على جاري عادتهم، ينقسم اللبنانيون في كل مناسبة أو استحقاق أو منعطف. ينقسمون، على الأرجح، في كل شيء وعلى كل شيء. وقد لا يُعَدّ "تحزّبهم" للفرق الرياضية المحلية أو العالمية، في أيام "الضجر السياسي"، شغفًا رياضيًا خالصًا، بقدر ما هو إشهار لهوية "خاصة" يصرّون على الجهر بها، تعويضًا عن هوية جامعة مفقودة، أو ربما ممانعة لها أصلًا.
اليوم، تطلّ موضة الانقسام بعنوان جديد يتمحور هو حول سؤال مركزي استدعتنا إليه الكوارث والمآسي التي نعاني منها خصوصًا بعد الثامن من أوكتوبر 2023. وهو سؤال بسيط ولكن عميق في آن: أما وقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه، هل نريد الخلاص من هذا الواقع نهائيًا إذا ما أُتيحت لنا الفرصة؟ أم أننا نراه واقعًا "ضروريًا" ينبغي احتماله واستثماره كي "نخلص" غدًا أو بعد غد؟
هو سؤال يبدو للوهلة الأولى من نوع "اختر إجابة واحدة"، لكنه في الحقيقة أشبه بحقل ألغام فكري وسياسي وأخلاقي. فكل إجابة تستدعي معها سلسلة كاملة من الاحتمالات، والتبريرات، والتناقضات، والأثمان. وكل خيار يجر خلفه تصورًا للبنان، ولمعنى الدولة، ولموقع الناس العاديين داخل هذه الجغرافيا المنكوبة.
لن أقلّد أولئك الذين يتبارون في تصنيف "المُجيبين" قبل تصنيف الإجابات نفسها. أولئك الذين يحوّلون أي نقاش إلى عملية فرز أهلي وأيديولوجي وأخلاقي، لا لشيء إلا لتعزيز شعورهم بالتمايز والتفوّق الرمزي. ومن المفارقات أن معظم هؤلاء يعلنون صباح مساء أنهم ليسوا في صدد أي نشاطٍ حزبي أو سياسي مباشر، فيما سلوكهم قائم على التعبئة السياسية المقنّعة، وعلى بناء جماعات معنوية مغلقة حول خطاب محدد و"هوية" محددة. ولا غضاضة في ذلك بحد ذاته. بل قد يكون، أحيانًا، مدخلًا ضروريًا لفتح النقاشات السياسية، شرط أن تكون المعايير واضحة، والتصنيفات موضوعية، لا مجرد شتائم مغلَّفة بلغة أكاديمية أو "سيادية" أو "مقاوماتية" متعالية.
لكن ما يجري اليوم يتجاوز النقاش إلى نوع من الهستيريا الجماعية. ضفاف تتراشق الاتهامات: هذا "انهزامي"، وذاك "صهيوني"، وهذا "صحناوي"، وذاك "إيراني"، وأولئك "تاريخهم معروف".. فيما تتدحرج النقاشات سريعًا نحو محاكمات نوايا، واستحضارٍ للتاريخ والجغرافيا، ومزايدات في الواقعية أو في "اللاواقعية". الجميع يقف خلف متراسه، لكن متاريس كثيرة تبدو مرتجلة، مبنية على عجل، ومن دون أي مبرّر متين.
Much Ado About Nothing
يقف المرء مذهولًا أمام هذه "الضجة الكبيرة حول لا شيء". ليس لأن ما تحتويه فارغ بالكامل، فهي تحتوي بالفعل على بلاغة أدبية وسياسية عالية أحيانًا. ولكن لأننا نتصرف كأننا بمواقفنا نصنع التاريخ، في ادعاء مبالغ فيه لحجمنا ودورنا؛ بينما الحقيقة "المرّة" أن معظم هذا الصخب لا تأثير فعليًا له إلا داخل فقاعات صغيرة جدًا نسبيًا من المتابعين و"المريدين"، الذين هم، في الغالب، مريدون لنا مهما تغيّرت آراؤنا وتبدّلت مواقفنا!
أما أصحاب القرار الفعليون، في الداخل والخارج، فلا يعيرون أي اهتمام لهذه المبارزات الإلكترونية. ومهما كانت آراؤنا لامعة ونيّرة، تظل غير مطلوبة وغير مرحّب بها من ذوي الشأن والحلّ والربط. مع ذلك، ترى ضفتين تختصمان بضراوة وتتناحران على جمهور محتار أصلًا لماذا ولمن يعير اهتمامه. بينما الضفة المقابلة منهمكة في مجهودها الحربي ومشروعها "الدويلتي" بصمت ودأب وتصميم، غير مكترثة بكل هذا الضجيج.
خطوط التوتر
من يسمّي نفسه "الخط الأول" أو "الخيار الأول" يزعم أنه مع الدولة في مواجهة الدويلة. لكن هذا الخط نفسه متشعّب ومتناقض داخليًا. ففيه من يكتفي بتأييد الحكومة ورئيس الجمهورية في مسار التفاوض في واشنطن مع إسرائيل لضمان تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانهيار الكامل. وفيه من يذهب أبعد من ذلك بكثير، فيشجّع على اغتنام "الفرصة التاريخية" لإبرام سلام مع إسرائيل برعاية أميركية، إذا كان ذلك سيؤدي إلى استعادة الأراضي وضمان الاستقرار وإعادة الإعمار، مقابل التشدد مع "حزب الله" لنزع سلاحه طوعًا أو قسرًا كثمن لذلك. وفيه أيضًا من لا يعنيه شيء سوى إنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة بأي طريقة وبأي ثمن، مستفيدًا من اختلال موازين القوى الإقليمية والدولية الحالي.
أما "الخط الثاني"، فهو خط "المقاومة"، أو بالأحرى خط الاستمرار كما نحن: تكديس السلاح والرجال والموارد خارج الدولة، واستخدامها وفق الحاجة الداخلية أو الإيرانية. لا حاجة للإسهاب في شرح هذا الخيار، فهو الخط السائد والمسيطر منذ عقود، وقد عرّف نفسه بنفسه مرارًا وتكرارًا: "جنود في ولاية الفقيه". ومناصروه الخُلّص موافقون بل وفخورون، ولا يرون أصلًا أي تناقض بين الولاء العقائدي العابر للحدود وبين ادعاء حماية لبنان.
لكن الأكثر إثارة للاهتمام ربما هو مروّج "نظرية الخطوط" هذه، من يدّعي أنه "الخط الثالث". يزعم إنه مع خيار الدولة، ولكنه يحاذر دورها ويشكك بقدرتها على تنفيذ قراراتها "السيادية"، ويعتبرها غير واقعية. ويرتاب من القوى التي ترفع شعار الدولة دفعة واحدة، أكثر مما يرتاب أحيانًا من "الدويلة" نفسها. لذلك فهو دائمًا ما يخلط بين أولويات "بناء الدولة". هل السيادة أولوية على الإصلاح أم العكس. مع مَن تسير لتحقيق هذا أو ذاك وبأي شروط؟
وفق هذا الخط، فإن بين "دعاة الدولة" طائفيين وفاسدين ومغامرين ومقامرين، وفيهم شركاء سابقون لـِ "حزب الله"، وفيهم دعاة تطبيع، وصولًا إلى "الصهيونيين" و"الصحناويين".. وهو ليس مع إيران، لكن ليس ضد "خيار المقاومة". يريد دولة لا يثق بها، ويرفض دويلة لا يريد مواجهتها، ويقف في منتصف الطريق كمن يحاول النجاة من دون دفع كلفة موقف سياسي حاسم، بحجة اختلافه مع معظم "الدولتيين" الذين يصرّ على رؤيتهم حزمة واحدة. ومؤخرًا، وجد ضالته في "مشروع السلام العربي"، الذي تقوده، للمفارقة، المملكة العربية السعودية التي كان لا يتوانى في نعت معظم مناصري "الخط الأول" بالارتهان لها وللولايات المتحدة..
إنها خطوط تتشابك وتشتبك كشبكات الكهرباء العارية فوق رؤوس اللبنانيين. خطوط توتر عالٍ، تتقاطع فيها الحسابات الأيديولوجية بالطائفية، والمصالح الشخصية بالأوهام الرومانسية، والمزايدات الأخلاقية بالخوف الوجودي الحقيقي. وكل طرف يظن أنه يخوض "المعركة الكبرى"، فيما المعركة الحقيقية تجري في مكان آخر، وبأدوات أخرى، وعلى أيدي لاعبين أكبر بكثير من الجميع.
أين الناس؟
إذا وضعنا جانبًا مناصري كل خط من هذه "الخطوط المتوترة"، وهم ومعتبرون ولا يجوز الاستهانة بهم، فإن غالبية اللبنانيين تبدو في مكان آخر تمامًا. أغلب الناس لا يعيرون اهتمامًا فعليًا لهذه التقسيمات المفتعلة، خصوصًا أنها لا تسعى أصلًا إلى تنظيم سياسي حقيقي أو إلى بناء مشروع واضح، بل تكتفي باستدراج بعضها البعض إلى "منازلات كلامية" هدفها الأساسي إشهار التمايز. كأن كل طرف يقول للآخر: أنا لست أنت، وهذه وحدها تكفيني هويةً ومشروعًا.
بينما الناس العاديون، على خلاف المنظّرين والمحللين ونجوم المنصات، ينظرون إلى الأمور بمنظار أكثر بساطة وأكثر قسوة أيضًا.
لا تعنيهم الدولة إلا بقدر ما يمكن أن تكون خشبة خلاص من موتهم اليومي، من الإذلال، والتهجير، والانهيار، وانتظار الذل على أبواب المصارف والمستشفيات والسفارات. خشبة لا يُصلبون عليها كل يوم، وإنما تعجّل في "قيامتهم".
ولذلك، فإن النقاش الحقيقي بالنسبة إليهم اليوم ليس حول شكل النظام، ولا النظريات الدستورية، ولا حتى الإصلاح المتعطّل على كل حال، وليس حتى في أهلية من يتولى الدفة لتقويم الاعوجاج المزمن، بقدر ما هو حول قدرة هؤلاء على العبور بالسفينة والركاب إلى شاطئ آمن قبل الغرق الأخير.
ولا تعني "المقاومة" بالنسبة إلى كثيرين سوى خراب بيوتهم وفقدان أعزائهم وخسارة جنى أعمارهم، مقابل "اللاشيء". وهذا ليس تحليلًا سياسيًا نخبويًا، بل شعور عفوي خرج من أفواه الناس أنفسهم. حدست به تلك المرأة المرتعبة التي سُمع صوتها في الفيديو الذي وثّق إطلاق الصواريخ الستة ثأرًا لولي الفقيه من منطقة "تبنا" جنوب نهر الليطاني في الثاني من آذار الفائت. ومن الهمس الذي يتحوّل تدريجيًا إلى تصريحات علنية داخل بيئة كانت تعتبر أي اعتراض خيانة.
فالذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا سقف، ولا تعويضات، ولا أفق، لا تعنيهم البلاغة الثورية.. الجائع لا يأكل الشعارات، والمشرّد لا يدفأ بالأيديولوجيا الآتية من وراء البحار.
ولا يعنيهم السلام إلا بقدر ما هو وقف الحرب والموت والدمار، واستعادة للأراضي من الاحتلال، وعودة إلى حياة طبيعية بالحد الأدنى من الكرامة والاستقرار. وهذه، أولويات تتقدّم بما لا يُقاس على كل الشعارات والأخلاقيات المجردة التي تتحول، حين تتجاهل هذه الحقائق البسيطة والعميقة، إلى ديماغوجيا رخيصة وكلام إنشائي فارغ.
المأساة أن كثيرًا من النخب اللبنانية، على اختلاف معسكراتها، ما زالت عاجزة عن فهم هذه الحقيقة: الناس لم تعد تبحث عن "انتصار تاريخي"، بل عن فرصة للحياة العادية. لم تعد تريد تحرير العالم، ولا مناصرة القضايا المحقّة، على حساب مصيرها. جلّ ما تطلبه "تحرير" يومها من الخوف والإذلال والاستغلال.




