لم تخرج الجولة الثالثة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، برعايةٍ أميركيّة في واشنطن، من دائرة الالتباس السياسيّ والميدانيّ. فالمشهد، كما بدا في يومه الأوّل، لا يشبه مسارًا ناضجًا نحو تسوية، بقدر ما يعكس محاولة أميركيّة لإدارة التصعيد، وضبط هامش الحرب، ومنع انهيار وقف إطلاق النار الهشّ، من دون امتلاك تصوّر نهائيّ واضح لشكل الحلّ. لبنان دخل المفاوضات محكومًا بثلاثيّة واضحة: تثبيت وقف النار، وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيليّ الكامل من الجنوب. أمّا إسرائيل، فحضرت بمنطق معاكس، يربط أيّ انسحاب أو تهدئة شاملة بترتيبات أمنيّة عنوانها المركزيّ "تحييد حزب الله" ونزع سلاحه. وبين الموقفين، تتحرّك واشنطن على خطّ بالغ الحساسيّة، فهي تدفع نحو "إعلان نيات" سياسيّ وأمنيّ، لكنّها في الوقت نفسه تمنح إسرائيل غطاء "حقّ الدفاع عن النفس"، بما يجعل التفاوض مفتوحًا على مفارقة قاسية: مسار سياسيّ يُعقد في واشنطن، وحرب مستمرّة في الجنوب.
مفاوضات بلا اختراقات
لم ينطوِ اليوم الأوّل من المفاوضات على أيّ أجواء تفاؤليّة. فالأنظار تتّجه إلى نتائج اليوم الثاني من الجولة الثالثة، الّتي انطلقت أمس تحت النار، على أن تُختتم عند الثالثة من بعد ظهر اليوم الجمعة بتوقيت واشنطن.
وعُقدت اجتماعات عدّة تخلّلها غداء عمل جمع الوفود المشاركة، قبل استئناف النقاش في جولة ثالثة مساءً. وقد خُصّص اليوم الأوّل، في معظمه، للجانب السياسيّ والدبلوماسيّ البعيد المدى، فيما أُرجئ البحث التفصيليّ في الترتيبات الأمنيّة إلى جلسات اليوم الثاني.
واكبت بعبدا المحادثات لحظةً بلحظة، عبر رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، وفريقٍ من المستشارين والخبراء الداعمين للوفد اللبنانيّ. وجرى اتصال بين عون ورئيس الوفد اللبنانيّ السفير السابق سيمون كرم، بعد انتهاء الجولة الأولى، لوضعه في أجواء المداولات وما طُرح على الطاولة.
لبنان يرفض التطبيع المقنّع
ركّز الوفد اللبنانيّ على منع تحويل المفاوضات إلى مسار تطبيع سياسيّ مباشر، أو القبول بترتيبات أمنيّة تتجاوز السيادة اللبنانيّة. وقد عرض مطالبه الأساسيّة، وفي مقدّمها تثبيت وقف إطلاق النار بصورة "حقيقيّة ونهائيّة"، لا مجرّد هدنة قابلة للخرق، ووقف الاستهدافات والقتل والتدمير في الجنوب، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم، إضافةً إلى الانسحاب الإسرائيليّ الكامل من الأراضي اللبنانيّة.
كما شدّد الوفد على أنّ تثبيت الحدود بند محوريّ، لمنع إسرائيل من الاحتفاظ بأيّ شريط أمنيّ أو منطقة عازلة أو نقاط عسكريّة داخل لبنان. وهذا الموقف يعكس خشية لبنانيّة واضحة من أن تتحوّل الترتيبات الميدانيّة، تحت عنوان الأمن، إلى واقع احتلاليّ جديد بغطاء تفاوضيّ.
في المقابل، حضرت إسرائيل إلى واشنطن بأولويّة أمنيّة صريحة. فقد سعت إلى فتح مسارين متوازيين: الأوّل سياسيّ يهدف، في المدى الأبعد، إلى الوصول إلى معاهدة سلام كاملة مع لبنان، تشمل حدودًا واضحة وعلاقات دبلوماسيّة واقتصاديّة، والثاني أمنيّ يركّز على مواجهة حزب الله، ونزع سلاحه، والإبقاء على المنطقة العازلة لتأمين أمن الشمال.
وبحسب ما نُقل عن أجواء الاجتماعات، رفض الوفد الإسرائيليّ وقفًا شاملًا لإطلاق النار وفق الطرح اللبنانيّ، معتبرًا أنّ تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 والإعلانات اللاحقة يمنحان إسرائيل "حقّ الدفاع عن النفس" ضدّ أيّ تهديد صادر عن حزب الله.
وشدّد الجانب الإسرائيليّ على أنّ لا انسحاب كاملًا من الجنوب قبل "تحييد حزب الله عسكريًّا"، والتوصّل إلى ترتيبات واضحة تمنع أيّ تهديد مستقبليّ. وهنا تكمن العقدة الأساسيّة: لبنان يريد وقف الحرب بوصفه مدخلًا لأيّ بحث سياسيّ أو أمنيّ، فيما تريد إسرائيل تحويل الحرب نفسها إلى أداة ضغط لفرض شروطها.
واشنطن بين الوساطة والانحياز
بدا الموقف الأميركيّ، في اليوم الأوّل، أقرب إلى الطرح الإسرائيليّ منه إلى المقاربة اللبنانيّة. فالوسطاء الأميركيّون شدّدوا على "حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، مع التركيز على الحدّ من نطاق العمليّات العسكريّة، بدل فرض وقف شامل وكامل لإطلاق النار.
لكنّ واشنطن، في الوقت نفسه، تحاول منع انهيار المسار التفاوضيّ في بدايته. فهي تدرك أنّ دفع الأطراف نحو تسوية نهائيّة الآن قد يكون متعذّرًا، وأنّ أقصى الممكن هو إنتاج إطار أوّليّ يمنع الانفجار الواسع، ويفتح الباب أمام مسار طويل من الترتيبات الأمنيّة والسياسيّة.
ومن هنا برز الحديث عن "إعلان نيات" أميركيّ، لا يرقى إلى اتفاق شامل، لكنّه يؤسّس لمرحلة تفاوضيّة جديدة، عنوانها: تمديد وقف إطلاق النار، الانسحاب الإسرائيليّ التدريجيّ، وترتيبات أمنيّة لبنانيّة تتّصل بسلاح حزب الله.
"إعلان نيات" بشروط ثقيلة
بحسب المعلومات المتداولة، يتضمّن المقترح الأميركيّ بنودًا تتّصل بتمديد وقف إطلاق النار وفق ترتيبات أمنيّة وعسكريّة مجدولة، وانسحاب إسرائيليّ تدريجيّ من لبنان خلال فترة قد تصل إلى عامين، بالتوازي مع تنفيذ الدولة اللبنانيّة التزاماتها.
كما يشمل الطرح إطلاق الدولة اللبنانيّة خطّة شاملة لنزع سلاح حزب الله، وإعادة تفعيل لجنة "الميكانيزم" لمراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنيّة، وتوفير دعم دوليّ للجيش اللبنانيّ، ومنحه صلاحيّة الدخول إلى أيّ منشأة عامّة أو خاصّة للتحقّق من نزع السلاح.
وتتحدّث التسريبات أيضًا عن استخدام الأقمار الاصطناعيّة وآليّات رقابة أميركيّة لمتابعة المنشآت التابعة للحزب، إضافةً إلى إنشاء قوّة خاصّة داخل الجيش اللبنانيّ، مهمّتها نزع السلاح ومنع إعادة تسلّح الحزب، بدعمٍ أميركيّ مباشر.
سياسيًّا، يعني ذلك أنّ واشنطن تريد نقل ملفّ سلاح حزب الله من خانة النقاش الداخليّ اللبنانيّ إلى خانة الالتزام الأمنيّ الدوليّ. وهذه نقطة بالغة الحساسيّة، لأنّها تضع الدولة اللبنانيّة أمام اختبار مزدوج: كيف تثبت حضورها وسيادتها، من دون أن تبدو وكأنّها تنفّذ إملاءات خارجيّة تحت النار؟
تمديد لا تثبيت
تؤكّد المعطيات أنّ الاتجاه المرجّح في محادثات اليوم لا يذهب نحو تثبيت وقف إطلاق النار نهائيًّا، بل إلى تمديده وفق شروط وترتيبات جديدة. وهذا الفارق ليس تفصيلًا لغويًّا، بل جوهر سياسيّ. فالتثبيت يعني وقفًا واضحًا للاعتداءات، وضمانات متبادلة، وآليّة تنفيذ ملزمة. أمّا التمديد، فيعني إبقاء الوضع معلّقًا بين الحرب والتهدئة، وبين التفاوض والضغط العسكريّ.
وتفيد المعلومات بأنّ واشنطن لا تضمن وقفًا كاملًا للحرب قبل نزع السلاح، ولا تتوقّع توقّف إسرائيل عن استهداف عناصر الحزب أينما وُجدوا. وهي، عمليًّا، تتبنّى الرواية الإسرائيليّة القائلة إنّ "حزب الله" يخرق وقف إطلاق النار، وتعتبر أنّ جوهر الأزمة يتمثّل بوجود سلاحه.
هذا المنطق يفتح الباب أمام معادلة خطرة: انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ ومشروط، في مقابل التزامات لبنانيّة فوريّة، فيما تبقى إسرائيل محتفظةً بـ"حقّ" استهداف أيّ "تهديد وشيك"، وفق تعريفها هي للتهديد.
حركة داخليّة لتوحيد الموقف
في بيروت، لم يكن المشهد منفصلًا عن واشنطن. فقد استقبل رئيس مجلس النواب نبيه برّي، في عين التينة، رئيس الحكومة نواف سلام، غداة زيارة الأخير إلى قصر بعبدا، حيث التقى رئيس الجمهوريّة جوزاف عون. وتناول اللقاء تطوّرات الأوضاع السياسيّة والميدانيّة، في ضوء مواصلة إسرائيل عدوانها على لبنان، وخصوصًا في الجنوب والبقاع الغربيّ، وخرقها المستمرّ لوقف إطلاق النار.
وغادر سلام عين التينة بعد نحو ساعة من دون الإدلاء بأيّ تصريح، في دلالة على حساسيّة المرحلة ودقّة التنسيق الداخليّ. فالحركة بين بعبدا وعين التينة والسرايا تبدو محاولةً لتثبيت مقاربة لبنانيّة موحّدة، في ظلّ ضغوط تفاوضيّة قاسية، وملفّات تتصل بوقف النار، والانسحاب، وسلاح حزب الله، والضمانات الدوليّة.
برّي: تفاوض غير مباشر وضمانات كبرى
جدّد برّي موقفه الرافض للتفاوض المباشر، مؤكّدًا أنّ "موقفنا هو مع التفاوض غير المباشر للتوصّل أوّلًا إلى اتفاقٍ حقيقيّ لوقف إطلاق النار"، متسائلًا: "هل هناك وقفٌ لإطلاق النار حاليًّا؟".
ولفت إلى أنّ "العدوّ لم يلتزم بأيّ اتفاق منذ تشرين الأوّل 2024"، في إشارة إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة رغم المسارات السياسيّة والاتصالات القائمة. وفي تعبيرٍ لافت عن حذره من نتائج واشنطن، قال برّي: "أنا متشائل... لست مع التفاوض المباشر، لكنّني لن أتكلم حاليًّا، وعندما ننتهي سيكون لي كلام".
وشدّد على أنّ أيّ اتفاقٍ مقبل يجب أن يحظى بـ"مظلّة ضمانات سعوديّة، إيرانيّة، أميركيّة". وهذه العبارة تختصر قراءة برّي للمشهد: لا اتفاق قابلًا للحياة إذا بقي أميركيًّا، إسرائيليًّا، لبنانيًّا فقط، من دون شبكة إقليميّة توازن الضمانات وتمنع الانفجار.
في هذا السياق، أشارت معلومات إلى أنّ برّي أبلغ الرئيس عون، خلال اتصالٍ بينهما، أنّ حزب الله سيلتزم بوقفٍ كامل لإطلاق النار إذا استطاع الوفد اللبنانيّ انتزاع التزام مماثل من الجانب الإسرائيليّ.
هذه المعادلة تكشف أنّ الحزب لا يريد أن يظهر بوصفه معطّلًا لمسار وقف النار، لكنّه في الوقت نفسه يرفض منطق الالتزام الأحاديّ تحت الضغط. أمّا كتلة "الوفاء للمقاومة"، فانتقدت مسار المفاوضات في واشنطن، واتّهمت إسرائيل باستغلال الجلسات لمواصلة جرائمها وتوسيع احتلالها.
وبذلك، يصبح الداخل اللبنانيّ أمام مشهد معقّد: الدولة تفاوض لتثبيت وقف النار والانسحاب، إسرائيل تضغط لنزع السلاح قبل الانسحاب، واشنطن تميل إلى المقاربة الأمنيّة الإسرائيليّة، وحزب الله يربط الالتزام بأيّ وقفٍ للنار بالتزام إسرائيليّ مقابل.
إدارة تصعيد لا تسوية
ما انتهى إليه اليوم الأوّل من مفاوضات واشنطن لا يوحي بولادة اختراق حاسم. فالفجوة بين أولويّات لبنان وإسرائيل لا تزال واسعة، والوساطة الأميركيّة تبدو أقرب إلى محاولة إدارة التناقضات من حلّها. لبنان يطلب وقفًا للنار وانسحابًا كاملًا، وإسرائيل تطلب ضمانات أمنيّة ونزعًا للسلاح قبل الانسحاب، فيما واشنطن تبحث عن صيغة تمنع الانهيار من دون أن تفرض على إسرائيل وقفًا شاملًا لعمليّاتها.
السؤال الآن ليس ما إذا كان "إعلان النيات" سيصدر، بل ماذا سيعني إذا صدر: هل يكون مدخلًا إلى مسار سياسيّ طويل الأمد يعيد تثبيت الهدوء والحدود والسيادة، أم يتحوّل إلى غطاء تفاوضيّ لمرحلة جديدة من الضغط العسكريّ والسياسيّ على لبنان؟
في الانتظار، تبقى واشنطن طاولة اختبار، لا طاولة حسم. ويبقى الجنوب المقياس الحقيقيّ لأيّ تفاهم. فما لم يتوقّف النار، وينسحب الاحتلال، وتُصن السيادة اللبنانيّة من الترتيبات المفروضة، ستظلّ المفاوضات محكومةً بسقف واحد: إدارة الحرب بدل إنهائها.




