الصراع الذي تخفيه المفاوضات

مروان حربالثلاثاء 2026/05/12
Image-1778520467
نقل النقاش من شرعية المقاومة إلى كلفة استمرار الصراع المفتوح
حجم الخط
مشاركة عبر

المسار الذي ستسلكه المفاوضات مع إسرائيل لن يحدد فقط شكل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، بل سيحدد أيضاً مصير الصراع الداخلي بين الدولة وحزب الله. وهنا تحديداً تكمن المعضلة التي ينبغي أن تدركها إسرائيل والولايات المتحدة. فالأزمة اللبنانية لا يمكن اختزالها في ملف أمني أو حدودي، لأن جوهرها يتعلق ببنية دولة فقدت احتكارها لقرار الحرب والسلم. ولذلك، فإن أي مقاربة تفاوضية تسعى إلى إضعاف الدولة اللبنانية أو تجاوزها ستؤدي عملياً إلى النتيجة المعاكسة: أي إلى تعزيز موقع حزب الله لا إضعافه. فمسألة السلاح لا يمكن حسمها عبر الضغط العسكري الخارجي وحده، بل عبر خلق توازن داخلي جديد تصبح فيه الدولة أكثر قدرة على إنتاج الاستقرار من أي قوة موازية لها.

 

بمعنىً آخر، إن نجاح المفاوضات لن يُقاس فقط بما ستنتجه من ترتيبات ميدانية، بل بقدرتها على إعادة تعريف من يملك حق إدارة الأمن والسياسة معاً. وإذا ما نجحت الدولة في استخدام نتائج التفاوض لإعادة تقديم نفسها بوصفها الطريق الوحيد للخروج من الانهيار، فقد يدخل لبنان للمرة الأولى منذ عقود في مسار يصبح فيه منطق الدولة أكثر فعالية وإقناعاً من منطق السلاح، لا بفعل الإكراه، بل لأن المجتمع نفسه يكون قد اكتشف أن كلفة البقاء داخل صراع مفتوح أصبحت أعلى من كلفة التسوية والخروج منه.

 

تبدو المفاوضات مع إسرائيل تعبيراً عن لحظة انسداد تاريخي بلغت فيها الدولة اللبنانية حدود قدرتها على الاستمرار ضمن المعادلة القائمة. فهي دولة لا تمتلك قرار الحرب، ولا تملك في المقابل القدرة على فرض شروط السلام، بحيث تبدو عاجزة عن اتخاذ قرار فعلي بوقف المواجهة مع إسرائيل، وعاجزة، بالقدر ذاته، عن استعادة احتكارها للسلاح أو فرض رؤيتها السياسية على حزب الله، خصوصاً إذا ما اتخذت المفاوضات مساراً يقود إلى تسوية سلمية حقيقية. وبين هذين العجزين، لا يعود التفاوض مجرد آلية لاحتواء التصعيد أو الوصول إلى تفاهم أمني، بل يتحول إلى مسار يرتبط بإعادة إنتاج موقع الدولة داخل التوازن اللبناني نفسه.

 

وهنا تحديداً تكمن الفرصة السياسية للدولة: أن تقدم نفسها باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على تأمين مخرج من الانهيار، في مقابل عجز حزب الله عن تقديم أفق يتجاوز منطق الاستنزاف المفتوح. فالمطلوب من الدولة اللبنانية أن تنجح في تحقيق ما يبدو الحزب عاجزاً عن تحقيقه: انتزاع التزامات واضحة بالانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية إلى الجنوب، ثم توظيف هذه النتائج لإعادة بناء شرعيتها الداخلية. 

فالقيمة السياسية لأي اتفاق لا تكمن فقط في بنوده، بل في قدرته على إعادة صياغة السردية الداخلية للصراع.  فحزب الله بنى شرعيته لعقود على معادلة تقول إن السلاح هو الضمانة الوحيدة للحماية. أما الدولة اللبنانية، فعليها أن تنجح في نقل النقاش من شرعية المقاومة إلى كلفة استمرار الصراع المفتوح. أي أن تثبت أن الدولة، لا السلاح، هي القادرة على حماية المجتمع من الانهيار الاقتصادي والعزلة والتدمير المستمر. وهذه هي نقطة التحول المفصلية في أي عملية تفاوض ناجحة: تغيير تعريف المصلحة داخل البيئة الحاضنة للصراع. 

 

في المقابل، فإن أي فشل أو نتائج هشة للمفاوضات لن يؤدي فقط إلى استمرار التوتر، بل سيمنح حزب الله مكسباً سياسياً داخلياً بالغ الأهمية، لأنه سيعيد تكريس صورة الدولة باعتبارها عاجزة مرتين: عاجزة عن إدارة الحرب، وعاجزة كذلك عن انتزاع شروط تسوية تحفظ الحد الأدنى من السيادة والاستقرار. وعندها، ستتعزز مجدداً سردية أن منطق الدولة غير قادر لا على حماية لبنان بالحرب ولا على حمايته بالسلام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث