نشر الباحث تال بيري، في "مركز ألما" الإسرائيلي، قراءة في وضع "حزب الله" داخل لبنان ومكانته ضمن بيئته الشيعية، خلص فيها إلى أنّ الحزب لا يواجه انهيارًا في قاعدته الشعبية، بل يدخل، وفق تقديره، مرحلة أكثر تشدّدًا وتحصينًا أيديولوجيًّا.
وتأتي هذه القراءة في ظلّ تزايد التحليلات والتصريحات التي تتناول موقع الحزب داخل بيئته، ومدى تأثّره باستمرار الحرب منذ تشرين الأوّل 2023، وما خلّفته من دمار وتهجير وأعباء اقتصادية واجتماعية على المجتمع الشيعي في لبنان.
لا مؤشرات إلى انهيار الدعم
بحسب "ألما"، لا توجد مؤشرات جدّية إلى حصول تراجع واسع أو انهيار في الدعم الشعبي لـ"حزب الله" داخل قاعدته الشيعية. ويرى المركز أنّ القول إنّ الحزب يفقد تدريجيًّا هذه القاعدة، أو أنّه يواجه انقسامًا حادًّا مع حركة "أمل"، لا يعكس الواقع الميداني بدقّة.
ويقرّ التقرير بأنّ استمرار القتال ألحق أضرارًا كبيرة بالمجتمع الشيعي اقتصاديًّا واجتماعيًّا ومدنيًّا، غير أنّ هذه الأضرار لم تتحوّل، حتى الآن، إلى مسار انهيار سياسي أو شعبي داخل البيئة الداعمة للحزب.
يرى التقرير أنّ القاعدة الشيعية لا تزال متماسكة في دعمها للحزب، بل تشهد، في بعض جوانبها، مزيدًا من التشدّد والتصلّب الأيديولوجي. وإذا كان هناك قدر محدود من التآكل في بعض الشرائح، نتيجة الدمار والتهجير والضائقة الاقتصادية، فإنّه يبقى، وفق القراءة نفسها، تآكلًا محدودًا لا يرقى إلى ظاهرة عامة.
في المقابل، يلفت "ألما" إلى اتجاه معاكس داخل القاعدة الصلبة للحزب، يتمثّل بمزيد من الراديكالية والتحصين الفكري والتصعيد في الموقف من الخصوم، ولا سيّما في مواجهة بعض المكوّنات المسيحية في لبنان.
ويصف التقرير القاعدة الشيعية للحزب بأنّها "جمهور مقيّد"، بفعل الاعتبارات الأيديولوجية والاعتمادية الاجتماعية، وأحيانًا بفعل عوامل الخوف.
الانتقادات ليست موجة شيعية واسعة
يشدّد التقرير على أنّ لا جديد جوهريًّا في طبيعة الخطاب العام داخل لبنان. فبرأيه، إنّ الادعاء بوجود موجة شيعية واسعة ضدّ "حزب الله" على وسائل التواصل الاجتماعي ليس دقيقًا.
ويعتبر أنّ معظم الانتقادات الموجّهة للحزب تأتي من خارج قاعدته الشيعية، وتحديدًا من أوساط مسيحية وسنّية، إضافة إلى معارضين شيعة معروفين بمواقفهم القديمة من الحزب. وبذلك، فإنّ التصعيد في الانتقادات العلنية لا يمثّل، وفق "ألما"، تحوّلًا جديدًا، بل استمرارًا لنمط نقدي قائم منذ سنوات.
ويتوقّف التقرير عند حملة "لا لتدمير لبنان، لبنان أوّلًا"، معتبرًا أنّها ليست تطوّرًا جديدًا مرتبطًا بالحرب الحالية، بل حملة قائمة منذ عام 2024 تقريبًا، وتقودها أساسًا دوائر مسيحية ومعارضون تقليديون لـ"حزب الله"، لا القاعدة الشيعية التابعة له.
أصوات فردية لا تصدّعًا داخليًّا
ويقرّ التقرير بوجود أصوات شيعية فردية تنتقد الحزب، لكنّه يرى أنّها لا تعبّر عن اتجاه عام داخل البيئة الشيعية. وغالبًا ما تكون هذه الأصوات، وفق التقرير، لإعلاميين أو ناشطين شيعة معروفين بمواقفهم المعارضة للحزب.
وعليه، لا يعتبر "ألما" هذه الحالات دليلًا على "انقسام داخلي" داخل القاعدة الشيعية، بل يضعها في إطار الاعتراضات الفردية المحدودة.
وينتقد التقرير استخدام بعض الأمثلة الميدانية لتأكيد فرضية تراجع الحزب داخل بيئته. ويورد، في هذا السياق، مقطعًا متداولًا لرجل شيعي مسنّ من جنوب لبنان يصف وضعه الإنساني الصعب ويقول إنّ "الموت أرحم من هذه الحياة".
لكنّ "ألما" يعتبر أنّ هذا الخطاب يعكس معاناة إنسانية وواقعًا معيشيًّا قاسيًا، ولا يتضمّن نقدًا مباشرًا لـ"حزب الله" أو رفضًا له.
كما يشير إلى تسجيل للناشط علي الزهره، وهو شخصية شيعية قريبة من البيئة الحزبية، معتبرًا أنّه لا ينتقد الحزب مباشرة، بل ينتقد إيران على خلفية ما يصفه بـ"تركها" الحزب في المواجهة جنوب لبنان، والتساؤل عن غياب "وحدة الساحات" عمليًّا. وبذلك، فإنّ جوهر النقد هنا، وفق التقرير، يتّصل بدور إيران في محور المقاومة، لا بالحزب نفسه.
النازحون ليسوا دليلًا على رفض الحزب
يتناول التقرير ملفّ النازحين، معتبرًا أنّ تقديمه أحيانًا كدليل على تراجع شعبية الحزب ينطوي على تبسيط مضلّل. فبما أنّ غالبية سكان الجنوب والضاحية من الشيعة، فمن الطبيعي، وفق التقرير، أن تكون غالبية النازحين من الشيعة أيضًا، وهذا لا يشكّل بحدّ ذاته دليلًا على رفض "حزب الله".
ويذهب التقرير إلى القول إنّ مقاطع عديدة أظهرت، خلال الحرب وبعدها، نازحين شيعة يؤكدون استعدادهم للتضحية، ويرفعون أعلام الحزب عند عودتهم إلى الجنوب، في إشارة رمزية إلى "الانتصار".
وفي ما يتعلّق بـ"المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى"، يعتبر "ألما" أنّ الحديث عنه كدليل على انقسام داخلي داخل الطائفة لا يعكس صورة دقيقة. فالمجلس، بحسب التقرير، هو الهيئة الدينية، السياسية الرسمية للطائفة الشيعية في لبنان، وتُدار مؤسساته تقليديًّا ضمن توازن بين حركة "أمل" و"حزب الله".
وعليه، فإنّ ما يظهر أحيانًا من خلافات لا يتعدّى، وفق التقرير، كونه صراع نفوذ داخليًّا، لا انقسامًا طائفيًّا فعليًّا.
بري حلقة التوازن
يتوقّف التقرير عند دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، بوصفه الشخصية الشيعية الأبرز والأكثر استقرارًا في النظام السياسي اللبناني، وحلقة الوصل الأساسية بين "الثنائي الشيعي" والحكومة اللبنانية، وكذلك مع الولايات المتحدة.
ويرى "ألما" أنّ بري يواصل، كما في السابق، سياسة التوازن بين الأطراف، بما يحفظ مصالح "حزب الله" ضمن المعادلة القائمة.
في المقابل، يخلص التقرير إلى أنّ المعطى الأكثر وضوحًا لا يتعلّق بتراجع القاعدة الشعبية، بل بتضرّر قدرات "حزب الله" المالية بشكل ملحوظ.
ويشير إلى أضرار لحقت بمؤسسات مثل "القرض الحسن" ومحطات وقود "الأمانة"، إضافة إلى تراجع شبكات التهريب وسوق الكبتاغون نتيجة التطورات في سوريا وتشديد مكافحة التهريب، فضلًا عن الأزمة الاقتصادية في إيران نفسها.
وقد انعكس ذلك، بحسب التقرير، على قدرة الحزب في تمويل التعويضات للنازحين، وعائلات القتلى، ورواتب عناصره. ومع ذلك، يخلص "ألما" إلى أنّ هذه الضائقة لا تعني، حتى الآن، فقدان الحزب قاعدته الشيعية أو انهيار حضوره داخلها.




