كيف أجبر حزب الله لبنان على الذهاب إلى المفاوضات

مصطفى علّوشالخميس 2026/05/14
Image-1776682037
لبنان لم يذهب إلى المفاوضات مع إسرائيل رغم حزب الله، بل بسببه (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

"نلاعب نارًا نقول لن تحرقنا     نصارع بحرًا نقول لن يغرقنا

نخرق الأعراف في أوهام هناء نداعب موتً إن نغويه يصرعنا

هنو الكون يسري ولا يدري بنا     إن كنا وجدنا فلا راي لنا

نموت حين ولدنا دون دفننا         لو أنا ارتضينا بما يرسم لنا" (مجهولة المصدر)     

 

منذ قيام دولة إسرائيل سنة 1948، بدا لبنان مختلفًا عن بقية الدول العربية في مقاربته للصراع. لم يكن ذلك نتيجة تعاطف مع المشروع الصهيوني ولا بسبب غياب الشعور القومي أو التضامن العربي، بل لأن النخبة السياسية اللبنانية، من طوائف مختلفة، رغم تناقضاتها العميقة، كانت تدرك هشاشة الكيان اللبناني واختلال موازين القوى الإقليمية والدولية. لذلك اختار لبنان، رسميًا على الأقل، سياسة تقوم على الحد الأدنى من الانخراط العسكري المباشر، فشارك بصورة رمزية في حرب 1948 ثم عاد سريعًا إلى الاحتماء باتفاقية الهدنة سنة 1949، محافظًا على حدوده الجنوبية أكثر استقرارًا مقارنة بالجبهات الأخرى.

هذا الخيار لم يكن تعبيرًا عن قوة، بل عن إدراك عميق للضعف، عبر عنه مؤسس الكتائب اللبنانية بيار الجميل بتعبير "قوة لبنان بضعفه". فلبنان لم يكن دولة مركزية صلبة قادرة على خوض حروب طويلة، بل مجتمعًا متعدّد الطوائف هشّ التوازن، يعتمد اقتصاديًا على الاستقرار والانفتاح والخدمات والمصارف والعلاقات الخارجية. كانت النخبة اللبنانية تعرف أن أي حرب شاملة مع إسرائيل قد تعني ببساطة نهاية النموذج اللبناني نفسه. ولهذا السبب، تجنب لبنان عمليًا الدخول في مغامرات عسكرية كبرى، ونجا نسبيًا من الكوارث التي أصابت دول الطوق بعد نكسة 1967. فبقيت الدولة اللبنانية متسترة باتفاقية الهدنة كورقة دولية تغطي الضعف البنيوي.

 

لكن المفارقة الكبرى أن لبنان، الذي حاول تجنب الحرب المباشرة، وجد نفسه لاحقًا ساحة دائمة للحروب بالوكالة. فبعد هزيمة الجيوش العربية المفترض أنها قوية في مصر وسوريا والأردن سنة 1967، ومع صعود العمل الفدائي الفلسطيني كبديل عن العجز العسكري الرسمي، بدأ ميزان السيادة اللبنانية يختل تدريجيًا. لم تعد الدولة وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم، بل ظهرت داخل أراضيها قوى مسلحة تتصرف باعتبارها صاحبة قضية تتجاوز الكيان اللبناني نفسه، مدعومة بشرائح مجتمعية داخلية واسعة وقادرة على تهديد التوازنات الطائفية الهشة أصلًا. ومع اتفاق القاهرة سنة 1969، جرى عمليًا تقنين هذا التراجع، حين قبلت الدولة اللبنانية تحت الضغط العربي والداخلي بمنح المنظمات الفلسطينية هامشًا واسعًا للعمل العسكري انطلاقًا من الجنوب اللبناني.

هنا بدأ التحول الخطير. فلبنان لم يعد دولة تحاول تحييد نفسها عن الصراع، بل صار أرضًا تُستخدم لإدارة صراع الآخرين. وباسم المواجهة والمقاومة، انتقلت البلاد تدريجيًا من موقع الدولة التي تتجنب الصراع المباشر إلى موقع الساحة المفتوحة للاستخدام. ومع كل عملية عسكرية كانت إسرائيل ترد بعنف أكبر، فيما كانت الدولة اللبنانية تزداد ضعفًا وعجزًا. وفي النهاية، دفع اللبنانيون الثمن من اقتصادهم ومدنهم وبنيتهم الاجتماعية، بينما كانت القرارات الكبرى تُتخذ خارج المؤسسات اللبنانية.

 

ثم جاء التدخل السوري ليحوّل الأزمة إلى بنية دائمة. دخل النظام السوري إلى لبنان سنة 1976 تحت شعارات متعددة، لكنه سرعان ما تعامل مع لبنان باعتباره ورقة استراتيجية في توازناته الإقليمية. لم يكن مسموحًا للبنان أن يستعيد سيادته الكاملة، لأن وجود دولة لبنانية مستقلة القرار كان يتناقض مع وظيفة لبنان كساحة تفاوض وضغط. هكذا أصبح الجنوب اللبناني جزءًا من منظومة الردع السورية غير المباشرة ضد إسرائيل، بينما بقيت الدولة اللبنانية مقيدة وعاجزة عن فرض سلطتها.

وبعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982 وخروج منظمة التحرير الفلسطينية، بدا للحظة أن لبنان قد يستعيد شيئًا من قراره الوطني. لكن الفراغ الذي خلفه الفلسطينيون ملأته إيران عبر إنشاء ودعم حزب الله. ومنذ تلك اللحظة، دخل لبنان مرحلة جديدة من فقدان السيادة، أكثر تعقيدًا وأعمق تأثيرًا. فالحزب لم يكن مجرد تنظيم لبناني مسلح، بل جزءًا من مشروع إقليمي عابر للحدود تقوده طهران تحت عنوان محور المقاومة.

 

في البداية، نجح حزب الله في بناء شرعية واسعة داخل البيئة الشيعية وحتى في قطاعات عربية ولبنانية أخرى، خصوصاً بعد تحرير الجنوب سنة 2000. بدا للكثيرين أن الحزب يحقق ما عجزت عنه الأنظمة العربية، وأنه يعيد الاعتبار لفكرة المقاومة. لكن المشكلة الجوهرية لم تكن في مبدأ مقاومة الاحتلال بحد ذاته، بل في تحوّل المقاومة إلى سلطة فوق الدولة، وإلى مشروع مستقل عن القرار الوطني اللبناني.فمع مرور الوقت، لم يعد السلاح مرتبطًا فقط بمواجهة إسرائيل، بل صار أداة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية اللبنانية، ثم أداة لربط لبنان بالمشروع الإيراني الإقليمي.

وعندما دخل الحزب الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد، سقط آخر ادعاء بأن سلاحه مخصص حصريًا لتحرير الأرض اللبنانية. أصبح لبنان فعليًا جزءًا من شبكة صراعات تمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وغزة واليمن.

 

وهنا تكمن المفارقة التي يتجنب كثيرون الاعتراف بها وهي أن لبنان لم يذهب إلى المفاوضات مع إسرائيل رغم حزب الله، بل بسبب حزب الله. فالخطاب الذي يقدّم الحزب باعتباره مانعًا للتطبيع يتجاهل أن استمرار وجود قوة عسكرية خارج الدولة، مرتبطة بمحور إقليمي، هو ما يدفع المجتمع الدولي والإقليمي إلى البحث عن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في الجنوب اللبناني. وعندما يقول ماركو روبيو وزير خارجية أميركا إن العائق الوحيد أمام السلام بين لبنان وإسرائيل هو حزب الله، فهو يعبّر عن رؤية أميركية تعتبر أن إزالة النفوذ الإيراني من لبنان تفتح الباب أمام تسوية إقليمية أوسع. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فلبنان لم يكن أصلًا في حالة اندفاع نحو الحرب مع إسرائيل حتى يقال إن الحزب يمنعه من السلام. بالعكس، التاريخ اللبناني منذ 1948 يظهر أن الدولة اللبنانية كانت تميل دائمًا إلى تجنب المواجهة المباشرة. المشكلة أن هذا الخيار جرى مصادرته تدريجيًا من قبل قوى مسلحة ومحاور إقليمية استخدمت لبنان لتحقيق أهداف تتجاوز مصالح اللبنانيين أنفسهم. وفي الوقت ذاته، وبالرغم من رغبة غير معلنة من قبل جزء من اللبنانيين بالتفاهم وحتى التحالف مع إسرائيل، إلا أن المصالح والتوازنات، الداخلية والإقليمية جنبت لبنان الرسمي الخوض في سلام مقترح قبلته مصر والأردن وسعى إليه سراً حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار. 

 

لقد صار لبنان رهينة معادلة قاسية، فلا هو قادر على خوض حرب شاملة مع إسرائيل، ولا هو قادر على اتخاذ قرار مستقل بالسلام أو الحياد. فالدولة فقدت احتكارها للقوة، وبالتالي فقدت قدرتها على إنتاج سياسة خارجية سيادية. وهذا ما يفسر المأزق الحالي. فاللبنانيون يدفعون كلفة الانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية والتوتر الأمني، بينما القرار الاستراتيجي الفعلي ليس بيد المؤسسات الدستورية.الأخطر من ذلك أن منطق المقاومة الدائمة حوّل الجنوب اللبناني إلى منطقة معلقة بين الحرب والهدنة. لا توجد حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل حالة استنزاف مستمرة تجعل لبنان يعيش دائمًا على حافة الانفجار. وكلما تصاعد التوتر الإقليمي، يتحول لبنان تلقائيًا إلى منصة رسائل متبادلة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فيما يتراجع السؤال اللبناني الأساسي وهو ماذا يريد اللبنانيون أنفسهم لدولتهم ومستقبلهم؟ المشكلة الحقيقية ليست فقط في السلاح، بل في الفكرة التي حكمت لبنان لعقود وهي فكرة أن الكيان اللبناني يمكن أن يتحمل دور الساحة إلى ما لا نهاية. الواضح اليوم هو أن التجربة أثبتت العكس. فكل القوى التي استخدمت لبنان كساحة خرجت في النهاية تاركة اللبنانيين وسط الخراب. فالفلسطينيون غادروا، السوريون انسحبوا، والإيرانيون يتعاملون مع لبنان باعتباره ورقة ضمن تفاوض إقليمي أوسع. أما اللبنانيون فبقوا وحدهم أمام دولة منهارة ومجتمع منهك واقتصاد مدمر.

 

لهذا، فإن النقاش الحقيقي اليوم يجب ألا يكون فقط حول السلام مع إسرائيل أو الحرب معها، بل حول استعادة لبنان لنفسه كدولة. فلا يمكن لأي بلد أن يبني استقرارًا طويل الأمد فيما قرار الحرب والسلم فيه موزع بين الدولة والتنظيمات المسلحة والمحاور الخارجية. كما لا يمكن الحديث عن سيادة فيما الحدود والسياسات الأمنية والاستراتيجية تخضع لحسابات إقليمية تتجاوز الإرادة الوطنية.

لقد حاول لبنان منذ 1948 أن يتجنب الانتحار السياسي والعسكري عبر الواقعية والحذر. لكنه انتهى تدريجيًا إلى فقدان حقه حتى في اختيار حياده. وبينما تتغير المنطقة بسرعة، يبقى السؤال المصيري مطروحًا على اللبنانيين وهو هل يريدون دولة تشبه كل الدول، تحتكر القوة والقرار، أم استمرار وظيفة لبنان كساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا لأنه سؤال بقاء أو زوال، وهو مطروح بإلحاح خاص على من يسميهم حزب الله جمهوره الذي غذى به مشروعه بآلاف الشبان الشجعان، وإن كانوا موهومين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث