة "المقاومة ضرر مطلق"، هذا كناية، أو نيابة عن قول "إنها شرّ مطلق". 

خطاب ثالث، هو "أشتات" خطاب يجمع بين "أركان" الدولة، وبين منوّعات المجموعات المدنية التي لمّا تتعب من طلب الخضوع للدولة، من دون أن تحرّك ساكناً على طريق التعبئة الشعبية اللازمة لتسهيل السبيل إلى هذا "الخضوع". ليس سرّاً أن الخطاب هذا مختلفٌ عليه على مستوى أركانه، ففي اعتراض واضح على الرئيسين جوزف عون ونوّاف سلام، يحافظ الرئيس نبيه برّي على البقاء خارج "بيت" الأركان.

يسحب الاختلاف أحكامه على مصطلح "المجموع المدني" الذي فاضت حميّته سنة 2019، ثم قعدت همّته حتى الاضمحلال، منذ ذلك العام وحتى تاريخه.

 

عنوان أخير

العنوان الأخير هو ماذا عن "الوطنيّة" اللبنانية في ظلّ الحرب، وفي حالة توقف آلاتها؟ الوطنية المذكورة، نسبتها الآن إلى الوطن وليس إلى تصنيف. المسألة ليست من الوطني سلوكاً وانتماءً، ومن غير الوطني على ذات الصعيد. الوطنية اليوم هي لحمة "اللبنانية" التي انفكّت. نعم لقد انفكّت. هي العقد الاجتماعي الذي انفرط. نعم لقد انفرط. هي التوافق على العيش المشترك، وعلى السكنى في "بيت بمنازل كثيرة" تخلعت أبوابه.  نعم صار السكان إلى تنافرٍ مشترك، موزعين على منازل كثيرة.

هذا هو واقع الحال "البلدي" الآن، ويستطيع العامل الشعبي أن يضيف إليه الكثير من عنديّاته. لكن يظلّ الراهن كيف ينقذ اللبنانيون ما تبقّى؟ وهل يريدون حقاً القيام بهذا الإنقاذ؟ بكلامٍ آخر، هل المزاج الشعبي- الأهلي العام، مزاج يميل إلى القول إنَّ هناك ما هو جدير بالإنقاذ؟ إذن ما هو وما السبيل إليه؟

في مباشرةِ أي جواب عن "الإنقاذ" لا يمكن القفز فوق الضرورات البديهية الشعبية. تتقدم ضرورتان بديهيتان على كل ما عداهما، وهما: الأمن الشخصي والجمعي، وتوفير الاستقرار. الضرورتان هما ركيزتا تأسيس الوفاقية الجديدة، وهما الدليل إلى تعيين كل العناصر التأسيسية الوطنية الجديدة، ماذا يعني الأمن والأمان اليوم؟ يعني سلوك كل سبيل إلى وقف رياح القتل اليوم، التي هبّت من الجنوب، وعصفت في كل أرجاء لبنان.

وماذا يعني الاستقرار اليوم، هو الانطلاق من نقطة وقف النار الخارجية، إلى إطفاء كل نيران السياسات الأهلية الداخلية. نار الخارج إسرائيلية، ونار الداخل فيها إطلاق النار السياسية على الدولة من خارج مؤسساتها، وإطلاق النار على البنية الأهلية من خارج ممكناتها ومن خارج قدرتها على الاحتمال، وإطلاق النار على "المشتركات" الوطنية الهشّة، من خلال أقوال فئاتها وفئوياتها.

المسؤوليات ليست واحدة، في مسار تخريب السيرة الوطنية، وفي مجال خلخلة نصها وإرباك سياقها. لكن المسؤولية مشتركة، في مواجهة استعادة ما أمكن من بقايا السيرة، لإعادة إطلاق مسارها...

اليوم قول عام، وغداً قول اتهامي واضح لكل معرقل لاستنهاض السيرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث