جدول لبنان إلى التفاوض في واشنطن: كيف سيدير "اللعبة"؟

لارا الهاشمالأربعاء 2026/05/13
Image-1778595694
لبنان الرسمي في مكان وحزب الله في مكان آخر (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

في خطوة متقدّمة سيخوض لبنان أول جلسة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن يومي الخميس والجمعة المقبلين. في الجولتين السابقتين لم ينجح لبنان بانتزاع وقف إطلاق نار شامل، كون الجانب الأميركي منح إسرائيل حق الدفاع عن النفس من كل ما تستشعره تهديداً حتى ولو محتملاً لأمنها، فاستمر الجرف والتدمير والتوغّل والاغتيالات، وتواصل رد حزب الله عليها بالمسيرات والصواريخ. لكن ما حققه لبنان عبر الاتصالات الدبلوماسية بالحد الأدنى هو تحييد بيروت وضاحيتها الجنوبية عن العدوان المتواصل، الذي كان سائداً قبل الهدنة، وبإقناع اسرائيل عبر الوسيط الأميركي على الجلوس على طاولة المفاوضات التي ستكون من دون أدنى شك مضنية وطويلة.

 

جدول لبنان إلى التفاوض المباشر

بمجرد ترؤس السفير سيمون كرم الوفد اللبناني إلى واشنطن، يعني أن لبنان دخل مسار التفاوض السياسي المباشر ولو حتى تحت النار. لكن حتى يوم الخميس ستتواصل الاتصالات السياسية والدبلوماسية التي تقودها بعبدا للتوصل إلى وقف لإطلاق النار قبل انعقاد الجلسة، وسط تعويل لبناني على الدور الأميركي في هذا المجال، كون لبنان يسعى إلى ما يعزّز موقع وفده التفاوضي في الداخل اللبناني. أما في حال فشَل ذلك، فإن بند وقف إطلاق النار سيكون الأول على طاولة المفاوضات في واشنطن قبل الإنتقال إلى البنود الأخرى والتي ستقتصر في المرحلة الأولى على المطالبة ببدء الانسحاب الاسرائيلي واعادة انتشار الجيش حتى الحدود مع اسرائيل وإعادة الأسرى. 

هذه المرة سيجلس  الوفدان على طاولة واحدة لكن بتمثيل مختلف. فمن لبنان سيكون الكلام للسفير سيمون كرم مترئساً الوفد المؤلف من سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض ونائب رئيسة البعثة القنصل وسام بطرس والملحق العسكري في واشنطن العميد أوليفر حاكمة، وذلك خلافاً للمرتين السابقتين حيث اقتصر التمثيل على الجانب الدبلوماسي. في المقابل، سيتألف الوفد الاسرائيلي مبدئياً من سفير تل ابيب لدى واشنطن مايكل ليتر ومعه قائد اللواء الاستراتيجي العميد أميحاي ليفين ونائب مستشار مجلس الأمن القومي الاسرائيلي يوسي درازينين. أما واشنطن، راعية اللقاء، فلن يحضر وزير خارجيتها ماركو روبيو كما في الجولتين السابقتين مبدئياً، لكنها ستتمثل حتى الآن بمستشار وزير خارجيتها مايكل نيدم وبمسؤول في الخارجية الأميركية هو جاي مينس وبسفير الولايات المتحدة في إسرائيل مايك هاكابي إضافة إلى السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى. 

خلال الاجتماعات المكثفة التي ستستمر على مدى يومين، وستبدأ في ساعات الصباح بتوقيت واشنطن، سيعرض لبنان مجموعة من الجداول والإحصاءات التي توثق الاعتداءات والخروقات الاسرائيلية منذ 2024 وحتى يومنا هذا. في الملف =وفقاً لمعلومات "المدن"- جدول مفصل بالخروقات الإسرائيلية منذ اتفاق وقف النار في 2024 الذي ظل لبنان ملتزماً بمندرجاته قبل دخول حزب الله في الحرب الثانية، وجدول آخر بالخروقات الاسرائيلية منذ بدء سريان الهدنة في نيسان الماضي. لبنان سيفصّل أيضا البلدات والقرى المدمّرة والمحروقة والمجروفة، وسيرفقها بخرائط وصور للقرى الجنوبية ما قبل الحرب الاسرائيلية على لبنان وما بعدها. كما سيعرض لأعداد الضحايا غير المقاتلين؛ أي الشهداء المدنيين والإعلاميين والمسعفين. الوفد اللبناني المحصن بملف متكامل عن مسار الحربين الأخيرتين بين لبنان وإسرائيل، يحمل في جعبته أيضاً نصوص الاتفاقيات والقرارات التي ترعى مسار العلاقة بين البلدين منذ اتفاقية الهدنة حتى يومنا هذا، والتي على أساسها سيدير اللعبة وفقاً لفن التفاوض.

 

تمثيل عسكري لأول مرة في المفاوضات 

لم يشكل لبنان وفداً عسكرياً لمرافقة السفير سيمون كرم من بيروت، بل كان القرار بتكليف الملحق العسكري في واشنطن العميد أوليفر حاكمة بالمهمة في هذه المرحلة، في حين فوّضت اسرائيل على الصعيد العسكري قائد اللواء الاستراتيجي العميد أميحاي ليفين. فما هو السبب الأساسي؟

تقول مصادر لبنانية مطلعة لـِ "المدن" إن مستوى التمثيل بين الطرفين هو موازٍ، كون حاكمة كان ضابطاً في فرع الأمن الاستراتيجي في لبنان خلال الفترة السابقة، وقد انتقل إلى واشنطن قبل أشهر قليلة. هذا الأمر أكسبه إلماماً بالملف العسكري المرتبط بالعدوان الاسرائيلي وهو سيشكل خلال الاجتماعات صلة الوصل بين واشنطن وقيادة الجيش في لبنان، لمتابعة مجريات التفاوض في شقّها التقني حصراً وتبعاً للمسار. أما الدخول في تفاصيل خطة إعادة انتشار الجيش في جانبها العملاني، فتقول المصادر إنه أمر سابق لأوانه في هذه المرحلة، لأن الأساس هو الاتفاق على تثبيت وقف إطلاق النار، وإن مستوى التمتيل سيحدّده مسار المفاوضات في وقت لاحق. 

هذا في الشق العسكري. أما في الشق السياسي، فسيؤكد لبنان على استعداد جيشه للانتشار وفقاً لخطة موجودة تعيد بسط سلطة القوى الشرعية على كامل الأراضي فور بدء الإنسحاب الاسرائيلي. علماً أن الجيش اللبناني وخلافاً لبعض الحملات التي شنّت ضدّه، نجح في انجاز خطة حصر السلاح جنوبي الليطاني، تطبيقاً لقراري الحكومة في الخامس والسابع من آب الماضي، مرتكزاً إلى عمليات تفتيش واسعة قادتها وحداته على الأرض، بناء على داتا جمعها الجيش اللبناني بإمكاناته الخاصة. ما يعني أن كشف مخازن الأسلحة والأنفاق استند إلى جهود الجيش اللبناني وحده. وهو ما يستدعي التوقف عنده بإيجابية، في حين أن حزب الله لم يسلّم الجيش أي داتا أو خرائط عن أماكن وجود ترسانته العسكرية تحت الأرض. كما لم يكن بوسع الجيش تفتيش المنازل من دون أمر قضائي، وهو ما يفسّر حجم القوة الصاروخية والعسكرية التي كشفت عنها الحرب الأخيرة. 

 

حزب الله والتفاوض المباشر 

من الواضح أن لبنان الرسمي في مكان وحزب الله في مكان آخر. فالأخير يعتبر أن ورقة قوته هي المقاومة وأنه قادر على استنزاف إسرائيل في الميدان، كما جاء على لسان عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب علي فياض. الحزب لا يزال على موقفه الرافض لأي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهو ما أعاد تأكيده أمينه العام الشيخ نعيم قاسم في رسالته الأخيرة، حيث قطع الطريق على أي تفاوض قد يشمل سلاحه، كونه "مسألة داخلية"، حسب قوله. 

بالنسبة للحزب، يبقى الأساس ربط مسار المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية بمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، كونها الورقة الأقوى التي قد توقف العدوان عن لبنان برأيه. فحزب الله يرى أن الحكومة اللبنانية  قدمت الكثير ابتداء من قراري حصر السلاح وتبني ورقة المبعوث الأميركي طوم باراك، وصولاً إلى اعتبار نشاطات حزب الله خارجة عن القانون، وكل ذلك من دون تحقيق أي مكسب في المقابل.

وفي حين يرفض رئيسا الجمهورية والحكومة ربط مصير لبنان بأي تفاوض آخر، لم تتوصل المساعي السياسية على أرفع المستويات بعد إلى الحصول على أي تعهّد رسمي من حزب الله بالتزام وقف النار في حال وافقت عليه إسرائيل. لعلّ الحزب يستخدم أيضاً عنصر المفاجأة في فنه التفاوضي الخاص.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث