تنعقد الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن على وقع معادلة أشدّ تعقيدًا من وقف إطلاق النار نفسه. فلبنان يدخل التفاوض مثقلًا بضغط الميدان، وبميزان قوى مختلّ، وبحاجة عاجلة إلى تثبيت وقف الاعتداءات الإسرائيليّة وانتزاع انسحاب واضح من النقاط المحتلّة في الجنوب، لكنّه يدرك في الوقت نفسه أنّ الطاولة لم تعد محصورة بترتيبات أمنيّة موضعيّة، بل باتت مفتوحة على سؤال أوسع يتّصل بموقع الدولة، ودور الجيش، وحدود السيادة، ومصير السلاح خارج الشرعيّة.
في المقابل، تذهب إسرائيل إلى واشنطن وهي تفاوض بالنار لا بالسياسة وحدها، بعدما رفعت مستوى التصعيد الميداني، ووسّعت دائرة الاستهدافات، وسعت إلى تحويل الجلسة من بحث في وقف النار والانسحاب إلى مسار ضاغط يبدأ من ملفّ سلاح "حزب الله"، ويمرّ بفرض ترتيبات أمنيّة جديدة في الجنوب، ولا ينفصل عن محاولة إعادة صياغة البيئة السياسيّة والأمنيّة اللبنانيّة لما بعد الحرب. وبين هذين السقفين، تبدو واشنطن أمام اختبار حقيقي: هل ترعى تفاهمًا يوقف الانزلاق، أم تدير تفاوضًا يتحوّل إلى امتداد سياسي للضغط العسكري؟
وعلى الضفّة الداخليّة، لا تنفصل مفاوضات واشنطن عن مشهد لبناني مأزوم، تتحرّك فيه الرئاسة والحكومة تحت وطأة ملفّات قضائيّة واقتصاديّة وسياديّة ضاغطة، فيما يحاول الحراك المصري الدفع نحو التهدئة، والحوار، ووحدة الموقف، واستعادة الدولة قرارها على كامل أراضيها. لذلك، لا تبدو هذه الجولة مجرّد محطة تفاوضيّة جديدة، بل لحظة اختبار لقدرة لبنان على منع تحويل وقف النار إلى مدخل لشروط سياسيّة أوسع، وعلى تثبيت معادلة واضحة: لا سيادة تحت النار، ولا استقرار خارج الدولة، ولا تسوية قابلة للحياة من دون انسحاب ووقف عدوان وتوازن سياسي يحفظ لبنان من حرب مفتوحة ومن إملاءات ما بعد الحرب.
جولة ثالثة تحت ضغط النار
انطلقت الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، على مستوى الوفود الدبلوماسيّة والعسكريّة، وبمشاركة سفراء الدول المعنيّة.
يتمسّك لبنان بثلاثيّة واضحة: تثبيت وقف إطلاق النار، وقف الاعتداءات الإسرائيليّة، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي لا تزال تحتلّها في جنوب لبنان. في المقابل، يصرّ الجانب الإسرائيلي على ربط أيّ اتفاق شامل بملفّ نزع سلاح "حزب الله"، بالتوازي مع استمرار العمليّات العسكريّة داخل لبنان. وهنا تكمن العقدة المركزيّة: لبنان يريد وقف النار مدخلًا إلى أيّ نقاش لاحق، فيما تريد إسرائيل تحويل النار نفسها إلى أداة تفاوض.
إسرائيل تفاوض بالنّار لا بالسياسة وحدها
قبل ساعات من بدء الجلسة، سرّبت وسائل إعلام إسرائيليّة أنّ المستوى السياسي طلب من الجيش إعداد خطّة لتوسيع العمليّة في لبنان وتعميق "المناورة" البرّيّة، في ظلّ قلق متزايد من المسيّرات التي يطلقها "حزب الله"، ولا سيّما تلك التي تعمل بالألياف الضوئيّة ويصعب اعتراضها أو التشويش عليها.
وسبقت إسرائيل الجولة بتصعيد ميداني واسع في الجنوب، عبر غارات استهدفت مواقع وبنى تحتيّة قالت إنّها تابعة لـ"حزب الله" في مناطق عدّة. ولم تعد الحركة العسكريّة محصورة جنوب الليطاني، بل تمدّدت شمالًا، وسط حديث عن محاولات للاقتراب من الزهراني وفرض وقائع ميدانيّة جديدة قبل أيّ تسوية محتملة. كما وسّعت إسرائيل دائرة الاستهدافات لتشمل الطريق الساحلي بين بيروت والجنوب، في رسالة ميدانيّة لا تحتاج إلى تأويل: التفاوض يجري تحت الضغط المباشر.
بهذا المعنى، لا تدخل إسرائيل المفاوضات باقتراح سياسي مجرّد، بل بورقة ضغط عسكريّة مفتوحة. وهي تحاول أن تجعل من الطاولة امتدادًا للجبهة، وأن تفرض جدول أعمال يبدأ من السّلاح، لا من وقف النار، ومن إعادة ترتيب الجنوب، لا من الانسحاب.
لبنان يفاوض بلا أوهام
في المقابل، لا يرفع لبنان سقف توقّعاته. فالأمل بالتوصّل إلى وقف فعلي لإطلاق النار يبدو محدودًا، فيما تراجع سقف الموقف اللبناني تدريجيًّا من رفض التفاوض تحت النار، والمطالبة بوقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي الكامل، إلى القبول بالتفاوض والعمليّات العسكريّة مستمرّة.
هذا التحوّل لا يعكس تبدّلًا في المبادئ بقدر ما يكشف ضيق الخيارات. فلبنان الرسمي يدرك أنّه لم يعد يملك ترف تعطيل المسار التفاوضي، في ظلّ اختلال موازين القوى، وتفاقم الضغوط السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة. كما أنّ الاتصالات التي سبقت الجولات لم تنجح في فرض وقف إطلاق نار، ما جعل الوفد اللبناني يدخل واشنطن من موقع دفاعي، محاولًا منع الخسارة السياسيّة أكثر من صناعة اختراق كبير.
لكنّ الأخطر أنّ الجلسات السابقة لم تقتصر، وفق أجواء المشاركين، على ترتيبات وقف النار والانسحاب. فقد انتقل البحث إلى ملفّات أشدّ حساسيّة، بينها مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، ودور الجيش اللبناني، وإمكان تكليفه بمهمّة التصدّي لـ"حزب الله" أو سحب سلاحه بالقوّة، وطبيعة الدعم الخارجي الذي قد يُقدَّم له، وصولًا إلى أفكار تتعلّق بالاستعانة بجهات خارجيّة أو المرور عبر البوابة السوريّة.
هذه الطروحات نقلت التفاوض من إطار أمني محدود إلى مقاربة سياسيّة شاملة، أشبه بمفاوضات على ترتيبات ما بعد الحرب. ولم يكن طرح مسألة "العداء لإسرائيل" في المناهج والقوانين اللبنانيّة سوى مؤشّر إضافي إلى أنّ تلّ أبيب لا تتعامل مع الجولة بوصفها بحثًا في وقف النار فقط، بل مدخلًا لإعادة صياغة البيئة السياسيّة والأمنيّة اللبنانيّة على المدى البعيد.
ورقة إسرائيليّة كاملة وموقف لبناني مرتبك
أظهرت الجلسات السابقة تفاوتًا واضحًا بين الوفدين. فالإسرائيليون دخلوا بورقة عمل متكاملة، تتناول ترتيبات أمنيّة وسياسيّة بعيدة المدى، فيما بدا الموقف اللبناني أقلّ تماسكًا، ومثقلًا بتباينات داخليّة، وبغياب رؤية موحّدة لكيفيّة الفصل بين مطلب وقف العدوان وبين الضغط الخارجي لوضع ملفّ السلاح في صدارة التسوية.
وفي بعض النقاشات، برزت أفكار شديدة الحساسيّة، بينها إمكان الاستعانة بقوات أميركيّة لمساندة الجيش اللبناني في أيّ مهمّة تتّصل بسحب السلاح، أو إشراك سوريا في ترتيبات معيّنة. وهي طروحات تعكس حجم الضغط الواقع على لبنان، وتكشف في الوقت نفسه هشاشة المقاربة الرسميّة أمام اندفاعة إسرائيليّة مدعومة بسقف أميركي ضاغط.
ليست المشكلة في أن يناقش لبنان مستقبل السلاح خارج الدولة، فهذا ملفّ داخلي وسيادي لا يمكن تجاوزه. المشكلة أن يُدفع إلى نقاشه تحت النار، وبشروط الطرف المعتدي، وبما يحوّل مطلب وقف العدوان والانسحاب إلى تفصيل في جدول أوسع عنوانه إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي.
"هآرتس": حرب مفتوحة على الأرض
في افتتاحيّتها، أشارت صحيفة "هآرتس" العبريّة إلى أنّ الجولة الثالثة تأتي في ظروف استثنائيّة. فعلى الورق، هناك وقف لإطلاق النار، أمّا عمليًّا، فلا تهدأ النيران، إذ يواصل "حزب الله" إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في اتجاه إسرائيل، ويستهدف قوات الجيش الإسرائيلي العاملة في لبنان، بينما تواصل إسرائيل قصفها داخل لبنان وتوسيع سيطرتها على مناطق فيه. ولفتت الصحيفة إلى تقارير تحدّثت عن تجاوز الجيش الإسرائيلي نهر الليطاني فعليًّا.
وتقول "هآرتس" إنّ هذه الحرب تُدار من دون هدف واضح، ومن دون خطّة منظّمة، وفي ظلّ وعود حكوميّة غير مضمونة بإنهاء تهديد "حزب الله". كما تعتبر أنّ الافتراض القائل إنّ الجيش الإسرائيلي وحده قادر على تحقيق هذا الهدف ليس سوى تضليل للرأي العام، مشيرةً إلى تقدير داخل الجيش نفسه يفيد بأنّه "حتّى لو احتلّ لبنان بالكامل، فلن يضمن تحييد القوّة العسكريّة للحزب".
وتضيف الصحيفة أنّ الحكومة اللبنانيّة اتّخذت موقفًا غير مسبوق عندما قرّرت نزع الشرعيّة العسكريّة عن "حزب الله"، وأعلنت أنّه لا توجد حالة حرب بين لبنان وإسرائيل، وقدّمت نفسها شريكًا فعّالًا في الجهود الرامية إلى القضاء على تهديد الحزب ونزع سلاحه. وهذه القراءة الإسرائيليّة، وإن كانت تعبّر عن زاوية نظر تلّ أبيب، تكشف بوضوح كيف يُقرأ التحوّل اللبناني في الخارج: فرصة لإعادة بناء التوازنات الداخليّة، لا مجرّد نافذة لوقف النار.
"اللعبة انتهت": المبادرة الإسرائيليّة الجديدة
في موازاة التصعيد الميداني، رفع السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، سقف الخطاب السياسي، كاشفًا أنّ إسرائيل تحمل إلى المفاوضات ما سمّاه "مبادرة جديدة"، تقوم على اعتبار أنّ "اللعبة انتهت"، وأنّ على الحكومة اللبنانيّة تعزيز قوات الجيش والعمل ميدانيًّا.
وأوضح ليتر أنّ إسرائيل ستعرض على لبنان مسارًا تدريجيًّا في الميدان، يقوم على تحديد منطقة معيّنة يُنزع فيها سلاح "حزب الله"، ثمّ الانتقال إلى منطقة أخرى. كما أكّد أنّ "إسرائيل لن تسمح ولن توافق على وقف إطلاق النار، ولن تسمح لحزب الله بإعادة التسلّح".
هذا الكلام يختصر منطق تلّ أبيب: لا وقف نار مجّانيًّا، ولا انسحاب بلا ثمن سياسي وأمني، ولا عودة إلى قواعد ما قبل الحرب. وهي بذلك تحاول أن تفرض على لبنان معادلة قاسية: إمّا أن تتحرّك الدولة ضدّ السلاح، وإمّا أن تستمرّ إسرائيل في استخدام القوّة بذريعة منع إعادة التسلّح.
بعبدا تحت ضغط الداخل والخارج
بالتوازي مع مفاوضات واشنطن، التقى رئيس الجمهوريّة جوزاف عون رئيس الحكومة نواف سلام في قصر بعبدا، حيث جرى عرض آخر المستجدّات الداخليّة، في ظلّ ملفّات سياسيّة وقضائيّة واقتصاديّة ضاغطة، وتوافق الطرفان على مواكبة المفاوضات في واشنطن من خلال التواصل الدائم.
وأكد عون أنّ "القضاء يشكّل الركيزة الأساسيّة في بناء الدولة وصون هيبتها، وهو الملاذ الأخير للمواطن في سعيه إلى العدالة"، مشدّدًا على أنّه "إلى جانب القضاء في كلّ ما من شأنه حماية العدالة، لأن لا دولة من دون قضاء عادل، ولا استقرار من دون إنصاف".
هذه المواقف لا تنفصل عن المناخ العام. فالدولة التي تُفاوض على حدودها وسيادتها لا تستطيع أن تظهر عاجزة في الداخل. والقضاء، والمؤسّسات، والحكومة، والجيش، كلّها عناصر في معركة تثبيت الشرعيّة. فحين تهتزّ الحدود، يصبح الداخل جزءًا من الجبهة السياسيّة، لا ملفًّا منفصلًا عنها.
القاهرة تدفع نحو التهدئة
في السياق نفسه، دخلت القاهرة على خطّ التهدئة. فقد اعتبر سفير جمهوريّة مصر العربيّة في لبنان، الدكتور علاء موسى، أنّ هناك "مخاوف وهواجس كثيرة لدينا جميعًا، وليس فقط في لبنان"، لافتًا إلى أنّ "التغلّب عليها يكون عبر الحوار".
وقال موسى: "نحن نبحث عن التوصّل إلى تهدئة في المنطقة"، مشدّدًا على ضرورة "استعادة الدولة قرارها وسيادتها على كلّ أرجائها". وجاءت مواقفه خلال لقاءيه مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة الشيخ عبد اللطيف دريان، ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلّامة الشيخ علي الخطيب.
وبعد لقائه دريان، تحدّث موسى عن ضرورة الوصول إلى حلول تُخرج لبنان من أزمته الراهنة، مؤكّدًا أنّ ما يحدث في الإقليم ينعكس مباشرة على لبنان ودول المنطقة. أمّا في الحازميّة، فشدّد خلال لقائه الخطيب على صعوبة المرحلة، معوّلًا على الدبلوماسيّة، ووحدة الموقف الداخلي اللبناني، ومساعدة الداخل للدولة في ما تقوم به من إجراءات.
والحال، فإنّ مفاوضات واشنطن ليست مجرّد بحث في وقف إطلاق نار. إنّها اختبار لموقع الدولة اللبنانيّة في مرحلة ما بعد الحرب، ولقدرتها على حماية مطلبها السيادي من التحوّل إلى ورقة في تفاوض أوسع. إسرائيل تفاوض بالنار، وتضع ملفّ السلاح في صدارة الشروط. لبنان يفاوض تحت الضغط، محاولًا تثبيت وقف النار، وانتزاع الانسحاب، ومنع تحويل الطاولة إلى مسار إملاء.
أمّا واشنطن، فهي أمام امتحان واضح: هل تدير تسوية توقف الحرب، أم ترعى مسارًا يعيد تشكيل التوازنات داخل لبنان؟ في هذه اللحظة، لا تكفي الصيغ الرماديّة. فالمعادلة التي يحتاجها لبنان واضحة ومباشرة: لا سيادة تحت النار، ولا استقرار خارج الدولة، ولا تسوية قابلة للحياة من دون وقف عدوان، وانسحاب، وتوازن سياسي يحمي لبنان من حرب مفتوحة ومن إملاءات ما بعد الحرب.




