الهدنة على محكّ التزام إسرائيل… ومفاوضات طهران العامل الحاسم

مانشيت - المدنالسبت 2026/05/16
غارات صور (غيتي)
من آثار الدمار الكبير الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على صور (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتجه الأنظار إلى الغد، مع بدء سريان هدنة الـ45 يوماً لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع انتهاء المهلة الحالية. غير أنّ تجارب الهدن السابقة لا تبعث على الاطمئنان، خصوصاً لجهة عدم التزام إسرائيل، وسط استنادها إلى ضوء أخضر أميركي تحت ذريعة "حرية حركة إسرائيل" يسمح لها بـ"الدفاع عن نفسها". بينما، يبقى لبنان في حالة ترقّب لمسار أمني وسياسي أُعلن عنهما أمس في مفاوضات واشنطن، تحت عنوان "استقرار لبنان وسيادته"، بانتظار الاجتماع المرتقب يومي 2 و3 حزيران في وزارة الخارجية الأميركية، وما قد يحمله من فرص تسوية أو احتمالات انفجار جديد للوضع.

وكشفت مصادر ل"المدن" أن لبنان يبذل مساعي جدية خلال الساعات المقبلة للوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار، عبر تحركات وضغوط دبلوماسية تهدف إلى دفع إسرائيل نحو الالتزام به. وتشير المعطيات إلى أنه في حال تحقق هذا المسار، فإن حزب الله سيكون ملتزمًا أيضًا بوقف النار.

وفي حال تعثر هذه الجهود، ستنتقل الاتصالات إلى محاولة تكريس خفض تصعيد تدريجي يحد من وتيرة المواجهات. إلا أن الشكوك لا تزال قائمة حيال مدى التزام إسرائيل بأي تفاهم محتمل أو استمراريته.

 

وبالتوازي، كانت الزيارة المرتقبة لوزير داخلية باكستان محسن نقوي إلى طهران موضع اهتمام. فالزيارة  تحمل دلالات سياسية واضحة في توقيتها، في ظلّ التهديدات الإسرائيلية ـ الأميركية باستئناف الحرب على إيران، وهو ما عكسته تقارير إسرائيلية تحدثت عن إبلاغ واشنطن لتل أبيب بأنها باتت على وشك العودة إلى خيار الحرب.

وفي هذا السياق، لفت ما أوردته مجلة "فورين بوليسي"، التي اعتبرت أنّ المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران قد تكون العامل الحاسم في تحديد مصير وقف إطلاق النار في لبنان، رغم الضغوط الأميركية المتواصلة على بيروت. وأشارت المجلة إلى أنّ أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران قد يطيح بالشروط التي حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل فرضها على لبنان، بما يعني أنّ القرار النهائي بشأن الهدنة يرتبط بنتائج الحوار الأميركي ـ الإيراني أكثر من ارتباطه بالضغوط المباشرة على الحكومة اللبنانية.

 

لا تعليق لبناني… والهدنة موضع شك

وبينما يترقب لبنان مدى صمود الهدنة ابتداءً من منتصف ليل الغد، لم يُسجَّل أي موقف سياسي لبناني تعليقاً على نتائج مفاوضات واشنطن، بانتظار تبلور الصورة عملياً. إلا أنّ الهدنة بقيت موضع تشكيك واسع، بعدما رفعت إسرائيل من وتيرة غاراتها، في خطوة عزّزت الشكوك بإمكانية التزامها بالاتفاق مجدداً. وفي هذا الإطار، وسّعت إسرائيل دائرة إنذاراتها، ما أعاد مشاهد النزوح من الجنوب باتجاه صيدا وبيروت، في مشهد يؤكد بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين أنّ الهدنة لا تحقق الأمان المنشود، وسط مخاوف من أن يكون الهدف الفعلي منها حماية بيروت والضاحية الجنوبية فقط، وترك الجنوب لمصيره في مواجهة التصعيد الإسرائيلي.

 

"هآرتس": المسار الأمني الجديد يقيّد إسرائيل

وفي الجانب الإسرائيلي، بدا لافتاً ما أوردته صحيفة "هآرتس"، التي طالبت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوضيح موقفه من المسار الأمني الجديد الذي تم التوصل إليه خلال مفاوضات واشنطن، ولا سيما ما يتعلق بإنشاء آلية جديدة للتنسيق الأمني بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي بإشراف أميركي. ورأت الصحيفة أنّ هذا المسار قد يؤدي إلى تقييد هامش حرية التحرّك العسكري الإسرائيلي داخل لبنان. وأشارت إلى أنّ إطاراً للتنسيق العسكري كانت تقوده الولايات المتحدة وفرنسا بالتعاون مع قوات "اليونيفيل"، قد بدأ العمل به منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، قبل أن يتوقف مع تجدّد الحرب بين إسرائيل وحزب الله في آذار الماضي، على خلفية الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران. وأضافت "هآرتس" أنّ إعلان الوفد اللبناني عن إطار "محسّن" يعكس قناعة بيروت بأن الآلية السابقة لم تكن كافية لضمان الأمن أو إزالة تهديد حزب الله، في ظلّ استمرار الاستهداف الإسرائيلي لمواقع الحزب خلال فترة الهدنة. واعتبرت أنّ الترتيب الجديد قد يفرض، ولو جزئياً، قيوداً على هامش التحرّك العسكري الإسرائيلي داخل لبنان.

كما لفتت الصحيفة إلى أنّ مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزارة الخارجية الأميركية لم يصدرا أي تعليق على المسار الأمني الجديد الذي أعلن عنه الجانب اللبناني، مشيرة إلى أنّ هذا المسار سيُطلق أواخر أيار من داخل مقر وزارة الدفاع الأميركية في واشنطن.

 

الغارات مستمرة… وإنذارات تصل إلى عمق صيدا

ميدانياً، شهدت خريطة الإنذارات الإسرائيلية توسعاً إضافياً، مع دخول مناطق جديدة إلى دائرة التهديد، بعدما كانت التحذيرات تتركز تقليدياً في أقضية النبطية وبنت جبيل، لتصل هذه المرة إلى مناطق أقرب إلى صيدا، ما يعكس اتساع القلق الأمني وتغيّر طبيعة المشهد الميداني.

ووجّه المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي إنذارات إلى سكان تسع بلدات جنوبية، هي: قعقعية الصنوبر، كوثرية السياد، المروانية، الغسانية، تفاحتا، أرزي (صيدا)، البابلية، أنصار (النبطية)، والبيسارية، مطالباً بالإخلاء الفوري.

وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة بيان أعلن أن الحصيلة التراكمية الاجمالية للعدوان منذ 2 آذار حتى 16 أيار باتت كالتالي: 2969 شهيداً و 9112 جريحاً.

 

في المقابل، أعلن حزب الله في سلسلة بيانات متتالية عن عمليات عسكرية بمواجهة الجيش الإسرائيلي، لافتاً إلى أنّ "مقاتيله استهدفوا آليّة هامر تابعة لجيش العدوّ الإسرائيليّ في ساحة بلدة الطيبة بمحلّقة انقضاضيّة وحقّقوا إصابة مؤكّدة". كذلك أعلن عن "استهداف تجمّع لجنود جيش العدوّ الإسرائيليّ في بلدة الخيام بمسيّرة انقضاضية"، ونشر مشاهد من "عملية استهداف المقاومة الإسلامية بتاريخ 14-05-2026 تجمّعات لجنود جيش العدو الإسرائيلي في بلدتي العديسة والبيّاضة جنوبيّ لبنان بالصواريخ والمسيّرات الانقضاضيّة". 

 

حزب الله: الاحتلال لن يستقر

في المواقف الداخلية، أكد حزب الله، في بيان لمناسبة ذكرى 17 أيار، رفضه أي ضغوط أو وصايات خارجية تدفع لبنان نحو مسار تفاوضي أو اتفاق سلام مع إسرائيل، معتبراً أن المفاوضات المباشرة تمنح العدو مكاسب إضافية على حساب لبنان، داعياً السلطة اللبنانية إلى عدم المضي في ما وصفه بـ"الخيارات المنحرفة" والتنازلات المجانية، متسائلًا عما حققه مسار وقف إطلاق النار والمفاوضات المباشرة للبنان سوى "المزيد من الضغوط والعدوان والدمار".

كما شدد على ضرورة التمسك بالثوابت الوطنية، وفي مقدمها الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات وتحرير الأسرى وعودة الأهالي وإعادة الإعمار، مؤكداً أن "الاحتلال لن يستقر على أرض لبنان بوجود المقاومة".

 

يزبك: على الحزب تسليم مصيره للدولة

في المقابل، دعا عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب غياث يزبك الدولة اللبنانية إلى "استثمار الفرصة المطروحة لإنقاذ البلاد من تداعيات سياسات حزب الله بعيداً عن الضغوط والتهويل"، معتبراً أنّ المسارين الأمني والسياسي المطروحين حالياً قد يفتحان الباب أمام تفاهمات طويلة الأمد. ورأى أنّ القرار الرسمي اللبناني يجب أن ينطلق من مصلحة اللبنانيين لا من حسابات إيران أو خيارات حزب الله، معتبراً أنّ الحزب "يطالب بوقف إطلاق النار، لكنه يرفض في الوقت نفسه الخطوات التي قد تؤدي عملياً إلى تحقيقه". كما اعتبر أنّ مواكبة رئيس مجلس النواب نبيه بري للمسار التفاوضي تعكس "واقعية سياسية متزايدة"، وتؤشر إلى إدراك بأن خيارات حزب الله قد تقود البلاد إلى مزيد من الانهيار. وأضاف أنّ "حزب الله يتملص من التزاماته تجاه الدولة"، مشدداً على أنّ "تسليم الحزب مصيره للدولة بات ضرورة لإنقاذ ما تبقى من الوطن، لأن من يفرض الشروط يجب أن يكون منتصراً، فيما الحزب اليوم في موقع الضعف". 

 

وبين هدنة محفوفة بالشكوك، وتصعيد ميداني متواصل، ومسارات تفاوضية مفتوحة على احتمالات متناقضة، يقف لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية. فالمشهد لا يبدو منفصلاً عن التطورات الإقليمية، ولا سيما مسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني، فيما يبقى الجنوب تحت ضغط النار والإنذارات، والداخل اللبناني غارقاً في انقسامه السياسي حول مستقبل المواجهة وخيارات الدولة. وبين انتظار الهدنة والخشية من انهيارها، تبقى الأسئلة مفتوحة على ما ستكشفه الأيام المقبلة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث