نعم لقانون العفو العام… لأن العدالة لا تكون انتقائية

غسان الجسرالجمعة 2026/05/15
GettyImages-102039918.jpg
حجم الخط
مشاركة عبر

في أي دولة تحترم نفسها، لا يُمكن أن تتحوّل العدالة إلى عقوبة بحدّ ذاتها، ولا أن يصبح التوقيف الطويل بديلاً عن الحكم القضائي.
فالعدالة التي تتأخر سنوات طويلة، وتُطبَّق بانتقائية، تفقد معناها، وتتحوّل إلى ظلمٍ مقنّع بالقانون.

الوقائع اليوم واضحة وصادمة ولا يمكن تجاهلها:

* موقوفون أمضوا أكثر من 10 إلى 15 سنة في السجون من دون أحكام نهائية.
* بعضهم تجاوزت مدة توقيفه العقوبة التي صدر الحكم بها أصلًا.
* جلسات المحكمة العسكرية كانت تُؤجَّل أحيانًا لستة أشهر بين الجلسة والأخرى.
* في بعض الحالات، لم يتم إحضار الموقوفين إلى المحكمة بسبب غياب وسائل النقل بين السجون.
* ملفات كاملة بقيت تدور لسنوات طويلة في حلقة مفرغة من التأجيلات الإدارية والإجرائية.
* عشرات العائلات، خصوصًا في طرابلس وعكار والبقاع، دفعت ثمن سنوات من الانتظار والانقسام السياسي والتمييز في التعامل.
* وفي عام 2020 وحده، تم إطلاق سراح نحو 45 موقوفًا بعد أن أمضوا عشرات السنين في السجن، ليتبيّن في النهاية أنهم أبرياء أو أن الأحكام التي صدرت بحق بعضهم كانت أقل بكثير من سنوات التوقيف التي قضوها خلف القضبان.

أي منطق يقبل أن يقضي شاب 15 سنة موقوفًا، ثم يصدر بحقه حكم بسنتين أو ثلاث؟
وأي رسالة توجّهها الدولة لشبابها عندما يشعر قسم من اللبنانيين أن العدالة تُطبَّق عليهم وحدهم، بينما تُعالج ملفات أخرى بمعايير مختلفة تمامًا؟

نحن لا ندعو إلى تبرئة من ارتكب جرائم بحق الجيش اللبناني أو بحق المدنيين الأبرياء، فدماء العسكريين والمدنيين ليست مادة للمساومة، وأي شخص ثبت تورطه في جرائم مباشرة يجب أن يأخذ القضاء مجراه الكامل والعادل بحقه.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل الأسئلة التي يطرحها الناس بمرارة منذ سنوات:

كيف تمت معالجة ملفات العديد ممن تعاملوا مع جيش لحد وخدموا الاحتلال الإسرائيلي خلال فترات أقصر بكثير، وعاد كثير منهم إلى حياتهم الطبيعية؟
وكيف شارك آلاف اللبنانيين رسميا في الحرب السورية لسنوات طويلة، من دون أن تتم ملاحقتهم أو توقيفهم أو محاكمتهم بالطريقة نفسها؟

بينما بقي عشرات الشبان، ومعظمهم من بيئات فقيرة ومهمّشة في طرابلس وعكار والبقاع، يدفعون وحدهم ثمن مرحلة كاملة من الصراعات والانقسامات الإقليمية؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس فقط الظلم، بل شعور الناس بأن الظلم انتقائي.
فعندما يشعر مواطن أن القانون يُستخدم على فئة دون أخرى، تسقط الثقة بالمؤسسات، ويتحوّل الإحباط إلى نقمة، والنقمة إلى خطر على الاستقرار الوطني نفسه.

من هنا، فإن قانون العفو العام لا يجب أن يُناقش بمنطق المزايدات السياسية أو الحسابات الانتخابية أو الاصطفافات الطائفية، بل بمنطق العدالة الوطنية الشاملة.

العفو العام ليس إلغاءً للدولة، بل محاولة لإعادة التوازن إلى مفهوم العدالة عندما تختلّ الموازين لسنوات طويلة.
وهو ليس تبرئة للجرائم الخطيرة، بل فرصة لإقفال جرحٍ وطني مفتوح منذ سنوات، وإنهاء معاناة آلاف العائلات التي استُنزفت أعمار أبنائها في السجون بانتظار أحكام لم تصدر.

اليوم، تقع المسؤولية على عاتق النواب اللبنانيين.
التاريخ لن يتذكّر الاصطفافات السياسية بقدر ما سيتذكّر من وقف مع العدالة ومن صمت عن الظلم.

صوّتوا بضمير.
صوّتوا لرفع الظلم.
صوّتوا لردّ الكرامة للناس المظلومين.
وصوّتوا لدولة لا تُعامل أبناءها بمعايير مختلفة تحت أي ظرف أو ضغط أو توازن سياسي.

فالعدالة الحقيقية لا تكون انتقائية

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث